رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العمر والمؤامرة فى الانتخابات الأمريكية

فى عام 1981 كنت فى الولايات المتحدة للدراسة والتدريس وعشت مباشرة فى أولى حملات الانتخابات الرئاسية الأمريكية وكانت فى وقتها بين الرئيس جيمى كارتر ممثلا للحزب الديمقراطي، والمرشح الجمهورى رونالد ريجان. أيامها كنت على ثقة أن كارتر سوف يفوز وبسبب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؛ ولكن عندما أقمت مناظرة بين طلابى حول الانتخابات وموقفهما من الشرق الأوسط كانت المرة الأولى التى يظهر فيها أن الشرق الأوسط ليس بالأهمية التى نظنها، وعلى أى الأحوال فقد فات عامان على توقيع المعاهدة. فى الانتخابات كان ذلك وقتا بعيدا؛ ولكن ما لفت النظر أن الطلبة الديمقراطيين أشاروا إلى أن عمر المرشح الجمهورى 72 عاما وماذا سوف يكون عليه حاله بعد ثمانى سنوات فى البيت الأبيض. فى النهاية لم يكن العمر مهما حتى بعد أن ثبت بعد ذلك أن ريجان بدأ المعاناة من مرض الزهايمر حتى قبل أن يترك الرئاسة.

انعكست الحال فى الانتخابات التالية بين جورج بوش الأب وشاب صغير السن بيل كلينتون حاول التلاعب الانتخابى بعمر منافسه، ولم يكن لذلك نتيجة إلا عندما أغمى على الرئيس بوش أثناء عشاء فى اليابان فجسد حقيقة لم يكن ممكنا الهروب منها. فى الانتخابات الراهنة انعكست الحال وبات الرئيس دونالد ترامب هو الذى يعرض بطول عمر منافسه جو بايدن والبالغ 78 عاما ولكن ما يبدو حتى الآن هو أن عامل السن لن يكون عاملا مؤثرا. الحقيقة هى أن ما كان عمرا كبيرا مثل 72 عاما فى عام 1981، لم يعد كذلك الآن وهو عمر دونالد ترامب ويتمتع بالكثير من الصحة والعافية ولديه القدرة على اتخاذ قرارات تثير حماس مؤيديه وجنون معارضيه. وحتى عندما عرض بعمر منافسه، فإن هذا الأخير ذكر Watch Me مؤكدا على ما فيه من حيوية وقدرة. بعد أربعين عاما من الواقعة الأولى فإن الصحة العامة جعلت العمر المتوقع للبشر أعلى بكثير مما كان عليه من قبل. وكما ذكر فى مجالات كثيرة أن سن الأربعين التى كانت تمثل انتظارا لأزمة منتصف العمر، أصبحت الآن عمليا تقترب من السبعين. لم يعد ما بعد التسعين من مفاجآت المعمرين، أصبحت إلى حد كبير المعتاد الجديد فى الحياة الإنسانية.

ولكن إذا كان العمر قد قلت قيمته فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن المؤامرة باتت أسعد حالا لأنها أصبحت وبقوة فى قلب العملية السياسية. وحينما وصلت إلى فندقى قبل أسبوع فى الولايات المتحدة وجدت محطة CNN تذيع برنامج GPS الذى يقدمه فريد زكريا عالم السياسة والإعلامى النابه. الحلقة كلها كانت عن المؤامرة وكيف أصبحت فى الانتخابات الأمريكية. نقطته الرئيسية هى أن المؤامرة مستوطنة فى التفكير السياسى الشعبى الأمريكى منذ وقت طويل، وكانت جزءا رئيسيا من الفترة التى عرفت بالمكارثية والتى وضعت الشيوعية وراء كل باب مخالف للتفكير السائد. اغتيال كيندى مهد الطريق لمؤامرة واسعة من نوع آخر حيث تتعاون وكالة المخابرات المركزية مع عصابات المافيا من أجل التخلص من الرئيس الأمريكى المحبوب؛ لم يعرف أحد من قتل كيندى حتى الآن. وفى وقتنا هذا فإن مؤامرة اليهود الذين غادروا برجى مركز التجارة العالمى قبل انهياره فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 لم تأت من العالم العربي، ولكن أصولها جاءت من اليمين الأمريكى المتطرف والمعادى لليهود أيضا.

الانتخابات الحالية شهدت حديث المؤامرة بأكثر مما شهده التاريخ الأمريكى المعاصر كله. كانت البداية قبل أربع سنوات عندما رفع المرشح فى ذلك الوقت دونالد ترامب أقوالا إن نجاح الديمقراطيين فى الانتخابات لا يكون إلا بالتزوير. كان ذلك جديدا على حديث الانتخابات الأمريكية التى بدت نزاهتها دائما غير موضوع للمناقشة مع وجود المؤسسات وفصل السلطات وتوازنها، وفى وجود رأى عام قوى وصحافة أطاحت برئيس. نجاح دونالد ترامب أثبت أن المؤامرة الديمقراطية ليست بالقوة التى اعتقد فيها أنصار الرئيس؛ ولكن الديمقراطيين كانت لهم طريقة أخرى فى التعامل مع المؤامرة لأنها جاءت من التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب. وكما هى الحال فى هذه المؤامرة أو غيرها فإن الأمر يكون دائما بخلط جزء من الحقيقة مع حقيبة كبيرة من الأكاذيب. فهناك بعض من الحقيقة أن جون كيندى لم يكن ليفوز فى الانتخابات الأمريكية دون الجهد الذى بذله عمدة شيكاغو لكى ينقل 100 ألف صوت إلى محفظة الديمقراطى فتكون هزيمة ريتشارد نيكسون الجمهوري. والواقع هو أن روسيا تدخلت سبرانيا فى الانتخابات الأمريكية عن طريق حشد الرأى العام فى الولايات المتأرجحة بين جانبى الساحة السياسية الأمريكية، وفى هذه فإن النتائج تكون دائما متقاربة ويكفى بضعة آلاف من الأصوات المزورة أن تنقل الكفة من ناحية إلى أخري.

السائد فى الثقافة السياسية الأمريكية هو أن الوقائع المذكورة ما هى إلى استثناءات فردية وليست خاصية تاريخية فى النظام السياسى الأمريكي. دونالد ترامب رأى دائما ما هو عكس ذلك ورغم كونه رئيسا للولايات المتحدة فإنه أعلن مؤخرا، كما أعلن سابقا، أن خسرانه الانتخابات لا يعنى إلا أن الانتخابات جرى تزويرها من جانب الديمقراطيين المتمرسين على التزوير. ومن هنا جاءت حملة الرئيس لتقويض الجهود الديمقراطية من خلال تضييق عمليات التصويت عن طريق البريد لأنه لا توجد ورقة انتخابية لا يمكن تزييفها؛ ولم يكن الأمر مجرد حملة إعلامية، وإنما صاحبها أولا الإطاحة برئيس هيئة البريد، وثانيا تضييق الخناق الفيدرالى على الهيئة ذاتها. ترامب يعلم فى ذلك تماما أن الديمقراطيين يتفوقون على الجمهوريين فى التصويت البريدي؛ بالقدر الذى يصوت فيه الجمهوريون فى صندوق البريد بأكثر مما يفعل الديمقراطيون. لم يغلق باب المؤامرة على ذلك فلا يزال هناك بعض الوقت خلال الأسابيع المقبلة لكى تتفتق الأذهان عن مزيد من حديث المؤامرة، وما بقى منها أنه بسببها فإن الرئيس ربما لا يغادر البيت الأبيض إذا ما خسر الانتخابات، ولكن بايدن دعا آنذاك إلى تدخل الجيش!.


لمزيد من مقالات ◀ د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: