رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايةُ شهر وشهر

هناك فى قلب الإسكندرية يوجد شارع حكايته تثير فى نفسك الضحك الممزوج بالبكاء والألم فاسم الشارع الحقيقى اختفى وأصبح اسمه الذى أطلقه سكان الحى علمًا عليه، فعندما تسأل عن هذا الشارع لتبتاع منه لأنه شارع تجارى يقول الناس لك تقصد شارع الشهر, وشهر سخرية واستهزاء، والقصة ينطبق عليها الحكمة الصينية الرائعة التى تقول: قد يجد الجبان ستة وثلاثين حلا لمشكلته ولكنه لا يعجبه سوى حل واحد منها، ألا وهو الفرار!. والفرار هنا هو حلال المشاكل وصانع المعجزات، المعجزة هنا التى صنعها أصحاب المحلات فى هذا الشارع بدأها اثنان من الإخوة فى الدم مات أبوهما وترك لهما المحل فاختلفا ولم يستطع أحد منهما بيع مصدر رزقه للآخر فلاذا بالحل المعجزة وهو الفرار منها بالانشقاق بأن يتقاسما إدارة شئون المحل بينهما شهرا وشهرا بنفس الأدوات والعمال ولكن الإدارة مختلفة ، وتلمس ذلك الاختلاف فى تغير جودة المنتج من شهر لشهر.

سرت العدوى فى أرجاء الشارع فما إن يحدث الخلاف بين الشريكين على أتفه الأسباب حتى يتفرقا وتنفر العروق من أصلها بدلا من أن تجمع العروق بعضها كما يقول المثل فى وصف تآلف المجتمعين من أصل واحد.

سار على درب هزيمة الاتحاد والأخوة والتوافق والتآلف, وكلها أسباب لسعة الرزق, أكثر من ستة محلات فى هذا الشارع تباعا المحل تلو الآخر ومضوا فى طريق الشهر وشهر ،وأصبح الإخوة والأصدقاء غرباء ولا يستطيعون التفاهم أو التوافق على إدارة واحدة رغم المصالح المشتركة بينهم فى أماكن رزقهم.

فى الشارع نفسه محل يتحدث الناس عن صاحبيه اللذين لم يكن بينهما أخوَة دم ولكنهما أصدقاء أدارا المكان بحب وتعاون وتكامل فكان النجاح والبركة عنوانهما وزاد رزقهما وفاض وبعد وفاتهما تكالبت الهموم والمشاكل على الورثة بسبب الشقاق والعند وتشبث كلٌ برأيه، ولم يستقم عودهم وأصبحوا يسيرون بخطى عرجاء كأنهم مغمى عليهم وفى انتظار الإفاقة، فباعوا الأنصبة وتغير النشاط الذى كان ذا سمعة طيبة فى الجودة وضاع الاسم.

السؤال الذى يطرح نفسه هنا لماذا يصعب علينا تقبل النصح والنقد ؟لماذا أصبحنا نسير خلف أهوائنا ونزعاتنا الشخصية فقط ؟ لماذا أصبحت نفوسنا تكتظ بعقد خبيثة تلقى فى روعنا أنه لا صحيح إلا ما أراه أنا، وأنا ومن بعدى يجىء الطوفان، وكل ذلك تحت دعوى الحرية.

كان الإمام محمد عبده يرى أن مراعاة الفضيلة تعنى عنده السعى لإصلاح الأوضاع الاجتماعية وتقوية روح الجماعة وتفضيل المنافع العامة على الخاصة.

أما أفلاطون فيرى أن الإنسان يصل إلى أقصى درجات الإدراك الذاتى بالخضوع للواجبات الأخلاقية وذلك يتحقق بالعقيدة والعقل والوعى الأخلاقى.

فى سيرة الهادى البشير مسك الختام ما يؤكد هذا المعنى فقد قال أنس بن مالك أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار مالا من النخيل التى يملكها ، وكان أحب أمواله إليه بستانه الذى يسمى بير حاء، وكان يقابل المسجد النبوى وربما قصده النبى صلى الله عليه وسلم ليشرب من مائه العذب ، فلما نزل قول الله تبارك وتعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إن الله أنزل عليك هذه الآية وإن أحبَ مالى إلىَ بستانى بير حاء وقد جعلته صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها ، فضعها يارسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مال ربح مرتين وقد سمعت ما قلت وأرى أن تجعلها فى الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يارسول الله فقسمها فى أقاربه وبنى عمه.

هنا التأمل فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرقها بين فقراء المسلمين عامة بل جعلها فى أقارب أبى طلحة تأكيدا لحق القرابة فهى صدقة وصلة للأرحام ، فاعتبروا يا أولى الألباب.


لمزيد من مقالات ◀ سهيلة نظمى

رابط دائم: