رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التصويت: واجب.. حق.. أم امتياز

عندما أحال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المتخلفين عن التصويت فى انتخابات مجلس الشيوخ للنيابة فإنه لم يفعل سوى تطبيق نص القانون الذى يجعل التصويت واجبا إلزاميا لكل من لهم حق التصويت. مصر ليست الدولة الوحيدة التى تأخذ بمبدأ التصويت الإلزامي، فهناك سبع وعشرون دولة أخرى تطبق هذا النظام، وهو عدد ليس قليلا.

تأخذ مصر بنظام التصويت الإلزامى منذ عام 1956، ومع هذا فأنا لا أذكر أن المجتمع المصرى بعوامه ومثقفيه قد خاض حوارا جادا حول هذه القضية، ولا أذكر أبدا أن السلطات قد حاولت ولو مرة واحدة معاقبة المتخلفين عن التصويت، لهذا أخذتنا المفاجأة عندما أحال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات ملف المتخلفين عن التصويت للنائب العام. وبغض النظر عن التطورات القانونية لهذه القضية، فإنه بات واجبا فتح حوار جاد حول هذه المسألة.

تطبق المكسيك التصويت الإلزامى منذ عام 1857، وهى أقدم الدول التى تأخذ بهذا النظام, الذى تطبقه الأرجنتين منذ عام 1912؛ واستراليا منذ عام 1924؛ وتطبقه بلجيكا للرجال منذ 1892، وللنساء منذ 1949، والبرازيل منذ 1932 وفى إكوادور منذ 1968؛ وأدخلته بلغاريا فى 2016، لتصبح أحدث الدول التى تأخذ بهذا النظام.

المفارقة فى قضية التصويت الإلزامى هى أن الحكومات نادرا ما تقوم بمعاقبة المتغيبين عن التصويت، حتى عندما ينص القانون على ذلك. تكاد تكون أستراليا هى الحالة الوحيدة التى يدفع فيها المتخلف عن التصويت غرامة قدرها خمسة عشر دولارا، وهى عقوبة رمزية فى بلد متوسط الدخل فيه 54 ألف دولار. تتجاهل أغلب الدول الأخرى تطبيق النص القانوني، أو أنها تعاقب المتخلفين عن التصويت بشطب أسمائهم من سجل الناخبين، إلى أن يطلبوا إعادة إدراجهم فيها، وهو النظام المعمول به فى البرازيل. التصويت الإلزامى هو فى أغلب البلاد مسألة رمزية، ينص عليها المشرعون على أمل أن يؤدى ذلك إلى تشجيع المواطنين على التصويت من باب احترام القانون والالتزام به، وهذا يقتضى مجتمعا تقوم ثقافته السياسية على احترام القانون، ولا أظن أن ثقافتنا السياسية تقع فى هذه الفئة. يرى أنصار التصويت الإلزامى أن شرعية الحكومة تتعزز عندما يتم انتخابها من جانب الشعب كله؛ وأنه حتى وإن لم يكن لدى عموم الناس معرفة كافية بالسياسة والمرشحين والأحزاب، فإن للتصويت الإلزامى أثرا تعليميا، يتيح لعموم الناس الفرصة لزيادة معارفهم السياسية، والتدريب على متابعة السياسة وممارستها. التصويت الإلزامى يرفع نسبة المشاركة بمعدل متوسط قدره 7%؛ فأعلى معدلات التصويت فى العالم تحدث فى دول تطبق نظام التصويت الإلزامي. فقد شارك فى انتخابات 2016 فى استراليا 91% من الناخبين، و87% فى بلجيكا عام 2014. ومع هذا فإن هناك دولا لا تأخذ بهذا النظام، وظلت قادرة على تحقيق معدلات تصويت مرتفعة، فالمشاركة فى انتخابات السويد عام 2014 وصلت إلى 82.6%، ووصلت إلى 77.9% فى كوريا الجنوبية عام 2017؛ وكلها دول ترى التصويت حقا، لا واجبا؛ وأنه لا يمكن إكراه الناس لممارسة حقوقهم، التى يجب أن يمارسوها فقط بإرادة متحررة من الضغط والإكراه.

هناك آخرون لا يرون فى التصويت واجبا أو حقا، ولكنه امتياز، يفوز به المواطن عندما يستحقه، ويحصل عليه لو توافرت فيه شروط معينة. التصويت, فى رأى هؤلاء, يشبه رخصة قيادة السيارة، التى هى امتياز يحصل عليه المواطن لو توافرت فيه شروط معينة وانتخاب المشرعين والحكام ليس بالأمر الأقل أهمية وخطورة من قيادة سيارة وأن التصويت المعمم الإلزامى يأتى إلى صندوق الاقتراع بالعناصر الأقل علما ومعرفة واهتماما، وهى الفئات التى يسهل خداعها بالعطايا المادية أو بالكلام المعسول، والديماجوجيا اليسارية واليمينية والدينية. هذا كلام له وجاهته، لكن خطورته الشديدة تكمن فى إمكان استخدامه لحرمان فئات واسعة من الناس من التصويت، وهو ما حدث بالفعل فى بلاد عدة، عندما كان الحق فى الانتخاب مشروطا بالعرق والثروة والوظيفة والتعليم.

النظام الانتخابى وقواعد التصويت هى مسائل شديدة الأهمية تترك آثارها على طبيعة النظام السياسى وطريقة عمله. فالديمقراطيون فى الولايات المتحدة يسعون لإزالة العقبات التى تعترض التصويت لأن أصوات الفقراء والملونين، وهم الأكثر تأثرا بهذه العقبات، تذهب إلى الديمقراطيين، بينما يسعى الجمهوريون لوضع ضوابط تستهدف الفقراء والملونين، فتزيد فرص الجمهوريين فى الفوز بالانتخابات.

علينا أن نفكر بجدية فى قواعد التصويت عندنا، وأن نتباحث حول ما يحدث عندما تذهب نسبة كبيرة من الناخبين للتصويت، وما الذى يجرى لو قلت هذه النسبة. من هم الناخبون الذين قد يذهبون للاقتراع فى السيناريوهات المختلفة، وما هى تفضيلاتهم وقيمهم، وكيف يؤثر كل هذا على جودة العملية السياسية وشرعية المؤسسات. هل التصويت الإلزامى يأتى للصندوق بعموم الناس، وهل هؤلاء فى أغلبهم وسطيون معتدلون؛ أم أنهم بسطاء يسهل التلاعب بهم من جانب أصحاب الإيديولوجيات والأموال؟ لقد اعتادت الحكومات فى عهد الرئيس مبارك التلاعب بأصوات الناخبين ونتائج الانتخابات، وكان هذا من أسباب تداعى شرعية النظام. بعد سقوط مبارك، شهدت مصر أكبر عملية إصلاح انتخابي، فأصبح كل مصرى وصل إلى سن الثامنة عشرة مسجلا بشكل تلقائى فى قاعدة الناخبين، والتزمت الحكومة بتمكين المصريين فى الخارج من التصويت، وبقى التصويت إلزاميا كما كان عليه الحال منذ عقود. هل تسمح لنا تجربة السنوات العشر الماضية بإعادة النظر فى بعض عناصر هذا النظام؟ هل التصويت الإلزامى عندنا يعزز شرعية مؤسسات الحكم؟ ماذا لو تخلينا عن تصويت المصريين فى الخارج ومبدأ التصويت الإلزامي، هل يؤدى هذا إلى تحسين نظامنا الانتخابى وتقليل تكلفته، دون إلحاق أى ضرر بجودته وشرعية المؤسسات التى ينتجها؟ إجابتى المتواضعة عن هذه الأسئلة هى نعم، فهل نفتح حوارا حول هذه القضايا.


لمزيد من مقالات د. جمال عبد الجواد

رابط دائم: