رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثلاثون عاما على رحيل لويس عوض «3»

عرفنا أن الدكتور لويس عوض يدعو فى المقدمة التى كتبها لديوانه «بلوتولاند» لكتابة العامية. ورأينا أن له الحق فى هذه الدعوة لسبب واضح هو أن العامية ليست إلا لسانا دارجا من ألسنة الفصحى، يتفق معها لأنه فرع من فروعها، ويختلف عنها لأن مجال نشاطه هو الحياة الاجتماعية بعناصرها ومكوناتها المختلفة وانفتاحها على تجارب الماضى ومطالب الحاضر التى تتفاعل وتعبر عن نفسها بحرية لاتتاح للفصحى المحكومة بالقواعد والقوانين التى تضبطها وتمكنها من أن تخاطب العقل، وتلم الشمل، وتعبر العصور.

هذا الوضع لا تنفرد به اللغة العربية، وإنما هو واقع مشهود تعرفه كل اللغات. سوى أن البعد الفاصل بين العربية الفصحى ولهجاتها الدارجة أكبر مما هو موجود فى لغات مجتمعات أخرى استطاعت بما حققته من تقدم أن تقلل الفوارق الفاصلة بين الطبقات والفئات المختلفة، وأن تدعم الروابط الجامعة فى الكيان القومى، وتقرب بالتالى بين لغتها المثقفة ولهجاتها الدارجة، وهذا ما نستطيع أن نفعله ونحن واثقون من النجاح، لأن لغتنا الفصحى ثرية ومحمية بتاريخها وتراثها الحافل ومجالها الممتد ومكانتها السامية، ولأن لهجتنا الدارجة حية وعريقة وقادرة على أن تتعايش مع الفصحى، وتتحاور معها، وتأخذ منها وتعطيها. وهذا ما أشار إليه الدكتور لويس حين قال «إن الاعتراف باللغة المصرية ـ يعنى العامية ـ لا يتبعه بالضرورة موت اللغة العربية ـ يعنى الفصحى ـ إذا احتاط الناس لذلك».

لكن دعوة الدكتور لويس للاعتراف بالعامية كانت فقرة فى حديث بدأه حول الشعر واتخذ فيه من الثقافة العربية موقفا سلبيا لا نقره عليه، وأصدر أحكاما تحتاج لمراجعة نراعى فيها أن كاتبنا الكبير كتب مقدمة ديوانه فى أربعينيات القرن الماضى وهو شاب متحمس يتخصص فى الأدب الإنجليزى ويدرسه فى إنجلترا، ويعود من بعثته متأثرا بالمناخ المضطرب الملتهب الذى شهده العالم خلال الحرب الثانية، وشهدته مصر أيضا، وانساق فيه الجميع لصور مختلفة من العنف والتطرف. ومن هنا كانت الصيحة التى افتتح بها لويس عوض مقدمة ديوانه وجعلها عنوانا لها، وهى حطموا عمود الشعر!هذه الدعوة لا غبار عليها إذا كان المقصود بها الخروج من أسر النموذج التقليدى المتوارث والبحث عن أشكال شعرية جديدة تنطق بلسان العصر وتترجم عن روحه وتنبنى بتجاربه وخبراته وصوره وإيقاعاته.

ونحن نعرف أن عمود الشعر هو الشروط أو المعايير التى تقاس بها جودة الشعر كما كان يراها النقاد العرب القدماء ويبحثون عنها فى شعر المعاصرين لهم من أمثال أبى تمام، والبحترى، والمتنبى. ومن هذه الشروط صحة المعنى، وجزالة اللفظ، والتحام أجزاء القصيدة، فضلا عما يطلب فى الوزن والتقفية.

ونحن نعرف بعد ذلك أن الشعر العربى فى عصرنا هذا بدأ بإحياء القصيدة القديمة واتخاذها مثلا أعلى كما نجد فى شعر البارودى، ومن ظهر بعده فى مصر وغيرها من الأقطار العربية. وقد نجحت حركة الإحياء فى إنقاذ الفصحى وإعادة الروح للشعر التقليدى الذى أدى دوره وأكمل طريقه على يد شوقى، وحافظ، ومطران، والزهاوى، والرصافى، وبشارة الخورى، وبدوى الجبل، وأصبح عليه أن يترك الساحة لأجيال جديدة تنتقل بالشعر العربى من إحياء القديم إلى إبداع الجديد، وهذا ما أراد لويس عوض أن يقوله فى الصفحات التى قدم بها ديوانه واتخذ فيها من الثقافة العربية هذا الموقف السلبى الذى أشرت إليه من قبل.

إنه يبدأ مقدمته بقوله: «لقد مات الشعر «العربى». مات عام 1932 مات بموت أحمد شوقى. مات ميتة الأبد. مات فمن كان يشك فى موته فليقرأ جبران ومدرسته، وناجى ومدرسته. أما شعائر الدفن فقد قام بها أبوالقاسم الشابى، وإيليا أبو ماضى، وطه المهندس، ومحمود حسن إسماعيل، وعبدالرحمن الخميسى، وعلى باكثير، وصالح جودت، وصاحب هذا الديوان». ولدينا أكثر من سؤال نطرحه على ماجاء فى هذه السطور.

لقد خلع لويس عوض على الشعر الذى مات فى رأيه بموت شوقى صفة لا تستخدم إلا فى التعريف باللغة التى نظم بها الشعر أيا كان مذهبه وأيا كان زمنه. نقول الشعر الانجليزى فيصح هذا الوصف على تشوسر، كما يصح على شكسبير، وبيرون، وإيليوت. ونقول الشعر الفرنسى فيكون المعنى هو شعر اللغة الفرنسية، شعر راسين، وكورنى، وفولتير، وفيكتور هيجو، وبودلير، وبول فاليرى، ولويس اراجون. وكذلك حين نقول الشعر العربى فيصح هذا الوصف على امرئ القيس، كما يصح على المتنبى، والمعرى، وعلى أحمد شوقى، وعلى ابراهيم ناجى، وعلى صلاح عبدالصبور، وعلى أمل دنقل. أما فى التعريف بالمدرسة التى ينتمى لها هذا الشعر أو بالعصر الذى قيل فيه فنحن نستخدم صفات أخرى فنقول قديم أو حديث، ونقول كلاسيكى أورمانتيكى. فإذا كان الدكتور لويس عوض قد أراد أن يميز فى السطور التى بدأ بها حديثه بين شعر شوقى التقليدى وشعر جماعة أبوللو الرومانتيكى فلماذا استخدم الكلمة التى نعرف بها اللغة بدلا من الكلمة التى نعرف بها المدرسة الشعرية؟ لماذا قال عن شعر شوقى الذى مات فى رأيه إنه هو «الشعر العربى» ولم يقل إنه الشعر التقليدى أو الشعر القديم؟

الجواب واضح، وهو أن الدكتور لويس أراد أن يقول إن شعر اللغة العربية كله من أول امرئ القيس حتى شوقى شعر قديم أو شعر ميت، وأن ما يكتبه الشعراء الجدد الذين ظهروا بعد شوقى شعر آخر لا علاقة له بالشعر العربى الذى مات فى رأيه بموت شوقى، فهل يموت الشعر بموت الشاعر؟ وإذا كان شوقى شاعرا تقليديا فى شعره الغنائى فهل كان تقليديا فى شعره المسرحى؟ وإذا كان شعر اللغة العربية قد مات بموت شوقى فبأى لغة كتب الرومانتيكيون قصائدهم؟ ثم إن الشعراء العرب التقليديين أو المحافظين ظلوا يواصلون نشاطهم بعد رحيل أميرهم. مطران، وعلى الجارم، وعزيز أباظة فى مصر، والأخطل الصغير، وأمين نخلة فى لبنان، وبدوى الجبل فى سوريا، والرصافى، والجواهرى فى العراق.

وفى الاربعاء القادم نواصل احتفالنا بلويس عوض ونواصل حوارنا معه.


لمزيد من مقالات ◀ بقلم ـ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: