رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة فى التطورات الليبية الأخيرة

تشهد ليبيا منذ 23 أغسطس الماضى حراكا جماهيريا طال انتظاره نتيجة لاستشراء الفساد وغياب الأمن وتردى الخدمات الأساسية، ورغم أن بعض التقارير ذهب إلى أن وزير الداخلية الإخوانى الموقوف فتحى باشاغا هو من حرض على الحراك فإن آراء قادته حاسمة فى أنهم يعدونه جزءا لا يتجزأ من المنظومة التى ثاروا عليها، وكيف لا وهو الميليشياوى الأصيل كما أظهرت التطورات الأخيرة رغم تصريحاته التى يبدو منها وكأنه نصير للحراك مُدين لقمعه، ورغم أن الحراك لم يحقق حتى الآن نتيجة إيجابية حاسمة لأن هزيمة المنظومة التى ثار عليها ليست سهلة كما هى العادة فإنه كشف دون قصد عن عمق الصراع داخل الغرب الليبى ولا أقول حكومة السراج لأن الحراك أكد ما كان الكثيرون يشيرون إليه دوما من أن هذه ليست حكومة بالمعنى المفهوم وإنما هى رأس ضعيف مرتهن لدى الميليشيات التى يؤيد بعضها السراج لما يحصل عليه من منافع بينما يؤيد بعضها الآخر شركاءه فى الحكومة وعلى أتم استعداد للتخلى عنها إذا مُست امتيازاتهم، وليس أدل على هذا من مشهد توقيف وزير الداخلية وإحالته للتحقيق فى تهم غير واضحة وقبوله ظاهريا القرار مع اشتراط علانية التحقيق ثم عودته من تركيا واستقباله استقبال الفاتحين فى مطار معيتيقة وذهابه إلى طرابلس فى مظاهرة عسكرية مكونة من مئات الآليات ومدججة بأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة وعربات تشويش ناهيك عن شعارات السخرية من السراج التى سمعتها فى الشريط المصور لهذه المظاهرة. هذه هى الأكذوبة التى يسمونها حكومة الوفاق المعترف بها دولياً بينما هى لا حكومة ولا تتمتع بأى مظهر للوفاق ناهيك عن فقدانها الشرعية لانتهاء أمد تفويضها بموجب الاتفاق المنشئ لها وتبعيتها المُذلة لتركيا التى لم يكن ممكناً أن تترك العصابات التى تؤيدها تتفكك على هذا النحو فجمعت السراج ووزير داخليته المقال بحضور ضباط ومدنيين أتراك وترتب على الاجتماع تأجيل التحقيق الذى كُتِبت هذه المقالة قبل أن يتم، ولنتخيل فى ضوء هذا كله مدى الكوميديا السوداء المتضمنة فى دعاوى أنصار ما يُسمى حكومة الوفاق بأنهم يمثلون نموذج الدولة المدنية الديمقراطية فى مقابل نموذج العسكرة الذى يمثله الجيش الوطنى فى نظرهم.

وثمة انعكاسات مهمة بالضرورة لهذه التطورات على مسار الصراع فى ليبيا تنبع مما تظهره الأدبيات النظرية والخبرة العملية بخصوص عملية تسوية الصراعات وحلها، ذلك أن إحدى الآليات المهمة لهذه العملية ترتبط بحدوث تطورات داخلية فى أحد أطراف صراع ما تؤدى لتغيير رؤيته للصراع ومن ثم الأهداف التى يسعى لتحقيقها من ورائه والأدوات التى يستخدمها فى إدارته، فقد أدت الثورة البلشفية فى روسيا1917 إلى توقيع معاهدة برست ليتوڤسك التى أخرجتها من الحرب العالمية الأولي، وأدى وصول ديجول للرئاسة فى فرنسا1959 إلى تسوية الصراع مع ثوار الجزائر وانقلاب الجيش البرتغالي1974 إلى التسليم باستقلال المستعمرات البرتغالية فى إفريقيا والتحول فى رؤية السادات لإدارة الصراع مع إسرائيل1977 إلى توقيع معاهدة سلام معها وهكذا، فأين التطورات الأخيرة فى ليبيا من هذه الآلية؟ الواقع أننا لا نستطيع أن نصل إلى النتائج السابقة لأن التطورات الأخيرة المتمثلة فى الحراك الجماهيرى فى الغرب الليبى لم تحقق نتيجة حاسمة بعد بمعنى إنجاز تغيير فى بنية السلطة الليبية، ففى الأمثلة السابقة كافة أصاب التحول مركز صنع القرار الذى تصرف فى إدارة الصراع على نحو مختلف أدى إلى تسوية الصراع أو حله، أما فى الحالة الراهنة فمازال الشوط طويلا ومعقدا للوصول إلى هكذا إنجاز وإنما الأمر المحقق أن التطورات السابقة أضعفت دون شك أحد طرفى الصراع المحليين فى ليبيا أولاً بإظهار فقدانه أى ظهير شعبى وثانيا بفضح الصراعات الداخلية بين مكوناته واحتمالات تصعيدها، والنتيجة المباشرة المتوقعة لهذا هى تأجيج الصراعات داخل معسكر الوفاق المزعوم وليست التقدم نحو التسوية التى تبدو الآن فى ضوء ما فضحته التطورات أصعب منالاً مما كانت عليه عند إعلان إيقاف القتال لما تأكد من هشاشة سلطة السراج بما يعنى عجزه عن اتخاذ القرارات المطلوبة للتوصل إلى تسوية تكون عادة موضع خلاف بين فرقاء أطراف الصراع، ويُضاف إلى هذا ما لوحظ من فتور فى موقف الجيش الليبى تجاه إيقاف إطلاق النار واعتبار الخطوة خداعا تركيا للتمهيد لعمل عسكري، وقد يتصور البعض أن تصعيد الخلافات فى معسكر الوفاق يتيح للجيش الوطنى استعادة ما فقده من مواقع بعد التدخل التركى الكثيف غير أن خطوطه الحالية تستند إلى تفاهمات مصرية عربية ودولية بحيث يصعب سياسيا تجاوزها إلا إذا جد جديد.

تبدو التطورات السابقة شديدة الأهمية للسياسة المصرية، فهى تؤكد أولاً سلامة توجهاتها على ضوء افتضاح طبيعة الخصم الذى تواجهه وتفتح الباب ثانيا لتطورات ينبغى التحسب لها بكل الدقة والحذر، وحمداً لله أن منطلقات السياسة المصرية المعلنة بخصوص استعادة الدولة الليبية التى يسعى الجيش الوطنى لتحقيقها سليمة، ومن نافلة القول تأكيد ضرورة الحذر تحسبا لكل الاحتمالات، ويُضاف إلى ذلك أهمية التفكير فى جسور مع الحراك الجماهيرى فى الغرب الليبى الذى من المؤكد أنه يلتقى فى توجهاته العامة مع السياسة المصرية، ومن الممكن الاستعانة بأشقائنا الليبيين المقيمين فى مصر الذين يضمون عقولاً وطنية بارزة للتفكير فيما يمكن عمله حيث إن استمرار هذا الحراك ونضجه وحمايته من أى محاولات لحرفه عن مساره سوف يمثل إضافة مهمة لجهود تخليص ليبيا من حكم الميليشيات والإرهاب والتبعية التركية، وأخيرا لعل التطورات الليبية الأخيرة تقدم زخما حقيقيا للجهود الواجب بذلها دوليا لفضح المسخ الحكومى فى طرابلس وبداية مرحلة جديدة تفرز شرعية ليبية حقيقية.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: