رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل انتهى عصر النفط؟

نشرت الصحف فى يونيو الماضى خبر توقيع مصر والصين مذكرة تفاهم لتصنيع سيارات كهربائية فى تعاون يبين شركة النصر لصناعة السيارات وشركة دونج فينج الصينية الرائدة فى صناعة هذا النوع من السيارات. وبحسب الخبر، من المنتظر أن يكون مصنع السيارات الجديد مخصصا للسوق المحلية وللتصدير إلى مختلف الدول بحيث تتحول مصر لمركز لتصنيع السيارات الكهربائية بأنواع مختلفة، وأن مصر تستهدف إنتاج السيارات الكهربائية فى شركة النصر للسيارات بطاقة إنتاج تصل الى نحو 25 ألف سيارة سنويا.

هذا الخبر بالتأكيد يحمل بشرى سارة، والذى يزور الولايات المتحدة أو إحدى العواصم الأوروبية الكبرى سوف يذهل من العدد الكبير من السيارات الكهربائية التى تسير فى الشوارع، والتى تزداد كل يوم، والذى يؤكد أن هذه هى موجة المستقبل التى بدأت تظهر إرهاصاتها بشكل واضح.

انتشار السيارات الكهربائية لن يؤثر فقط على صناعة السيارات التقليدية كما نعرفها، ولكن سيكون أيضا أحد المؤثرات الكبرى على مستقبل النفط، والذى يتم استهلاك جانب كبير منه كوقود للسيارات التقليدية.

 مستقبل النفط هو أحد القضايا الرئيسية التى يناقشها كتاب صدر منذ أيام قليلة لأبرز خبراء العالم فى مجال الطاقة، وهو دانيال يرجين، وعنوانه الخريطة الجديدة: الطاقة والمناخ وصراع الأمم. المؤلف نشر ملخصا لأهم أفكار الكتاب فى مقال بإحدى الصحف الأمريكية فى الأسبوع الماضى، وبعض هذه الأفكار جديرة بالعرض والتحليل لأنها تمس مستقبلنا ومستقبل المنطقة التى نعيش فيها، والتى تعتمد بشكل أساسى على اقتصاديات النفط.

 الفكرة الرئيسية التى يطرحها يرجين هى أن انتشار السيارات الكهربائية سيحول العالم فى العقود المقبلة بعيدًا عن استخدام النفط والغاز الطبيعى والفحم، وسيكون للتحول تأثير اقتصادى عالمى هائل، لكنه سيحدث أيضًا تغييرات كبيرة فى خريطة القوة العالمية، وأن  الصين تعد نفسها لأن تكون الرابح الأكبر من هذه التحولات، وأن روسيا ومصدرى النفط فى الشرق الأوسط سيكونوا أكبر الخاسرين، ومن المرجح أن تقع الولايات المتحدة فى مكان ما بينهما. ويشير أيضا الى أن التحول نحو الطاقة الجديدة أصبح أيضا التزاما دوليا منذ أن تعهدت 195 دولة فى اتفاقية باريس للمناخ لعام 2015 بالحفاظ على درجات الحرارة العالمية من الارتفاع والناتجة عن انبعاثات الكربون.

 ولكن يرجين يشير الى أن التاريخ يظهر أن تحولات الطاقة لا تحدث بسرعة، حيث إن أول تحول رئيسى من الخشب إلى الفحم  فى يناير 1709، عندما اكتشف عامل معادن إنجليزى كيفية استخدام الفحم، لكن الأمر استغرق قرنين قبل أن يتفوق الفحم على الخشب والنفايات باعتباره الوقود الأول فى العالم.  ثم تم اكتشاف النفط فى الولايات المتحدة عام 1859، ولكن استغرق الأمر قرنا من الزمان، وحتى الستينيات، حيث حل النفط محل الفحم باعتباره أكبر مصدر للطاقة فى العالم.  ولكنه يشير إلى أن تغير المناخ والضغوط السياسية ستدفع العالم الى التحول لمصادر طاقة جديدة بشكل أسرع بكثير من التحولات السابقة.

 أما بالنسبة لتأثير هذا التحول على توازن القوى العالمي، يشير يرجين الى أن الصين سوف تستفيد إلى أقصى حد من انتقال الطاقة فى المستقبل.  على الرغم من أن الصين لديها صناعة نفطية قوية وهى خامس أكبر منتج للنفط فى العالم ، فإن إنتاجها أقل بكثير مما تحتاجه لتغذية ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وتستورد الصين نحو 75% من نفطها وأصبحت إلى حد بعيد أكبر مستورد للنفط فى العالم، وترى أن الاعتماد على واردات النفط يمثل نقطة ضعف إستراتيجية رئيسية، وهو ما يطلق عليه معضلة ملقا فى إشارة إلى المضيق الضيق الذى يمر عبر سنغافورة وإلى بحر الصين الجنوبي، والخطر فى نظر الصين هو أنه فى حالة حدوث مواجهة مع الولايات المتحدة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، فإن البحرية الأمريكية ستغلق المضيق أمام الناقلات التى تحمل واردات النفط الصينية من الشرق الأوسط وإفريقيا، مما يؤدى إلى شل حركة أجزاء كبيرة من قوتها الاقتصادية والعسكرية، وبالتالى فإن تقليص اعتماد البلاد على النفط المستورد سيكون بمنزلة فوز استراتيجى كبير للصين.

كما أن الصين ستستفيد أكثر من تحول الطاقة، بسبب انتاجها الكبير فى صناعة السيارات الكهربائية فى العالم، وتخطط الصين لأن تتفوق على صانعى السيارات المعروفين وتكتسب الريادة فى أسواق هذه النوعية من السيارات.

 هذا المكسب للصين سيقابله خسارة لروسيا، وهى واحدة من أكبر ثلاثة منتجين للنفط فى العالم، حيث إن اعتماد روسيا على المكاسب من تصدير النفط والغاز الطبيعى يمثل نقطة ضعف إستراتيجية، حيث تمثل 40-50% من ميزانية الحكومة، 55-60% من عائدات التصدير، و 30% من الناتج المحلى الإجمالي.

 الخاسر الآخر سيكون الدول النفطية بمنطقة الشرق الأوسط، حيث إن صادرات النفط مسئولة عن ما لايقل عن 70% من عائدات كثير من حكوماتها، وفقًا لصندوق النقد الدولي، وتعتمد الأنشطة غير النفطية بشكل كبير على النفقات الحكومية التى تمولها عائدات النفط.

 خلاصة الأمر أن التحول نحو الطاقة الجديدة وبعيدا عن النفط سوف يعيد هيكلة التوازنات السياسية والاقتصادية فى العالم، ومن المهم الاستعداد للتكيف معه.    


لمزيد من مقالات ◀ د. محمد كمال

رابط دائم: