رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محسن أبو العزم .. سارد الطقوس ومؤرخ الحياة الشعبية المصرية

أشرف الصباغ;

يبهرنا الفنان التشكيلى المصرى محسن أبو العزم بقدرته على إيجاد البهجة والفرح بطابعهما المصرى المألوف والمثير للدهشة فى آن معا. وهو ليس فنانا تشكيليا فقط، وإنما طبيب تجميل أيضا، وعالم نفس، وعالم جيولوجيا، وكائن ماكر باحتراف، وعين نافدة وقادرة على الغوص فى محيط الروح الإنسانية العميق بعمق آلاف السنين التى يتجول فيها وبينها بحرية وانسيابية وقدرة على التعبير الحركى واللونى.

....................





محسن أبو العزم لديه عالم ينبع منه الفرح، وبحر معرفى – طقوسى واسع يجمع كل المتناقضات فى حالة تجانس مذهلة لها خصوصيتها الجمالية، فنكتشف فى لحظة ما، فى أثناء وقوعنا فى عالمه السحرى والساحر، أن سفينة نوح لم تكن تحمل المتناقضات، ومن كل زوجين اثنين، وإنما بحر محسن أبو العزم هو سفينة الحياة الحقيقية التى جمعت كل المتناقضات بهذا القدر من التجانس والنعومة الروحية، بما فيها سفينة نوح، وأبحرت فى كل العالم الشعبى المصرى، فجمعت ليس فقط كل تناقضاته فى حالة من البهجة والتصالح والحميمية والألفة، بل وأيضا كل كائناته فى هارمونية وحالة من التعايش بين جميع المخلوقات كما نرى فى عشرات اللوحات التى تعكس تفاصيل الحياة اليومية عند المصريين.

هذا الفنان يطرح خطوطا ومنحنيات دافئة تشكل عالما مألوفا وحميميا يعرفه المصريون ويطمئنون له ويثقون به. ورغم معرفتهم به يثير دهشتهم ويُعَرِّفهم بأنفسهم ويصنع لديهم حالة من التأمل والغوص عميقا فى أنفسهم. إنه ببساطة يمسك بأيدى المصريين ليضعها على مكامن الجمال والألفة فى أجسادهم الضعيفة والقوية والممتلئة والنحيفة، وفى ملامحهم، وفى أدق تفاصيل وجوههم وحركتهم فى كل مناحى حياتهم اليومية طوال 24 ساعة فى اليوم وهى الفترة التى يظل الكائن المصرى مستيقظا فيها يوميا. كل لوحة من لوحاته تصور مقطعا حياتيا أفقيا بكل تفاصيله وزحامه وخلفياته المتحركة بقدر مذهل من الرغبة فى التواجد والظهور بصدر اللوحة، والسعى للمشاركة فى هذا المشهد – المقطع الحياتى البانورامى.




محسن أبو العزم فنان مصرى قادر على الغوص فى أعماق الروح المصرية تحديدا، والخروج منها بجبال من اللؤلؤ النقى تعكس تفاصيل وأسرار هذه الروح فى حركتها وتحولاتها وتقلباتها وبساطتها وسموها، بل وتجسد الملامح الداخلية للنفسية المصرية - الشعبية، وتحول حياة المصريين إلى نوع من أنواع الأسطورة «العادية» لدرجة الدهشة. إنه ببساطة يخلق الحياة من تفاصيل تبدو أسطورية ليعيد أسطرتها مرة أخرى وفق قوانين ومعايير وقواعد جمالية خاصة به هو فقط وبعالمه الغنى.

إن كائنات أبو العزم تكتسب جمالها الخاص والنادر والحصرى من عالمين، أحدهما داخلى يمثل عمق الروح المصرية بكل ثقلها وخفتها وتناقضاتها وتوقها وإيمانها وذكائها الفطرى وهشاشتها وثرائها. والثانى من منظومة الحركة التقليدية والفطرية والتلامس والاحتياج للدفء والألفة والقرب. هذان العنصران يشكلان مصدر الجمال النادر لكائنات محسن أبو العزم، ويطرحان جماليات فنية أخرى - جديدة بديلة. هذه الكائنات تمتلك طاقة جاذبية خاصة حين يجد المشاهد نفسه ينظر فى نفس الاتجاه الذى ينظر إليه هذا الكائن أو ذاك. إن المشاهد يضبط نفسه وهو قد أخذ نفس وضعية أى شخص من شخوص وكائنات أبو العزم، ثم يشرع بالبحث عن تلك النقاط والأشياء التى ينظر إليها هذا الكائن أو الشخص.

كما يؤرخ الفنان للحياة اليومية بمفردات الحركة والملامح. يصنع حالة من التوازى بين الخاص والعام، أو بمعنى أدق يضفر الخاص بالعام لتظهر معادلة جمالية جديدة تماما مؤلفة من متغيرات عادية ويومية ومعروفة ومتوقعة ولكنها فى مجموعها تشكل كتابا مدهشا يجمع تاريخ الحركة اليومية للمصريين، وعلاقاهم بالدين، وبالطقوس، وبالخزعبلات والشعوذة. ولا يمكن أن تنفصل أدوات الفنان أبو العزم عن واحدة من أهم طقوس – ظواهر – عقائد المجتمع المصرى، ألا وهى الموالد حيث حلقات الذكر وانعكاساتها فى وعى الناس، ومواكب الصوفيين، والرقص، وتلك الحالة التى تجمع بين الخشوع واللهو والتقديس فى آن معا. إن الفنان عندما يطلق «سردية» المولد بكل تفاصيلها وهوامشها، يمنحنا انطباعا يقينيا بعمق الميثولوجيا المصرية المضفورة بالعقيدة الدينية، والمكانة التى يحتلها الشهداء والقديسون وأولياء الله الصالحين. تلك المكانة الروحية بالذات تتحول إلى قيمة مادية فى نظرات العيون وخطوط الوجوه وحالة الرضا التى تنعم بها شخصيات محسن أبو العزم وكائناته.




تلك الملامح الضخمة تفصح عن كينونة أخرى لهؤلاء البشر، حيث الضخامة هنا لا تعنى إطلاقا المبالغة لإظهار معنى ما أو نقل إحساس ما، بقدر ما تجسد الجوهر الداخلى للشخصية. فضخامة الشفتين أو طول الأصابع أو الانحناءات الواضحة والقوية لخطوط الظهر أو القدمين أو بروز البطن أو المؤخرة أو الصدر، أو تلك الابتسامة التى تكاد تندلق – أو بالفعل تندلق – لتشكل ملامح الوجه من جديد وتضفى عليه مسحة إنسانية فريدة ونادرة فى آن معا.. كل ذلك يدفع بجوهر الشخصية من الداخل إلى الخارج، ويبرز خطوط الزمن على الوجه وكأننا هنا أمام ظواهر جيولوجية دبت فيها الروح للتو، حيث تلك الطيبة المتماسة مع الدفء، وحيث حدود الغرق والاستغراق فى فتنة الوجود بكل مفرداته، بداية من الحركة المألوفة ونهاية بالاستدارات والانحناءات والانعطافات غير المحسوبة إطلاقا، مرورا بالملامح وبالكتل الجسدية، لتشكل فى نهاية المطاف أمامنا لوحة حياتية مذهلة رغم عاديتها وجنوحها للمألوف.

لا شىء مألوفا أكثر من الأعمال والحرف اليومية التقليدية، سواء تلك التى انقرضت منذ سنوات وقرون أو تلك التى لا تزال موجودة. هذا المسار تحديدا لدى الفنان محسن أبو العزم يشكل أحد أهم مرتكزات عالمه الفنى – الإبداعى. ولن نبالغ إذا شددنا على أن هذا المسار يحمل رسالة فنية وإنسانية مهمة، لأن أعمال أبو العزم التى تصور لنا المهن والحرف اليومية تمنحنا طاقة على التأمل والفهم والفعل. إننا ببساطة نرى أنفسنا كلا فى مهنته، أو نرى بعضنا البعض أثناء تأدية أعمالنا، ونتأمل ملامحنا ونقف على حدود علاقتنا مع حِرَفِنا ومهننا ووظائفنا. كما أن الفنان لا يؤطر تلك المهن والحِرَف عبر ملامح الأشخاص أو عبر الألوان أو عبر الكتل الموزعة بدقة وخفة وذكاء، بل يطرحها مرفقة بخفة ظل أو بإشارة أو غمزة أو لمزة، أو برسالة تماس مع الطقوس الدينى أو الطقوس التراثى. وهذا تحديدا ما يدفعنا إلى الحديث عن الرسالة السرية – الطقوسية التى تحملها أعمال محسن أبو العزم فى عمومها.

وقد برع أبو العزم فى تقديم الشخصيات والنماذج البشرية، واستطاع أن يؤرخ لحياة المصريين عبر مفردات الزمان والمكان وتفاصيل الحياة اليومية، وعبَّر بملحمية مذهلة عن مصائر البشر على خلفية التحولات الاجتماعية والسياسية والتاريخية، وإذا كان الفنان المصرى القديم استطاع أن يؤرخ لحياة المصريين عبر النقوش الهيروغليفية والنحت والتصوير على الجدران وأوراق البردى، فإن محسن أبو العزم هنا – على تخوم قرنين وعلى حدود ألفيتين يعيد ليس فقط قدم الإنسان المصرى بكل ما يحمل على ظهره من أحمال، وبكل ما يظهر على وجهه من خطوط الزمن، بل ويقدمه فى صورة عابرة للوقت العادى والعابر، ومنطلقة من الزمن بمعناه الفلسفى والوجودى والميثولوجى، حيث هذا الزمن يتجسد بحذافيره فى ملامح وحركات وابتسامات البشر الذين لا يزالوا يعيشون مع بعضهم البعض، فى جماعات، ويتصرفون وكأنهم نجحوا فى اجتياز وعبور أزمنة الوحدة والتصحر والجفاف والجليد والصخر والنحاس والصراع على الماء والكلأ، وعلى السلطة، ووصلوا إلى قمة التصالح مع أنفسهم ومع بعضهم البعض، ومع نوازعهم الإنسانية ومصادرها الأولية الخلاقة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق