رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مأساة الإعلام الطبى فى مصر

الإعلام الناجح هو الذى يعكس اهتمامات الناس وأولوياتهم، وليس أهم من صحة الإنسان كأولويات، لذلك إذا صنعت برنامجا صحيا وطبيا جيدا، سيكون بدون شك أكثر البرامج جماهيرية ونجاحاً وتأثيرا وشهرة، وهذا بالفعل ما لمسته حين كنت فى زيارة لأمريكا وطلبت من صديقى حضور برنامج Doctorsالشهير أثناء الأسبوع الذى سأقضيه هناك، فضحك على سذاجتى قائلاً هذا البرنامج أشهر وأنجح برنامج أمريكى وينافس أوبرا وينفري، ولكى تحضر مع الجماهير للمشاركة فى حلقة لابد من الحجز قبلها بشهور!، إذن البرنامج الطبى من الممكن أن يكون عصا موسى التى تلتهم برامج المنوعات السخيفة ومبارزات التوك الشو المملة، لكن بشرط أن يكون أولاً وأخيراً برنامجا وليس محاضرة، أن يكون إعلاماً لا إعلاناً، أن يكون مهتماً بالصحة وإهتماما بالعلاج وليس نمرة فى كباريه تقدم لجذب الزبائن، للأسف الدولة تطلق مبادرات صحية مثل المبادرة الناجحة مائة مليون صحة، بدون أى دعم إعلامى للتوعية والوقاية، لذلك من الممكن أن أدفع مئات الملايين فى مقاومة فيروس سى ويأتى الجهل وغياب الإعلام الطبى السليم والصحيح ليضيع مجهود الدولة ليعود الفيروس نتيجة استخدام أدوات ملوثة أو نقل دم ملوث أو إهمال للاحتياطات اللازمة ..الخ، الإعلام الطبى الصحيح والذى تتخوف الفضائيات من الصرف عليه بجدية وتخترع بدائل مخجلة لأطباء يدفعون الآلاف مقابل ظهورهم، وبالطبع معظمهم من أرباع الأطباء المحتاجين إلى الظهور للضحك على المرضى بعلاجات وهمية وأساليب أقرب ماتكون إلى النصب والدجل وخيانة العلم، الإعلام الطبى الصحيح من الممكن أن يوفر على الدولة مئات الملايين، فالبرنامج الذى يقدم توعية لمحاربة البدانة سيزيل من على كاهل الدولة ملايين الجنيهات للمفاصل الصناعية وعلاجات أمراض الضغط والسكر..الخ، التوعية ضد التدخين ستوفر الملايين التى تصرف على أدوية السرطان، التوعية بمرض السكر والضغط ستوفر ملايين حقن الشبكية ومآسى بتر القدم السكرى وجلطات الدماغ والقلب..الخ، إذن فالبرنامج له مردود اقتصادى فى غاية الأهمية، ولايمكن النظر إليه بالمنظور الضيق الخائب الذى شعاره: تقليب الزبون والتطبيل لفتوحاته الوهمية فى الطب، إهدار القيم الأخلاقية والعلمية فى البرامج الطبية صارت خطرا داهما وكارثة مرعبة وجريمة قتل منظمة على الهواء مباشرة، فنوعية البرامج الإعلامية الطبية التى صارت مصدر دخل الفضائيات الوحيد حتى ولو على جثة أى قيمة علمية أو أخلاقية، صارت تدور فى فلك التخصصات التى تدفع المعلوم فقط،مثل العقم والأسنان والتخسيس والتجميل..الخ، وتوارت واختفت تخصصات مهمة أخرى هى حد فاصل بين حياة وموت، فلانجد طبيبا يظهر للتحدث عن أمراض الكلى أو الروماتويد أو أمراض الأطفال الوراثية أو الأنيميا أو سرطان الثدى أو البروستاتا ..الخ، على سبيل المثال لو حدثت توعية وبإلحاح على الكشف المبكر والماموجرام للسيدات فوق الأربعين مثلاً أو اللاتى فى بؤرة الخطر الوراثى لسرطان الثدي، لنتخيل كم سنوفر على الدولة وعلى المريضات تكلفة وإجهاد العلاج الكيميائى والإشعاعي، وكم سنرفع نسب الشفاء، وأيضاً لو حدثت توعية للرجال لإجراء تحليل البى إس إيه بشكل روتينى سنوى لاكتشاف بوادر سرطان البروستاتا المبكر، كم من المرضى سنكتشفهم فى البداية ؟!، هذا فقط بالإعلام الطبى الصحيح، لماذا لاتبادر الدولة ووزارة الصحة بإنتاج برنامج طبى ضخم؟، وأراهنكم هذا البرنامج حتى على مستوى البيزنس التليفزيونى لن يخسر، لكن سيكسب بإعلانات محترمة وشفافية صادقة ونية حقيقية لفائدة الناس، لماذا لاتتصدى الهيئة الوطنية للإعلام لإعادة تنظيم تقديم البرامج الطبية والصحية بقرارات رادعة ومراقبة صارمة وتنظيم حقيقى حتى تقضى على عشوائية تلك الدكاكين الإعلامية؟، المريض المصرى أمانة فى أيديكم ولايصح أن يكون سلعة فى سوبر ماركت إعلامي، الطبيب المصرى صورة بلد ورمز مهنة مقدسة ولايصح أن ينقلب إلى بهلوان فى سيرك فضائى أو مروج لشربة الشيخ على الوهمية على الشاشات؟، انقذوا الإعلام الطبى من شرائط شاشات قنوات بير السلم التى تروج لأدوية الضعف الجنسى الوهمية وعلاجات المفاصل والسرطانات الخزعبلية، انقذوا المرضى من خرافات سماسرة الدين الذين يضحكون عليهم بإدعاءات الطب التراثى الذى لم يعد له مكان إلا متاحف الفولكلور، صحة المواطن المصرى ليست إعلاناً عن مسحوق غسيل أو علبة سمنة حتى نضعها على مائدة العرض والطلب ومزادات مص الدماء، من أجل مصر صحيحة عقل وبدن روح وجسد، لابد أن نبدأ وبسرعة.


لمزيد من مقالات ◀ خالد منتصر

رابط دائم: