رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لم يعد متاحا

حنان العطار

في صباح مثل كل صباحاته، نهض من فراشه متثاقلا، فاقدا الرغبة في كل شيء، دخل حمام شقته، ونظر في المرآة، كأنه لأول مرة يطالع صورته، وقد غطي الشيب رأسه، وزحفت التجاعيد على ملامح وجهه، شرع في تجهيز الصبغة التي تعطي شعره لونا يمنحه الشباب، ولا يذهب بوقاره، لكنه فجأة يتراجع، ويلقى بها، سمع نداء بداخله يذكره بوحدته، وخيباته، يلومه على اختياراته، وتعاليه على حركة الزمن وقانون الحياة، خرج من الحمام، وتجول في جنبات شقته الباردة ، نظر على خزانة ملابسه التي تحوي أفخم الثياب، وأثمن الأحذية، وأثاث منزله الأنيق، مرر بصره على نوافذ منزله، التي قصد أن تكون من الزجاج المتين، الذي يسمح له بمراقبة الخارج، ويحميه من ضجيجه، تراءى له شريط أيامه التي ظن فيها أنه يملك زمام أمره، ويفهم نفسه، مر العمر، وهو عازف عن الزواج، متمسك بحريته،لم يستطع أن يتحرر من عقدة الحبيبة، التي فضلت عليه عريسا ثريا، وقت أن كان مازال خريجا في بداية طريقه، ومازال طيف قريبته اللعوب التي تكبره وحاولت غوايته يطارده، ومع ذلك قضى عقودا يتنقل في البيوت؛ لخطبة الفتيات؛ ليخرج منتقدا كل عروس، وجعلها مادة سخرية مع رفاقه، ظل يواعد النساء، يصنع بهن الشغف والتعلق به حد العشق، ليجعل كل واحدة منهن امرأة عزيز تراوده، ويتلذذ بإدباره مع سبق الإصرار، ودونما رؤية برهان، ومع ذلك لم يصبح يوما يوسف ولا احتفظ بزليخة واحدة تظل تعشقه أو تحترمه، شعر ببرد شديد يسرى في أوصاله، واختناق في صدره، وضجيج حوله رغم نوافذه المحكمة، أهذه لحظة المكاشفة مع ذاته، وهو مشرف على الستين، وصاحب المكانة المرموقة، والمنصب الرفيع؟ تملكته رغبة في البكاء كطفل وحيد تائه، يريد أن تتلقفه ذراع محبة بنكهة أمه، ويطمئن في حضن أمين؛ يعترف فيه بكل أخطائه، ويعري ضعفه، ويلتمس راحة وسكون، لم يكن هناك غيرها مؤهلة لكل الأدوار، التي تعيد توازنه، كانت له مثل مارس الحزين الذي يحضر بجمال الربيع، وألوانه؛ لكنه يحمل معه ذكريات الحزن، وفقدان الأحبة ،جعلها دوما خيارا ثانياً، ضمن بقاءها، وصفها بأرضه المقدسة، ومع ذلك تخلى عنها على الدوام، وجعلها مرتع لأقدام أشباه الرجال، بوثيقة القسمة والنصيب،على الفور أمسك بهاتفه، بحث عن حروف اسمها، وكان يرددها بقلبه ولسانه، ضغط على زر الاتصال، متلهفا لصوتها الطيب كعادتها يهدهد روحه؛ لتحتوي ببراحها كل كيانه، ليبادرها بطلب جسور، أن يصبحا أخيرا معا،ويخبرها أنه لن يفر بعد الآن من معركته، ولن يترك أرضه لواضعي اليد وقطاع الطرق؛ لكنه لم يتلق ردا، عاود الضغط على رقم هاتفها، فسمع رسالة مسجلة:هذا الرقم لم يعد متاحا أبدا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق