رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المشرق الجديد.. ضرورة إستراتيجية

احتضنت العاصمة الأردنية عمان حدثا مهما، نهاية الشهر الماضي، لكنه مرّ مرور الكرام، قمة جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسى والعاهل الأردنى عبدالله الثاني، ورئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمي، بحثت تعزيز التعاون الاقتصادي، خاصة مجالات الطاقة والربط الكهربائى والبنية التحتية والاستثمار والتجارة؛ بغية تأسيس نوع من التكامل الاستراتيجى بين الدول الثلاث.

وقد أطلق الكاظمى مصطلح الشام الجديد أو المشرق الجديد على هذا التكتل، فى تصريحات لصحيفة واشنطن بوست، ووصفه بأنه مشروع اقتصادى على النسق الأوروبي، من خلال المزاوجة بين القدرات البشرية والصناعية المصرية والثروات العراقية وموقع الأردن بينهما، باكورة هذا التعاون إنشاء خط بترول من البصرة، لمصر مرورا بخليج العقبة عبر الأردن، تحصل القاهرة وعمان على الخام بأسعار تفضيلية مخفضة، بينما تستورد بغداد منهما الكهرباء، والمشتقات البترولية المكررة..إلخ.

ورغم غلبة الطابع الاقتصادي، فإن التكتل يعد خطوة بارعة، بينما يشتد الصراع الجيوسياسى على الشرق الأوسط، صارت بلدانه بيادق بأيدى القوى الإقليمية والدولية، تصنع بها ما تشاء، تجرى إعادة هندستها على قدم وساق وفقا لأجندات خارجية، سايكس- بيكو جديدة تضرب يمنة ويسرة، بإشعال بؤر التوتر الدائم بداخلها والصراع مع جيران الحيّز الجيوثقافي، للسيطرة عليها. الصفقة الكبرى تدق الأبواب بعنف، التفتيت وتوزيع الغنائم على القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، صارت المنطقة كومة حطب تلتهمها النيران، نار الحطب عندما تنطفئ لا تخلف سوى الرماد، ما دام العرب على ذاك المستوى من التصدع، بعدما تهاوت الأبنية الشائخة للنظام العربي، سواء الجامعة العربية أو مجلس التعاون الخليجي، أو الاتحاد المغاربي.

ومن ثمّ تتضح أهمية التكتل الثلاثى المشرع الأبواب لانضمام آخرين، كالسعودية أو سوريا بعد الاستقرار أو ليبيا أو السودان.. إنه التحام بين الهلال الخصيب ومصر وما حولها، يتوسط العالم ويتحكم بأهم خطوط اتصاله؛ دول تحوز قدرا هائلا من الفرص، إن أُحسن استثمارها. لكن الدول الثلاث تتعرض لتحديات قاسية على المستويات كافة، تقع فى قلب صراع المحاور فوق المسرح العربي، صراع يسعى لإنهاكها؛ فالعراق منذ خطيئة احتلال الكويت، ثم الغزو الأمريكى لبغداد وتدمير مؤسسات الدولة العراقية، وتسليمها على طبق من فضة للإيرانيين وغيرهم، يعيش فى محن متجددة؛ هذه الدولة الأغنى فى المنطقة صارت مرتعا للميليشيات الإرهابية، وفريسة لكل طامع، ينهشها الأمريكيون والإيرانيون والأتراك، بعض عرب الخليج لم يقصروا. وقد جاءت انتفاضة الشعب العراقى الأخيرة بحكومة الكاظمي، فشرع الرجل على الفور فى مواجهة أزمات بلاده المزمنة، ساعيا لاستعادة العلاقات مع محيطه العربي، وإعادة تنظيمها مع الولايات المتحدة وإيران، أعلنت واشنطن سحب قواتها تدريجيا من هناك، بيد أن طهران لا تنظر إلى خطوات الكاظمى بارتياح، وصفها حسين شريعتمدارى رئيس تحرير صحيفة «كيهان» ومستشار المرشد على خامنئى بأنها امتداد للخيانات التى تعرض لها آل البيت بالكوفة. أما الأردن فإنه يعتبر تطورات القضية الفلسطينية وموجات التطبيع نذر خطر جسيم، مع تكرار الحديث عن فكرة الوطن البديل، أما مصر فإنها تمرق وسط عواصف تهب من جميع الاتجاهات، بالإضافة إلى تداعيات كورونا التى تربك الجميع. وعلى الرغم من كل تلك الحواجز، فإن الطريق مفتوح أمام مصر والعراق والأردن لبناء محور اقتصادى فى المقام الأول؛ لدفع التنمية وحرية تدفق الأموال والتقنيات والعمالة، يقارب التبادل التجارى بينها نحو خمسة مليارات دولار... وذلك ضرورى للتخفف من محاور الصراعات وكبح المشروعات التوسعية على حساب العرب؛ إسرائيلية أو إيرانية أو تركية، بالتعاون والتكاتف فى وجه الأزمات.

وحتى يلامس هذا التجمع مشارف النجاح يتوجب عليه البحث عن تسويات سياسية فى ليبيا وسوريا واليمن حتى تستعيد عافيتها. إن إعادة الإعمار فى العراق وليبيا وسوريا، على سبيل المثال، تعد فرصة ذهبية للشركات المصرية والأردنية، تكفل تخليص الاقتصاد المصرى من معاناته، هذا مجرد بند واحد، فما بالك ببقية الفوائد وللجميع. إن المشرق الجديد ضرورة استراتيجية ينبغى الوصول بها إلى غاياتها، خاصة أن غالبية الدول العربية باتت مجرد أحجار على رقعة شطرنج يحركها الصغار والكبار، على مقاسات مصالحهم، وتحولت المصالح العربية إلى ركام؛ نتيجة لعبة القبائل الدامية بين العرب وعلى أرضهم، بحيث صارت إسرائيل أمهر اللاعبين وأكثرهم نفوذا، إن أخطر ما يهدد أمة ما هو غياب الأمل، ولعل الشام الجديد يشكل بصيص أمل، يزيح جانبا من ظلمة التطورات بالشرق الأوسط التى تحكم قبضة الغرباء على قرارها وثرواتها!.

[email protected]
لمزيد من مقالات ◀ د. محمد حسين أبوالحسن

رابط دائم: