رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دبلوماسية مصرية «على نار هادئة»!

مسترخيا.. مُسنِدًا ساقا فوق ساق.. سحب صاحبه من مبسم الشيشة نَفَسَا رزينًا مُتقطعا، تعمّده أن يكون «على الهادى»، وعلى مراحل, شَدّة خفيفة.. تعقبها شدة أخف.. ثم أخف.. وهكذا. كان كأنه دبلوماسى وقور يُدَخّن.. وكان قد صاح فى صبى المقهى: يا ولد.. الحقنى بشيشة حِمِّى على نار هادئة بسرعة. نظر هو إليه بتمعُّن فرآه «هيمانا سرحانا» سعيدا، ساهِم الطرْفِ، قريرَ العينين، ناعِسَهُما، فسأله متعجّبا: خيرًا إن شاء الله.. أراك مبتسما على غير عادتك.. ماذا جرى للدنيا يا ترى؟.. ردّ الصاحب: نعم.. معك الحق.. أنا مُحتار؛ الدنيا من حولنا تفور وتمور وتتشقلب رأسًا على عقب بينما نحن هادئون مطمئنون ساكنون.. كأننا، ولا مؤاخذة، جالسون نُشيِّش.. فما تفسيرك لهذا الهدوء الدبلوماسى المصرى يا ترى؟

هزّ هو كتفيه بدون اهتمام: عادى يا سيدنا.. عندما تكون ذا خبرة.. وعركتك الأيام والليالى، وخُضت من المعارك ما شيّبَ رأس الزمان.. فمن الطبيعى أن تكون هادئًا هكذا إزاء رزايا الدهر ومصائبه. تساءل الصاحب: يعنى إيه.. ما علاقة تجارب الماضى بأدائك السياسى والدبلوماسى؟.. يا عمنا كُنْ مُحددًا وقل لى كلاما أفهمه. قال هو : ماشى يا سيدنا.. سأدخل فى الشأن الدبلوماسى خَبْطْ لزق.. خذ عندك ليبيا مثلا.. سياستنا إزاءها واضحة.. وعبّرت عنها خارجيتنا بدلا من المرة ألف مرة: ليبيا أمننا القومى المباشر. هى خط أحمر. من يخترق يحترق. حدودنا الغربية ينبغى أن يتم تأمينها دائما.. ولهذا فدبلوماسيتنا هادئة.. لأن الأمور واضحة.

قبل أن ينطق الصاحب أردف هو: سد النهضة قلنا فيه ما عندنا وانتهى الأمر, الماء حياتنا.. ومن يتجرأ على مائنا فليقرأ على روحه الفاتحة. تبنون سدًا. تبنون ألف سد. ماشى.. لكن إياكم أن تمَسّوا ماءنا. طريق المفاوضات مفتوح.. أتيتم بهدوء أهلا وسهلا.. تماديتم ونسيتم أنفسكم.. ساعتها يكون لكل حادث حديث. قلناها وكفى. كثرة الكلام لا تفيد.. ولهذا فإن دبلوماسيتنا هادئة.. إلا أنه الهدوء الذى على نار هادئة.. كالشيشة التى أمامك تلك!.. ماذا هناك أيضًا؟.. آه السلام مع إسرائيل.. دبلوماسيتنا أيضا واضحة، ومن ثمّ هادئة؛ منذ أن رسمها حكيم الحكماء السادات.. والموضوع ثابت بالنسبة للدبلوماسية المصرية: لا بديل عن السلام.. ماشى.. لكن بدون استسلام.. فماذا عن التطبيع؟.. واللهِ يا أولاد العَمّ إن أردتموه فإن له شرطًا تعرفونه جيدًا؛ حقوق الشعب الفلسطينى تعود. خلاص.. خلص الكلام.. فلماذا اللّتُّ والعجن؟

خبط الصاحب المنضدة بمبسم الشيشة بعنف ثم صاح: إذن فأنت مؤيد لما يُقدِم عليه الآن بعض الأشقاء بالخليج؟ .. ردّ هو بسرعة: يا سيدنا كل دولة حرة مع نفسها.. هم يعرفون مصلحتهم.. ونحن نعرف مصالحنا.. لا أحد وصىُّ على أحد. دبلوماسيتنا تعرف طريقها وتسير فيه. مصلحة مصر العُليا، وأمن واستقرار شعبها، وتحقيق التنمية فى أسرع وقت، هى الأولويات بالنسبة للدبلوماسية المصرية.. ما فيش فيها فِصال.. وعلى فكرة: إسرائيل أول من يعرف تلك الحقائق جيدًا. طبعًا.. وهل إسرائيل جديدة علينا، أو نحن جُدُدٌ عليها وقد خُضنا معها كل هذه الحروب؟ .. إسرائيل ليست عبيطة وتعرف مدى خبرة دبلوماسيتنا جيدا.. وتعمل لها ألف حساب.. فلماذا الخوف إذن؟.. يا عمّ الشيخ..ما دُمْتَ تعرف طريقك فلن يلتهمك أحد.. ونحن عارفون ما نريد.. فأرِحْ بالك!.

قال الصاحب ساخرا.. واليمن يا معلم.. كيف تترك إيران تسرح وتمرح فيه وتتمطع بينما أنت جالس تتفرّج؟.. ضحك هو: لأ.. لأ .. أرجوك.. كله إلا اليمن الله لا يسيئك.. لا أحد يخوض فى رمل اليمن ويخرج سالمًا.. وعُدْ إن شِئت إلى تجربتنا نحن أنفُسُنا مع اليمن فى الستينيات. يا باشا.. لا يُلدغ المؤمن من جُحر مرتين.. والقائمون على خارجيتنا وَعَوْا الدرس جيدًا. ومع ذلك فإن للشعب المصرى، وللدبلوماسية المصرية، فى نفوس وعقول أشقائنا باليمن، مكانا استثنائيًا لن يشغله أحد.. ويوقنون هناك بأن مصر لا مطمع لها فيهم، ولا لها أجندة خفيّة.. اطمئن.. هم هناك يعرفون مصر جيدا!.

ثم.. تبقى تركيا، وعقربها الرابض فى أنقرة يحيك لمصر المؤامرات. يا عزيزى.. أنقرة هى الخطر الأكبر علينا الآن.. أتعرف لماذا؟ لأنهم سبق واحتلونا لأربعة قرون كاملة كانت أسوأ حقبة فى التاريخ المصرى؛ قديمه والحديث. إنهم هناك فى أنقرة مازالوا يؤمنون بأن مصر مستوطنة تابعة لهم ويتعاملون معها على هذا الأساس.. ولهذا فإن بيانات خارجيتنا الأخيرة كشفت ألاعيبهم.. قالت لهم: نريد أفعالا لا أقوالًا يا سادة.. ومن ثم فدبلوماسيتنا واعية تماما لما يضمرون وما يُظهرون.. هل أكمل لك الحكاية أم تتركنى مع شيشتى التى أوشكت تنطفىء؟.. حِلّْ عنّى الله يسترك!.


لمزيد من مقالات سمير الشحات

رابط دائم: