رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تركيا وخيار التراجع أو الحرب

فى وقت تطالب فيه اليونان وقبرص بفرض عقوبات على تركيا بسبب التنقيب غير القانونى على موارد الطاقة فى شرق المتوسط، هدد مسئول السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، تركيا باحتمال فرض عقوبات جديدة عليها، تشمل تدابير اقتصادية واسعة النطاق, تشمل السفن أو غيرها من الأصول المستخدمة فى عمليات التنقيب، وحظر استخدام موانئ ومعدات الاتحاد الأوروبي، وفرض قيود على البنية التحتية المالية والاقتصادية المرتبطة بهذه الأنشطة- ما لم تمتنع أنقرة عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب فى شرق المتوسط. واعتبر هذا الامر شرطا أساسيا لإفساح المجال لتحقيق تقدم فى الحوار، الذى تقوم فيه ألمانيا بدور الوساطة.

لم يتأخر الرد التركى كثيرا، إذ جاء فى بيان لوزارة الخارجية التركية أن الاتحاد الأوروبى ليس لديه سلطة لمطالبة تركيا بإنهاء بحثها المشروع عن الموارد فى شرق البحر الأبيض المتوسط، متهمة الاتحاد بـزيادة التوترات فى المنطقة. وفى تغريدة على تويتر، اعتبر نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي، أن الاتحاد الأوروبى يدعو للحوار من جهة، ويسعى لمخططات أخرى من جهة ثانية، فيما يخص الأنشطة التى نجريها فى جرفنا القارى شرقى المتوسط. وأوضح أن هذا الشيء يعتبر دليلا على عدم صدق الاتحاد الأوروبي.

من ناحيته، تحدث الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، الجمعة الماضية، عن رغبته فى إعادة إطلاق حوار إيجابى مع تركيا ولكن بشروط مسبقة، مشيراً إلى أنّ الاستراتيجيّة التى اتّبعتها تركيا فى السنوات الأخيرة، لم تكُن استراتيجيّة حليف فى حلف شمال الأطلسي. وقال إنه اتخذ موقفا صارما هذا الصيف فيما يتعلق بأفعال تركيا فى شرق البحر المتوسط بغرض وضع خطوط حمراء لأن أنقرة تحترم الأفعال وليس الأقوال، وتثير المشكلات.

الشروط التى تحدث عنها ماكرون، والعقوبات التى يهدد الاتحاد الأوروبى بفرضها على انقرة، كلها وسائل ضغط يراد منها إخضاع تركيا لمبادئ القانون الدولى وحثها على الكف عن ممارسة سياسة الهيمنة والتوسع والانتهاك المتكرر لسيادة قبرص واليونان فى شرق المتوسط. ورغم التعنت التركى وادعائه بأن لغة التهديد لن تسهم فى حل المشكلات القائمة بل ستزيد من عزيمته، إلا ان أنقرة لن تتحمل أى عقوبات إضافية تزيد من مشكلات اقتصادها المنهك.

بسبب سياسات أردوغان الاستنزافية وتوغل الجيش التركى فى مناطق عدة بالإقليم، ناهيك عن كلفة عمليات التنقيب عن النفط والغاز فى المناطق الاقتصادية الخالصة لدول الجوار، تواجه تركيا أزمة مالية خانقة تجلت فى اضطرابات متواترة فى قيمة الليرة التى فقدت 20% من قيمتها منذ مطلع 2020. وتعانى الاستقلال المحدود للبنك المركزى التركى بما يؤدى إلى عدم استقرار السوق. وتعانى ارتفاع نسبة التضخم، بسبب ضغط الحكومة التركية الآن على البنوك لإقراض المزيد من المواطنين، مما يساعد على دعم الإنفاق الاستهلاكي. وتعانى أيضا من تراجع الاستثمار الأجنبى بعدما أصبحت السوق التركية طاردة لا جاذبة للاستثمارات، بنظر كثير من المستثمرين الذين عزفوا عن ضخ استثمارات فى بيئة عالية المخاطر. اى عقوبات جديدة ستقود إلى استنفاد احتياطات النقد الأجنبى لدى أنقرة، وإضعاف مصداقية السياسة النقدية التركية، واهتزاز أسعار الفائدة الحقيقية للودائع، والعجز الضخم فى الحساب الجارى الذى بات يتغذى جزئيا من حافز ائتمانى قوي. واى عقوبات ستقود لا محالة الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والمستوردة مما سيزيد من استياء المواطنين، ويزيد من حدة الضغوط السياسية وعدم الاستقرار الداخلي.

تركيا قاب قوسين او أدنى من الانفجار، وهى تحاول إيجاد منافذ مختلفة لتصدير أزمتها الداخلية من جهة، وإنقاذ اقتصادها عبر بوابة شرق المتوسط، من جهة أخرى. وهو الأمر الذى لن تسمح به دول الاتحاد الأوروبى التى سوف تقرر، آخر سبتمبر، كيفية التعامل مع سياسة المواجهة التى تنتهجها تركيا، بما فى ذلك فرض عقوبات عليها لإجبار أنقرة على احترام الحظر الذى تفرضه الأمم المتحدة على بيع الأسلحة إلى ليبيا ووقف عمليات التنقيب غير القانونية التى تتم فى المنطقة الاقتصادية البحرية لقبرص اليونانية.

الوطن الأزرق ببحوره الثلاثة، حلم يتحكم فى سياسات اردوغان التوسعية، وكابوس بات يشكل عبئا على المنطقة بالكامل ويهدد أمنها واستقرارها، مرة من خلال إغراق ليبيا بالأسلحة والارهابيين، ومرة من خلال التعدى على سيادة اليونان وقبرص فى مياههما الإقليمية. تركيا التى باتت فى عزلة كاملة أصبحت تضع المنطقة بين دفتى الحرب أو السلام. وأى خيار آخر غير تراجع أنقرة عن أطماعها والتزامها بالقانون الدولى والقرارات الأممية سيقود المنطقة الى حرب سيصل شظاها لتركيا نفسها، ولن تجدي، وقتها، حرب الوكالة ولا مرتزقة تزج بهم على مقربة من أراضيها.


لمزيد من مقالات وفاء صندى

رابط دائم: