رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العبور الجديد

لم تكن حرب 6 أكتوبر مجرد معركة لتحرير أرض مصرية احتلها العدو فى غفلة من الزمان، ولكن كانت عبورا بمصر والأمة العربية من عصر إلى عصر، حيث خلقت واقعا جديدا فرض نفسه على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وعادت مصر إلى موقعها الريادى فى الحرب والسلام.

ورغم البطولات الكثيرة التى حققها الجيش المصرى فى حرب الاستنزاف، التى بدأت بعد أيام قليلة من نكسة 1967، واظهرت المعدن الحقيقى للجندى المصرى، الذى نجح بأقل الامكانات وفى ظروف بالغة الصعوبة من توجيه ضربات موجعة لقوات العدو الذى اصابه الذهول بعد أن ظن أنه قضى على جيش أكبر دولة عربية، لكنه أفاق من أوهامه على وقع الضربات التى تلقاها من القوات المصرية فى عدة مواقع وخلف خطوطه وبإغراق أكبر مدمراته .. إيلات، إلا أن توقعات كثيرة كانت تشير إلى صعوبة عبور الجيش المصرى لقناة السويس وتحريره أرض سيناء. ورأينا كثيرا من المحللين يشككون فى إمكانية المرور من خط بارليف الذى يحتاج إلى قنبلة نووية لفتح ثغرات فيه، وكانت المعجزة التى ابهرت العالم ـ ولا تزال ـ عندما حطم جيشنا هذا الخط المنيع بخراطيم المياه، وسيطرت عليه قواتنا بالكامل خلال 6 ساعات فقط، وبخسائر بشرية قليلة، وواجه المقاتل المصرى الدبابات الإسرائيلية بقذائف الآر بى جى وتغلب عليها فى معارك لا تزال تدرس حتى الآن فى كُبرى المعاهد والاكاديميات العسكرية فى العالم، واعترف بها العدو قبل الصديق، ووقف العميد عساف ياجورى قائد اللواء 190 مدرع اسرائيلى يؤدى التحية العسكرية للنقيب يسرى عمارة ورجاله الأبطال بعد أن نجحوا فى أسره وتدمير 73 دبابة إسرائيلية خلال نصف ساعة فقط. لم تكن معركة العبور التى قادها الرئيس الراحل أنور السادات عام 1973 سهلة، فقد جرت وسط تحديات داخلية وخارجية كثيرة، من قوى خارجية لا تريد لمصر الاستقرار والتنمية والاحتفاظ بموقعها الريادى ودورها التاريخى فى المنطقة، ومحاولات داخلية لإثارة القلاقل وتأليب الشعب على جيشه وقيادته.

لكن مصر ـ أقدم دولة فى التاريخ ـ التى كرمها الله سبحانه وتعالى بذكرها فى كتابه الكريم، وقرن اسمها بالأمن والأمان، اعتادت دائما على مواجهة أهل الشر والتغلب عليهم، واستكمال المسيرة تحت أى ظرف من الظروف. واليوم ونحن نخوض معركة العبور الجديد بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، من الفوضى إلى الاستقرار، ومن الخمول إلى التنمية، معركة كبرى تستهدف إعادة بناء دولة عصرية قوية حديثة، تعيد رسم خريطة مصر العمرانية والزراعية والصناعية، نواجه أيضا تحديات غير مسبوقة من قوى الشر التى لا تريد لشعب مصر أن يحيى حياة كريمة، ولا لدولة مصر أن تقف شامخة قوية تقوم بدورها الريادى فى المنطقة والعالم.

لقد نجحت مصر بجيشها القوى وشعبها الأبي عام 1973 فى عبور أقوى مانع مائى فى التاريخ .. عندما امتلكت إرادتها السياسية، وأخذت بأسباب القوة على جميع المستويات، وبذلت الجهد والعرق والدم، ليحيا أبناؤها بعزة وكرامة، واجبرت العالم كله على أن يعترف بقدرتها على صنع النصر ومواجهة أعتى التحديات، وقادت المنطقة بأكملها إلى عصر جديد. وما اشبه الليلة بالبارحة، فمعركة العبور الحالية تواجه أخطاراً غير مسبوقة تحدق بالأمن القومى المصرى والعربى، بعد أن أطاح الشعب المصرى تسانده قواته المسلحة بجماعة إرهابية حاولت استغلال الديمقراطية فى اختطاف إرادة المصريين والسيطرة على الدولة وتغيير هويتها بالتنسيق مع مثيلاتها من الجماعات التكفيرية المتطرفة، واسقط الشعب المصرى أوهام القوى الإقليمية والدولية التى كانت تستغل حكم الجماعة الإرهابية قاعدة انطلاق لمحاولة السيطرة على المنطقة وإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. ودخلت مصر مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتزامن مع أكبر حركة للبناء والتعمير لم تشهدها مصر فى تاريخها الطويل، من شبكات ضخمة من الطرق والكبارى، إلى بنية أساسية حديثة تواكب العصر، ومدن جديدة تزيد من مساحة العمران الأفقى فى مصر التى ظلت ثابتة لعقود طويلة، مع اضخم عملية إحلال للمناطق العشوائية والخطرة، وتوفير المساكن بمختلف مستوياتها لكل من يرغب، وافتتاح مئات المستشفيات إلى جانب الحملات الصحية القومية التى تعالج كل الأمراض، حتى اصبحت مصر مضرب المثل فى العالم لنجاحها فى علاج مرضى فيروس «سى» والقضاء على هذا المرض الذى عانى منه المصريون طويلا، وصولا إلى إجراءات مواجهة فيروس كورونا المستجد التى أدت إلى خفض حجم الإصابات بشكل ملحوظ فى الوقت الذى ترتفع فيه بدول كبرى إلى معدلات مخيفة. نجحت مصر فى معركة العبور الثانى فى بناء المصانع وتوفير فرص العمل للشباب، وفى إقامة مناطق صناعية ضخمة، وتحقيق الاكتفاء الذاتى من سلع استراتيجية كثيرة، وتكاد تكون مصر الدولة الوحيدة فى العالم الآن التى تشهد بشكل شبه يومى افتتاح عديد من المشروعات الجديدة فى مختلف المجالات رغم الظروف والتحديات.

ولأن العفى محدش يقدر ياخد لقمته كما قالها الرئيس السيسى، كان الاهتمام غير المسبوق بتحديث القوات المسلحة المصرية وتنويع مصادر السلاح، ولأول مرة يكون لدينا حاملات للطائرات الهليكوبتر فرنسية وغواصات المانية وفرقطات عالمية صناعة مصرية، وقواعد عسكرية متقدمة تغطى كل محددات الأمن القومى المصرى.

وعادت مصر إلى موقعها التاريخى، تتفاعل مع محيطها الافريقى وتقود مجلس السلم والأمن الافريقى لهذا الشهر، وتسهم فى الدفاع عن الأمن القومى العربى بالتعاون مع اشقائها، وتؤثر بمواقفها العادلة والحازمة فى حل الأزمات التى تعانى منها دول المنطقة، والعالم أجمع، فقد نجحنا فى معركة العبور الجديد التى توفر الحياة الكريمة لنا ولابنائنا واحفادنا ولتبقى مِصرُنا دولة بناءٍ ونماء للإنسانية بأكملها.


لمزيد من مقالات د. جهاد عامر

رابط دائم: