رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شمعة تضى الروح

عبد الهادى شعلان

فى الليل، أقفُ فى منتصف غرفتى المُضَاءة وأرقصُ على صوت الهدوء، ألفُّ وأدور حَوْل روحى وأرمى كل هموم العَالَم وراء دوراني، لكنى أعشق الظُّلْمة وأحب أن أرى العَالَم من وجهة نظر أعمى فأفعل الآتي: أُخرجُ العِصابة من جيبي، وأَلِفُّ بها كل رأسى وأنا أدور، حَتَّى لا ترى عينى النُّور، وأضحك فى الظَّلام وأدور كأنِّى واقف على عتمة الكون وسحاب العَالَم الأسود، وأكون نَجْمَة فى السَّمَاء المظلمة وأغنِّى وأسمع صوتى نقيَّاً رائقاً، وأقول لروحى إنَّ العميان فى نعمة لا يعرفونها، فهم القادرون على السِّباحة فى غموض الحياة وهم القادرون على رؤية حقيقة الظَّلام، الحقيقة الشفَّافة فى هذه الدنيا، أبتسمُ وأغوصُ فى الظَّلام فأمسكُ العِصابة وأكاد أسحبها من فوق عينى لكنى لا أخلعها، إذ لو رفعتها لوجدتُ حدودى الضَّيقة التى أعيشها فى محيط غرفتى المحدودة.

أتمنَّى أن أكون عصفوراً، فأفرد يديَّ وأطير فى الظَّلام البنفسجي، وأرى دقائق نور حولى كنجوم، فأُمْعِنُ البصر فى الظَّلام فتسحبنى دقائق النُّور حَتَّى أكاد أخبط بجناحى فى الحائط، فأتحوَّل لسمكة فى عمق ظلام الْبَحْر، أجدف فى طبقات الظُّلْمة بزعانفى وأبتسم لتَمَوُّج الظُّلْمة حولي.

أضع يدى فوق العِصابة لأنتزعها حَتَّى يَدْخُلنى النُّور ويغمرني، فأتردَّد وأكاد أتَحَوَّل لثعبان أعمى يزحف فوق حشائش الغابات، لكنى أكره أن أكون ثعباناً، أحَاوِل أن أنتزع جلد الثعبان وأتحوَّل لفراشة فلا أستطيع، ويغمرنى سواد رؤية الثُّعبان الأعمي، ويملؤنى شعور قاتم أنِّى أصبحت ثعباناً، فأمد يدى وأنتزع العِصابة من فوق عيني.

أين النُّور؟ لقد نَزَعْتُ العِصابة وها هى أصابعى أمام عينى وأنا لا أراها، أين الضَّوْء المُبهر؟ من أين حَلَّت تلك العتمة؟ كادت الظُّلْمة تصيبنى بالدُّوار، لكنى دُرت نصف دورة فرأيت الظَّلام عميقاً، قاحلاً، غائراً، يسحبنى للداخل ويرمينى فى بئر لا قرار لها، ظلمة كقبر كافر، ودوَّامة بحر عنيفة، وشعرتُ أنى أهوى من سماء بعيدة، فأرتَطِم بقرار الصُّخور ولمستُ وجهى وتأكدت أن عينى مفتوحة، إذ إنَّ أصابعى فَتَحَتْ جفونى بقوة وصرخت، لقد صِرْتُ أعمي، أعمي.

للحظة لمستُ دمعة تحدَّرت من قلب عينى فتأكدتُ أن عينى حَيَّة لم تمت، وشعرتُ برِعْدة فى ركبتى وارتجافة عارمة شملتْ كل وجودي، وسقطُ على الأرض أتحسَّس السِّجادة التى أعرف رائحتها جيداً، ومشيتُ على أربع كحيوان، إذ إنَّ قدمى لم تعد تستطيع حَمْلِي، ولم أكن قادراً على التَّقدُّم خطوة للأمام، خطوة وحيدة سأخطوها وأنقذفُ فى بئر تثقب الأرض وتلتهمنى حَتَّى أخرج من باطن الأرض لظلام الكون.

ظَللت أزحف على أربع، وتأكدت أنى أصبحتُ أعمي، لمستُ وجهى مَرَّة أخري، ورطمتُ رأسى بيديّ وتأكدتُ أنى تحوَّلت لثعبان أعمى يزحف على سجادة مبلولة من كوب شاى لم أُزل أثاره منذ الصَّباح الفائت، شَمَمْت رائحة الشَّاى ورفعتُ رأسي، كانت بؤرة نور منتشرة فى الظَّلام تسحبنى وتخطفنى فأغمضُ عينى وأفتحها وأحدق، أحدق.

هناك شعاع من ضياء كخيط رفيع، يأتينى من شِقِّ بعيد، وقفتُ وانقذفتُ ناحيته ومدَدْت يدي، كان الشُّعاع يدخل من نافذة المنور دافئاً وحنوناً، فتحتُ النَّافذة، كانت جارتنا توقد شمعة، وصلنى شعاعها فأعاد لروحى الحياة، أغمضتُ عينى فاختفى الشُّعاع، وحين فتحتها ورأيت الشُّعاع وضعتُ يدى أمام وجهى فرأيت خمسة أصابع تتراقص مع ضوء الشَّمعة، ضحكتُ وقبَّلتُ كفى ولم أهتم حين انسحب ضوء الشَّمعة من المنور وصارت الدنيا ظلاماً، إذ إنِّى دخلتُ غرفتى وقدمى فى غاية الثَّبات، أتحرَّك فى الظَّلام مطمئناً أنى سأجد شمعة وأوقدها لأبدِّد هذا الظَّلام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق