رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

باحـثة هـولندية: «الرجولة» ليست سهلة فى مصر

هبة عبد الستار
صورة من أحد شوارع بولاق حيث كتب على الحائط «الرجولة مش بسهولة»

«الرجولة أفعال وليست أقوالا.. الرجولة ليست أموالا طائلة وملابس فاخرة وعضلات مفتولة وصوتا عاليا أو دخان سجائر متطايرا، ولكن الرجولة احتواء، موقف، صدق، إخلاص»..تلك نماذج من عبارات مأثورة يتم تداولها شعبياً فى مجتمعاتنا العربية عند توصيف الرجولة. ولكن كيف تجذر المفهوم الحقيقى للرجولة و«جدعنة أولاد البلد» فى المجتمع والثقافة المصرية؟، وما هى المعايير التى تحكمه والتحديات التى يواجهها؟ كل تلك التساؤلات حاولت كارين فان نيوكيرك، عالمة الأنثروبولوجيا وأستاذة الدراسات الإسلامية المعاصرة بجامعة رادبود بهولندا، الإجابة عنها فى كتابها «الرجولة ليست سهلة الرجولة المصرية من خلال حياة الموسيقى سيد حنكش»، الصادر عن مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

 

الدراسة ليست الأولى للباحثة الهولندية عن مصر والأحوال الاجتماعية فيها، فقد صدر لها من قبل كتاب «تجارة مثل أى شيء آخر: المطربات والراقصات فى مصر» الذى درست فيه مجتمع المطربات والراقصات والنظرة المجتمعية لهن. وكان سبب معرفتها ببطل كتابها الجديد الموسيقار سيد حنكش، وهو موسيقى تقليدى من عائلة لها تاريخ بالعمل كفنانين بالأفراح الشعبية. فى الكتاب الذى بين أيدينا هنا، تقدم كارين لوحة بديعة عبر دراسة اثنوجرافية متعمقة تستخدم فيها قصة حياة «حنكش» كعدسة يمكن من خلالها استكشاف المفاهيم المتغيرة للرجولة فى المجتمع المصري. تتمحور قصة «حنكش» حول مفهومه الخاص للرجولة ، والذى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم ومواصفات «ابن البلد» ، رجل الطبقة الدنيا «المصرى الأصيل» ، بكل ما يرتبط به من قيم النبل والنزاهة والصلابة والإخلاص، وكيفية تجسيد هذه المثل المجتمعية مع إعالة أسرته فى مواجهة المصاعب الاقتصادية والغموض الأخلاقى المرتبط بعمله فى الفن .

تدمج كارين مع حكاية «حنكش» الأدبيات المختلفة حول النوع الاجتماعى التى ترى الرجولة على أنها تجربة حية يتم إنشاؤها وتجسيدها فى سياقات اجتماعية وتاريخية محددة. من خلال القيام بذلك ، تظهر أن التحديات التى يواجهها «حنكش» لا تقتصر على عالم الفن وأن قصته تقدم رؤى عميقة حول التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تحدث فى مصر بشكل عام والطرق التى تؤثر بها هذه التحولات وتزعزع المفاهيم المتداولة حول الرجولة. تبدأ الحكاية من طفولة «حنكش» ومشاهدته والده كموسيقى شاب يعمل بالأفراح ، ثم التحاقه بالعمل مع والده فى شبابه حتى مرحلة «الرزانة» كما يسميها «حنكش» وتحمله مسئوليات أسرته حيث تبلور لديه وقتها المفهوم الكامل للرجولة.

وترسم من خلال «حنكش» صورة متشعبة ومتشابكة للمصرى التقليدى «ابن البلد» المتمسك بالتقاليد رغم التناقضات التى تحيط به والتى تعد فى جوهرها جزءاً لا يتجزأ من المثل العليا للمجتمع الذكورى الذى يعيش فيه. كما تلقى قصة حياته الضوء على حياة ونضالات الطبقة الدنيا من أولاد البلد والقيم المرتبطة بها، وحياة وأعمال الفنانين الشعبيين الذين لديهم عاداتهم ومصطلحاتهم الخاصة والتطورات التى طرأت على مهنتهم وتأثير الظروف الاقتصادية المتقلبة عليهم، وكيف أثر ذلك على ممارسة الرجولة بالنسبة للبعض منهم، حيث ترتبط الرجولة بالنسبة للمصرى الأصيل فى جزء كبير منها بالكرم والقدرة على كسب المال وإطعام الأسرة بشكل كاف ليكون الفرد رجلا صالحا، وهو جزء من القيم الثقافية والاجتماعية المهيمنة لذا تأثر تجسيد الرجولة المسئولة وارتبط ارتباطا وثيقا بالظروف الاقتصادية والاجتماعية فى مصر، خاصة فى فترات التقلبات منذ عهد الانفتاح وحتى الركود الاقتصادى خلال عهد مبارك وبعد ثورة يناير، فتدهور الوضع الاجتماعى والاقتصادى أدى إلى نشوء مشاعر التهميش والاغتراب والشعور بالعجز بين الرجال لذا عوض بعضهم عدم القدرة على جمع رأس المال الاقتصادى، بالاتجاه إلى «رأس المال الذكورى» ، كوسيلة لاستعادة هيمنة الرجولة، وهو ما اعتبرته كارين يفسر انتشار استخدام المنشطات بين الرجال بالسنوات الأخيرة، وأيضا يفسر لماذا تصاعدت ظاهرة التحرش.

تبرز أيضا كيف تتبلور مفاهيم الرجولة تحت الانتقادات التى توجه للفنانين الرجال بسبب «العمل خلف الراقصات»، وهى إشكالية ترى أن «ابن البلد» عالجها عبر قيامه بدور «الحامى» و«الراعى» للنساء اللاتى يعمل معهن ضد أى أذى خارجى من رجال آخرين أو انحرافات أخلاقية خارج نطاق عملهن كفنانات . وترتبط تلك النظرة أيضا بالتوصيف الذى كان يستخدم لتوصيف هؤلاء ، حيث يتم استخدام توصيف «عوالم» بشكل سلبى للفتيات السيئات العاملات بالأفراح الشعبية بينما يتم استخدام توصيف «فنانين» بشكل إيجابي. كذلك تشتبك كارين مع الانتقادات المجتمعية التى تواجهها السيدات بسبب عملهن كمغنيات وراقصات، مشيرة إلى أنها ضمن بحثها لتلك الطبقة الاجتماعية وجدت أن السيدات يؤمن ويطبقن معايير «بنات البلد» من خلال احترام الذات والآخرين، وعبر سلوكياتهن بدفاعهن عن الشرف وتحملهن مسئولياتهن، وهو ما ينطبق عليه القول الشهير «سيدة بـ100 رجل» لتوصيف هؤلاء، مبرزة كيف أن مفهوم الرجولة هنا - كموقف وكسلوكيات - ينطبق أيضا على السيدات كما ينطبق على الرجال، حيث توصف المرأة بـ»الجدعنة» أو أنها «بنت بلد» وهذا يعنى أن المواقف والأفعال الصحيحة لا ترتبط بجنس معين وأن «الرجولة ليست سهلة».

هى تجادل أيضا بأنه كى تكون مصريا أصيلا وابن بلد فهذا لا يعد بالضرورة شكلا من الهيمنة الرجولية فى حد ذاتها بل يمكن اعتباره شكلا من ثقافة اجتماعية عامة وشعبية تكرس لهيمنة الذكور، وهى أيضا ثقافة تتسم بالطبقية فى نفس الوقت فهذا البناء القيمى والثقافى هو ما يشكل النظرة للرجل والمرأة والعلاقة بينهما فى المجتمع يختلف تطبيقه بحسب الطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها الأفراد، معتبرة ذلك نقطة سلبية لمصلحة تطبيق مفهوم الرجولة فى ظروف اجتماعية ومادية وسياسية مختلفة قد تشكل ضغطا وعائقا أمامها . إلا أن النظرة لمفهوم الرجولة هنا يقابلها نظرة أخرى لمفهوم الأنوثة وكيف تعيش وتتصرف كزوج صالح وكزوجة صالحة . تلك النظرة التى تتغير بحسب الطبقة والظروف الاجتماعية ومدى الوعى هى التى تؤثر على حياة الرجل وسلوكياته وتفسر أيضا لماذا يفشل بعض الرجال فى الوفاء بتوقعات ومتطلبات معايير الرجولة الموضوعة لهم لكى يكونوا نموذجا وقدوة صالحة كرجل مصرى أصيل و«ابن بلد» أو حتى كـ «بنت بلد» بالنسبة للسيدات والفتيات.

بالتأكيد الدراسة ثرية ومختلفة فهى لا تغوص فى عالم الفنانين الشعبيين وحكاياتهم فقط بل تستخدم هنا «قصة الحياة» كمفهوم أوسع للسيرة الذاتية بما قد تتضمنه من كنز من الوثائق والصور أو حتى التاريخ الشفوى الذى يوثق تجربة الفرد وأبرز ملامح عصره ومجتمعه والتطورات والتغيرات الاجتماعية التى شهدها، وكيف يمكن توظيفها فى الأبحاث الاجتماعية لدراسة المجتمع من خلال حياة الفرد.


رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق