رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مفارقات ذكرى الرحيل الخمسينية

ربما لم يكن من قبيل المصادفة أن تتزامن الذكرى الخمسون لرحيل الزعيم جمال عبد الناصر مع حال التردى والانزواء الذى يسبق السقوط للنظام الرسمى العربى الذى تفاقم فى هذا العقد الأخير بعجز غير مسبوق لهذا النظام عن معالجة الأزمات العربية الهائلة، وعجزه، بل وفشله فى القيام بوظائفه الأساسية خاصة وظائف الأمن والتنمية والتكامل العربى الاقتصادى والسياسى والعسكرى. كما أنها تتزامن مع حالة غير مسبوقة من التهافت على تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلى لذلك أضحى من اللازم التساؤل أولاً: هل بقى شىء من النظام العربى يمكن التعويل عليه؟ وثانياً: هل يوجد أمل فى نهاية النفق المظلم؟

السؤالان شديدا الأهمية الآن ونحن فى مصر والكثير من الدول العربية نمتد بذاكرتنا إلى جمال عبد الناصر الذى رحل عن دنيانا منذ خمسين عاماً، خصوصاً أن ظاهرة تجاوز «الثوابت» أو «المحرمات» الحالية تتفاقم بضراوة فى ظل قبول رسمى عربى صامت جزئى أو كلى بما يحدث من تصفية للقضية الفلسطينية وللانخراط فى «مشروع الحلف الأمريكى» الجديد .

المفارقة تبدو شديدة الغرابة بين ما حدث منذ ما يقرب من 70 عاماً عندما طرح مشروع «الحلف الغربى» البريطانى ثم الأمريكى ورد الفعل المصرى والعربى على هذا الحلف وبين مشروع الحلف الأمريكى الجديد والموقف العربى منه. وهنا يعيد السؤال الصعب طرح نفسه: هل من مخرج؟ فمشروع «الحلف الأمريكى» الراهن ولا يختلف كثيراً عن مشروع «الحلف الأمريكى» السابق الذى عملت الولايات المتحدة على فرضه فى السنوات الأولى من عقد الخمسينيات من القرن الماضى، عندما حاولت بريطانيا فرض مشروع «اتفاقية الدفاع المشترك» على مصر، لكن الزعيم مصطفى النحاس رئيس الحكومة المصرية زعيم «حزب الوفد المصرى» الحاكم حينذاك، تصدى بقوة لهذا المشروع ولم يسقطه وحده، ولكنه أعلن معه انسحاب مصر من معاهدة عام 1936 التى وقعتها مصر مع بريطانيا فى ذلك العام والتى منحت مصر استقلالاً شكلياً ومشروطاً ليفتح مجدداً أبواب النضال المصرى من أجل تحقيق الاستقلال الكامل عن بريطانيا، وهو ما تحقق بتفجر ثورة 23 يوليو 1952 التى خاضت المعركتين معاً: معركة تحقيق الاستقلال بإجلاء قوات الاحتلال البريطانية عن مصر، ومعركة إسقاط مشروع «الحلف الأمريكى» الذى حمله جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكى الأسبق إلى الزعيم جمال عبد الناصر، وأراد أن يفرضه على مصر وعلى كل العرب عام 1954.

فشخص مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى لا يختلف كثيراً عن شخص جون فوستر دالاس، فإذا كان دالاس قد جاء للعرب يطالبهم بالدخول فى حلف دفاعى مع الولايات المتحدة لمواجهة «الخطر السوفيتى» فإن بومبيو يجىء الآن ليطالب العرب بالدخول فى حلف مع الولايات المتحدة ولكن ضد إيران هذه المرة.

فى الخمسينيات استطاع العرب وأد الحلف الأمريكى وإفشاله. وعندما التقى جون فوستر دالاس مع جمال عبد الناصر وطلب منه مشاركة مصر فى الحلف الجديد الذى حمل اسم «حلف بغداد»، كان استفسار جمال عبد الناصر المنطقى هو: «ضد من سيشكل هذا الحلف؟ من العدو؟» وجاء وقتها رد دالاس أن «الحلف ضد الاتحاد السوفيتى»، وهنا جاءت إجابة جمال عبد الناصر الصادمة «مصر لن تدخل فى حلف ضد الاتحاد السوفيتى لأن الاتحاد السوفيتى لم يحتل أرضاً عربية، ولأننا لا نخشى على أنفسنا من أيديولوجيته الشيوعية، لو عندكم حلف يعمل ضد إسرائيل التى احتلت أرضنا العربية وتهدد أمننا العربى سنكون أول المشاركين فى هذا الحلف».

كان هذا الرد من جمال عبد الناصر بداية لواحدة من أشرس المعارك التى خاضتها مصر وخاضها العرب مع الولايات المتحدة، وكان بداية لسلسلة من المواجهات المتبادلة والمتسارعة بين الولايات المتحدة ومصر. ففى مسعاها للانتقام من مصر لرفضها الانضمام إلى «حلف بغداد» حفزت واشنطن إسرائيل للاعتداء على قطاع غزة عام 1955 الذى كان تحت الإدارة المصرية منذ نكبة 1948. ولم تستطع مصر الرد لأن الجيش المصرى لم يكن يملك الأسلحة اللازمة للرد. فأرسلت مصر بعثة للتعاقد على صفقة أسلحة مع الولايات المتحدة، وهنا كان الرفض الأمريكى مصحوباً بالتشفى. بعدها سافر جمال عبد الناصر فى سبتمبر 1955 إلى إندونيسيا للمشاركة فى المؤتمر الآسيوى- الإفريقى المنعقد فى مدينة باندونج، الذى كان بذرة التأسيس لسياسة «الحياد الإيجابى». وهناك فى باندونج التقى عبد الناصر مع شواين لاى الرئيس الأسبق للحكومة الصينية وعقد معه صفقة تقضى بأن تعترف مصر بالصين الشعبية مقابل أن تتوسط الصين لمصر مع الاتحاد السوفيتى لتوقيع أول اتفاقية لتسليح الجيش المصرى.

ضربتان مصريتان قويتان للولايات المتحدة: الاعتراف بالصين الشعبية ضد الإرادة الأمريكية وكسر احتكار السلاح، بعدها جاء الانتقام الأمريكى بالإيعاز للبنك الدولى بإلغاء قرض تمويل بناء السد العالى، ورد جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس لاسترداد حق وطنى مغتصب أولاً ولتأمين مورد وطنى لتمويل بناء السد العالى ثانياً، فجاء العدوان الثلاثى: البريطانى الفرنسى- الإسرائيلى ضد مصر (أكتوبر- نوفمبر 1956).

سلسلة طويلة من المعارك لم تخضها مصر وحدها بل خاضتها الأمة العربية كلها. فالعدوان الثلاثى انتهى بانتصار سياسى لمصر قاد فيما بعد إلى أول تجربة وحدوية عربية فى العصر الحديث بين مصر وسوريا فى 22 فبراير 1958. وقامت الجمهورية العربية المتحدة ليس رداً فقط على تهديدات تركية ضد سوريا، ولكن كانت بالأساس رداً على السياسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية ودفاعاً عن استقلالية الإرادة العربية. فبعد أشهر قليلة وبالتحديد فى 14 يوليو 1958 قامت الثورة فى العراق وسقط حلف بغداد سقوطاً مدوياً وانتصرت الإرادة العربية.

هل يمكن أن تجدد الإرادة العربية انتصاراتها وتسقط مشروع الحلف الأمريكى - الإسرائيلى الجديد وتوابعه، وتعيد التأسيس لمشروع للنهوض العربى؟ سؤال سيظل يشغل العقل العربى ومعه نجد أنفسنا فى حاجة شديدة إلى استعادة استلهام مشروع جمال عبد الناصر الذى رحل منذ خمسين عاماً ومازال رحيله صاخباً.


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: