رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شظايا انفجار بيروت تضرب الحياة الثقافية فى مقتل

هبة عبد الستار

لم تقتصر خسائر انفجار بيروت المفجع على الأرواح والممتلكات بل كان له تأثيره المدمر على الحياة الثقافية بالمدينة. فبعد ما يقرب من شهر على الانفجار الذى زلزل لبنان فى 4 أغسطس الماضى مازالت المكتبات وفضاءات الأنشطة الإبداعية والثقافية تكافح من أجل الاستمرار، مستعينة بالجهود التطوعية على الأرض تارة وبحملات التبرعات تارة أخرى.

 

منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر تمركزت بيروت بالوعى العربى والعالمى كإحدى المدن المشرقية المتوسطية التى تمثل واجهة ورافعة للحداثة. ساعدت كوزموبوليتانية المدينة على تجذير تلك الصورة، ولعب ميناء بيروت دورا كبيرا بذلك خلال العصور المختلفة كأحد شرايين المدينة الاقتصادية مع ازدهار حركة التجارة التى نقلت من بيروت وإليها ثقافات ولغات مختلفة، الأمر الذى مكن «ست الدنيا» كما وصفها نزار قبانى- من القيام بأدوار تقدمية تتسم بالإبداع والتجديد فى الثقافة والنشر والترجمة، فكانت قبلة وملجأ للعديد من الأدباء والكُتاب العرب ، حيث كانت بيروت تتمتع بحرية أكبر وتنشر ما كان يتم منعه فى العديد من الدول العربية. وشكلت ملجأ ونصيرا مهما للقضية الفلسطينية وأدبائها. كما قال عنها محمود درويش « بيروت خيمتنا الأخيرة.. بيروت نجمتنا الوحيدة».

ويعتبر حى الحمرا أحد أكثر أحياء بيروت تميزا لكونه الأكثر علمانية وتنوعا مما أنتج ثقافة عالمية عامة قوية ومتفردة تقبل بالتنوع، بعيدا عن صراعات الهوية الوطنية أو الاستقطابات الطائفية. ومع إعادة إعمار المدينة بعد الحرب الأهلية، أصبحت الحمرا ومحيطها المحور الاجتماعى والثقافى لبيروت، وفى السنوات الأخيرة شهدت بيروت ما يمكن وصفه بازدهار موجة إبداعية جديدة صاحبها ظهور العديد من الفضاءات المجتمعية الثقافية والإبداعية المستقلة مثل المكتبات والمعارض والاستوديوهات الفنية لفنون الرسم والموسيقى الإلكترونية والتصوير والتصميم والفرق المسرحية بقلب المدينة فى أحياء الحمرا والجميزة ومارمخايل حيث تحولت منطقة ميناء بيروت إلى مركز للمبدعين والمشتغلين بالفنون؛ لذا عندما وقعت فاجعة الانفجار مثلت ضربة قاصمة شلت المجتمع الثقافى والإبداعى فى بيروت. ووفقا لمجلة «جاليرى» اللبنانية فإن هناك ما يقرب من 12 معرضا للفن التشكيلى تدمر بشكل تام جراء الانفجار بينما تدمر 20 آخر بشكل جزئي. وقدرت وزارة الثقافة اللبنانية عدد البيوت التراثية التى تضررت بين 150 و200 مبنى، بعضها أصبح آيلاً للسقوط،. كما تابعنا جميعا فاجعة متحف «نقولا سرسق» الذى تعرض ومقتنياته الثمينة لأضرار بالغة.

ففى الوقت الذى كانت فيه المؤسسات الثقافية اللبنانية تضمد جراحها وتكافح فى مواجهة خسائر الأزمة الاقتصادية التى تعانى منها البلاد مع ارتفاع الدولار وانهيار الليرة، والتى زادت من حدتها إجراءات الإغلاق والعزل الاجبارية بسبب تفشى فيروس كورونا؛ أتى انفجار بيروت لينهى محاولات الإنعاش لتلك المؤسسات التى تدمر الكثير منها وتكبد خسائر فادحة جراء الانفجار. ولم تخرج صناعة النشر والكتاب عن ذلك السياق خاصة أنها كانت تعانى بالفعل جراء «كورونا» والأزمة الاقتصادية التى ضاعفت أسعار الكتب وأدت إلى تراجع ملحوظ بالمبيعات المحلية خاصة مع إلغاء عدد كبير من معارض الكتب العربية مما ضاعف خسائر الصناعة التى ظلت لعقود طويلة تثرى العالم العربى بالصحف والمعاجم والترجمات التى تركت بصمتها فى الثقافة العربية حتى قيل فى الماضى أن «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ».

ارتفاع أسعار الكتب وتراجع مبيعاتها جذب الكثيرين باتجاه المكتبات العامة وبعض المكتبات المستقلة التى توفر الكتب والأنشطة الثقافية المجتمعية بأسعار مناسبة فى ظل الأزمة الاقتصادية إلا أن هذه المنافذ تضررت هى الأخرى بالانفجار. ومن أبرز المكتبات المتضررة ثلاث مكتبات عامة تسمى بأسماء الأحياء التى تقع بها ( الباشورة، الجعيتاوى، مونو) والتى تديرها جمعية السبيل، وهى منظمة غير حكومية تعمل على تقديم الثقافة للجميع ودعم المكتبات وتنظيم الفعاليات الثقافية فى فضاءات غير طائفية ومفتوحة للجميع.

يكشف على صباغ، المدير التنفيذى للجمعية فى تصريح خاص لـ«الأهرام» عن أن المكتبات الثلاث تعرضت لأضرار كبيرة، تحتاج اثنتان منها لوقت طويل من أجل الإصلاح، لافتا إلى أن هذه المكتبات تقدم خدماتها المجانية لأكثر من 30000 مستفيد سنويا ، ومع الأزمة الاقتصادية الحالية، فإن الحاجة إلى هذه المكتبات ستزداد ، ويوضح «بعد الانفجار تبين لنا أن ضرراً كبيراً أصاب مكتبتى الباشورة والجعيتاوى مما سيضعهما خارج الخدمة لحين إطلاق ورشة ترميم وإصلاح. كان واضحاً أنها ستكون مكلفة وخارج إمكانات الجمعية. لذا تم وضع خطة عمل سريعة خلال الأيام التى تلت الانفجار لتوثيق الأضرار والبدء بإزالة الأنقاض وحفظ الوثائق والمحتويات بطريقة آمنة، وقد أنجزنا هذه المهمة خلال أيام معدودة بعد أن استجاب لنداء المساعدة عدد كبير من المتطوعين، أفراداً وجمعيات. المرحلة الثانية اقتضت العمل على ترميم المكتبة الثالثة فى مونو، ولأن الضرر الذى أصابها كان محدوداً، تم إنجاز العمل بعد أسبوع على الانفجار وتم إعادة فتحها للجمهور فى 18 أغسطس لنبرهن أننا مستمرون فى عملية الترميم ومصممون على أن هذه المكتبات ستبقى مساحة عامة للثقافة».

ويضيف صباغ أن عملهم يتمحور حاليا فى تأمين التمويل اللازم لإطلاق ورشة ترميم المكتبتين، لا سيما مع اقتراب موسم الشتاء الذى سيصعب مهمتهم ويعمق الأضرار الحالية، ويكشف أنه بعد التواصل مع عدة جهات مانحة، أبدى عدد من الممولين رغبتهم فى المساعدة مما مكنهم من طلب عروض الإصلاحات اللازمة من المتعهدين، على أمل إطلاق ورشة الترميم قريبا من أجل إعادة فتح المكتبات أمام الجمهور فى أقرب وقت ممكن . ويختتم مؤكدا «أن جمعية السبيل التزمت خلال عشرين عاماً بتطوير المكتبات العامة المجانية والمفتوحة للجميع، ونعمل اليوم على تطوير برامج جديدة تستجيب للحاجات المستجدة للجمهور بعد الانفجار وبعد اشتداد الخطر من فيروس كورونا».

المكتبات المستقلة تضررت هى الأخرى وأبرزها مكتبة «عالية» بحى الجميزة، التى دشنت حملة لجمع التبرعات لمساندة فريقها المتضرر من تدمير المكتبة. و «عالية» مكتبة مستقلة تعمل كمقهى أدبى أيضا. وتعد ملاذا للباحثين عن ترجمات للكلاسيكيات العربية والأدب اللبنانى المعاصر والأكثر مبيعًا على مستوى العالم، استضافت المكتبة نوادى الكتب وندوات المؤلفين، وشكلت مكانا للاحتفال بالأدب. وهناك حملة آخرى للتبرعات أطلقتها مكتبة «بيبركاب» واستوديو «سفر» الذى كان يعمل كاستوديو تصميم وإدارة فنية ببيروت.

من جهتهما، أعلنت مؤسستا «المورد الثقافي» و«الصندوق العربى للثقافة والفنون ــ آفاق» عن حملة تبرعات لمساندة المؤسسات والمبادرات الثقافية والإبداعية المتضررة من الانفجار بناء على تحديد أولويات الحاجة الملحة، وستعمل المؤسستان على نقل وإيواء المجموعات الثمينة. كما سيتم الاهتمام بمساندة المبدعين الذين فقدوا مساكنهم أو أماكن عملهم وتعويضهم عن خسائر معداتهم . وتتوجه غدا الاربعاء أودرى أزولاى، رئيسة منظمة اليونسكو إلى بيروت لتقديم الدعم للقطاع المتضرر فى مجالات الثقافة والتعليم.

بالتأكيد يصعب وصف قدر الخسائر التى خلفها الانفجار على بيروت، ولكن تبدو خسائر الصناعات الثقافية والإبداعية فادحة مما يستوجب تقديم كل دعم ممكن كى تنهض «ست الدنيا» من جديد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق