رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قطعة صخرية معلقة فى السماء

محمد هشام عبيه;

دخل علىَّ النقراشى مكتبى وتأكد من إحكام إغلاقه بالمفتاح، ثم جلس أمامى بوجه مكفهر ونظر لى بعين مليئة بالعتاب، قبل أن يتنهد قائلا بأن فيرا تطلب ستة آلاف جنيها.

يالله! هل أصبح كل شئ فى هذا الزمن البغيض تتم المفاوضة عليه ويوضع فى مزاد للفوز به بأعلى سعر؟ حتى الحب يا فيرا. هل كانت تخدعنى؟ هل يمكن لرجل مثلى فى السابعة والأربعين من عمره وقد خبر الدنيا كثيرا، وذاق مرارات السجن والاعتقال والنفى لسنوات، وخاض معارك شتى، ووقف فى وجه الانجليز والقصر والدسائس والمحن أن يخدع فى مشاعره بمثل هذه البساطة؟

ألا لعنة الله على الحب إذا كان هو هذه اللحظة التى يتوقف فيها العقل عن العمل.




لقد طعنت كثيرا، وأعلم جيدا أن الأيام القادمة تخبئ لى من الطعنات ما هو أكثر إيلاما مما مررت به، لكن كيف لى أن اتلقى الطعنة من هذه الحسناء النمساوية وقد تبادلنا الهوى الصريح والمشاعر الصادقة والخطابات الغرامية، دون أن أهتز؟ كيف لى أن أهتز وأنا الآن لم أعد مصطفى النحاس القاضى أو المحامى أو حتى سكرتير الوفد، وإنما صرت رئيسا للوفد وزعيما للأمة؟.

أحمر وجهى، وغلت الدماء فى عروقى، حتى كدت انتفض فى مجلسى من فرط الغضب والحزن وخيبة الأمل، وقد أدركت فجأة حقيقة أن طعنة الفؤاد غائرة ولا علاج لها أبدا مهما مرت السنون. قد نغفر كل شئ إلا أن تباع مشاعرنا فى سوق المراهنات.

حاولت جاهدا أن أتماسك أمام النقراشى، لكنى كنت أعلم جيدا أنه قد اخترق جلدى ونفد لروحى ويدرك جيدا الألم الذى أمر به، سألته محاولا أن اتصنع اللامبالاة: وإذا لم أدفع ذلك المال. ماذا ستفعل هذه الفتاة؟

نظر لى بمزيج اعتدت عليه منه ومن آخرين كثر يظهر فيه من اللوم والتعاطف قائلا: ستبيع الخطابات للقصر.

اغمضت عينى لثوان محاولا كبح جماح غضبى. كنت أحاول أن أفكر لكن عقلى لم يكن هنا، كان هناك فى تلك اللحظة التى رأيت فيها فيرا لأول مرة. كانت فاتنة وقادرة على دك حصون أعتى الرجال صلابة. وأنا كنت دوما صلدا فى الحق لكنى لين المشاعر. ضحكاتى حاضرة ودموعى أيضا حينما يستبد بى الحنين والتأثر. وحينما رأيت فيرا بهيئتها الشهية، وشعرها الأشقر المعقوص، وعيونها الزرقاء التى لاتنطفئ لمعتها أبدا، وجسدها الرقيق الهش، وابتساماتها التى تفتح العديد من أبواب الجنة، ظننت بأن ذلك أثر عابر سيزول، وأنى سأعتاد على وجودها فى رحلتى الأولى للصعيد التى أقوم بها بعد اختيارى رئيسا للوفد، كنت أظن أنها ستصبح طقسا عاديا فى السفر، كأعمدة التلغراف، والغيطان الخضراء المترامية، وزقزقة الطيور، وهتافات الجماهير المحتشدة، لكن ذلك- لدهشتى- لم يكن ما جرى، وإنما العكس تماما.

كنت أهبط من القطار إلى المحطة وسط أمواج هادرة من البشر تهتف باسمى وللباشا وللوفد، وأنا أتلفت حولى بلهفة طفل يبحث عن أمه وسط الزحام، حتى أراها لامعة بهية نابضة بالحياة وسط الجموع، تتسع عيناها فى دهشة من الاستقبال الزاخم، وتبتسم لى وتهز رأسها بتعجب وافتخار، كونها الصحفية الأجنبية الوحيدة التى تصاحبنى فى هذه الرحلة، فيطمئن قلبى وتسكن روحى، وأمد يدى أصافح الأيادى الخشنة التى تنتفخ فيها العروق وتظهر فيها آثار جروح الفؤوس والمناجل ويلتصق بها طمى الأرض، وأذوب وسط الجماهير، قبل أن أخطب فيهم بالساعات الطويلة، وكلما لمحتها تدون ما أكتب، بشغف وهمة، علا صوتى، وتضاعف حماسى، وحلقت روحى للسماء.

فى المنيا، كنت اتناول عشائى المكون من جبن بلدى وزبادى، فى استراحة مطلة على النيل، بدا القمر بدرا ومتألقا فى السماء هذه الليلة، وانعكاسه على صفحة الماء يثير فى النفس مشاعر وأحاسيس عدة، حينما وجدتها تطرق الباب وتدخل على، يحتل وجهها نفس الابتسامة الساحرة، التى سرعان ما انطفأت حينما رأتنى اتناول طعامى ولوحت بيدها معتذرة وهمت بالانصراف، لكن قمت من مكانى مسرعا وأنا أشير لها بأن تدخل، كدت أقول لها بأن كل ملذات الدنيا بجوارها لاتذر ولا طائل من ورائها، لولا أن منعنى وقارى وحيائى من التلفظ بذلك الغزل الصريح.

جلست أمامى وأخذت نفسا عميقا وكأنها تملأ رئتيها بهواء الليل البارد الذى يرطب الروح، ثم بادرت بقولها أنها حينما قدمت من النمسا إلى مصر من أجل أن تقوم بتغطية صحفية لجريدة «دير استندارد»، لما جرى للوفد بعد رحيل سعد باشا، ظنت بأنها ستجد الكثير من المؤامرات والدسائس والصراعات الخفية والمعلنة من أجل الفوز بخلافة الرئيس، لكنها على العكس، وجدت التفافا غريبا من قيادات الوفد ومن الجمهور العادى حول شخصى، قلت لها مبتسما، بأنه لو كانت جاءت إلى مصر قبل أيام قليلة فقط لرأت دسائس ومؤامرات لا تقل تعقيدا وإثارة عما يحدث فى بلاطات ممالك أوروبا الوسطى، لكنها وصلت بعدما استقرت الأمور ظاهريا على الأقل. حينها مالت بنصف جسدها العلوى ناحيتى وهى تنظر لى بعين باسمة مربكة قائلة: لا أحد يمكنه أن يقاوم زعامتك.. حتى ولو لم يكن مصريا.

لوهلة، استشعرت أن مجلسى معها انتقل من على شاطئ النيل إلى صفحة الماء نفسه، خلت نفسى وإياها وقد انفصلنا عن العالم التقليدى الذى كنا فيه للتو. لم أعد أرى من حولى سواها والقمر، ولم أعد أعرف أيهما يجلس فى معيتى بينما الآخر فى السماء، فى هذه اللحظة أدركت أن سهم «فيرا» قد استقر فى قلبى بعد طول مراوغة ومقاومة. انهارت كل دفعاتى حتى أنى ابتسمت برضا وأنا أقول لها بأن سحر الزعامة يمكن مقاومته أحيانا بالتفكير المنطقى البعيد عن أثر أصوات الجماهير والتفسير الدقيق للسلوك الشخصى، أما سحر جمالك وألق حضورك فلا دواء له.

للغرابة، لم ترتبك أو تهتز ابتسامتها، وكأنها كانت تنتظر أن انطق أخيرا بكلمات هى تعلم يقينا أن بداخلى أضعافها. فقط اغمضت عيناها للحظات وكأنها تتذوق طعم كلماتى، وهى لحظات ارتفعت فيها خفقات قلبى حتى كدت أسمعها بوضوح، مما دفعنى لأن أضع يدى على قلبى لعلى أقلل من تسارعه، انتبهت هى حينما فتحت عيناها وبذكاء أنثوى فطرى لحركتى اللاإرادية هذه، فاتسعت ابتسامتها وهى تنظر ليدى الغافية فوق قلبى ثم قامت من مكانها، فبدت أقرب إلى ملكات الفراعنة اللائى تتناثر صورهن على المعابد، قبل أن تخبرنى بأنها ستخلد لنوم عميق الآن لأن فى الغد يوم شاق، صمتت لثوان قبل أن تضيف، آمل أن تكون مصاحبتك فى العمل هى الشاقة فقط يا باشا. ثم غادرت الغرفة لكنها كانت قد استقرت فى روحى.

لم أعرف أبدا سر الحب، ما الذى يجعل المرء ينجذب لهذه وينفر من تلك، يمر بواحدة فلا ينتبه لوجودها حتى لو كانت فاتنة، ويتجمد جسده وتشخص عيناه على أخرى حينما يلتقيها بشكل عابر حتى لو كان ذات ملامح عادية، ربما يكون هذا بالفعل هو سر الحب الأكبر. أنه لغز غامض ولا أحد يمكن ادراكه قط. هو فقط يحدث ودون إرادة منا، يسرى داخل الروح والعروق حتى يحتل كيان الواحد فلا يستطيع منه الفكاك أبدا.

حينما شارفت جولتى الأولى فى الصعيد على الانتهاء بعد عدة أسابيع، داهمتنى الوحشة والقلق، هل هكذا انتهت مهمة فيرا حقا؟ هل ستعود لبلادها الباردة وأعود أنا إلى عالمى الكئيب المقفر؟ هل يمكن لعالمى أن يبقى بالأساس كما هو وقد خدشت قواعده فيرا وملأت وحشته بنسيم وعطر؟ لكن ما الحل؟ هل يمكن لشيخ مثلى أن يتزوج صحفية نمساوية تصغره بنحو عشرين عاما ويمر الأمر هكذا عاديا؟ هل ستصمت صحف القصر أم ستخرج بمانشيتات حمراء ضخمة عن قصة الحب الساخنة بين زعيم الوفد والصحفية الأجنبية؟ زعيم الأمة يهجر كل المصريات لأكثر من أربعين سنة، وحينما يقرر الزواج يفعلها مع امرأة ليست من بنى وطنه ولا تتحدث لغته؟

اللعنة على السياسة، لقد كانت كل حياتى حتى خيل أن كل ما هو بعيد عن الصراعات الحزبية والمكائد بين الزعامات والمظاهرات والخطب والعمل السرى والكفاح المسلح، ليس فيه من الحياة شيئا، بينما نظرة حب صادقة بين رجل وامرأة هى كل الحياة.

لم أفكر كثيرا حتى أحسم أمرى، لقد أحببت فيرا حقا، وهى كذلك، لكن هذه قصة حب قاتلة. ستكون نهاية لأى مستقبل سياسى محتمل لى. ستهز الوفد هزا، وقد تشطر الحزب الذى تماسك فى أكبر أزمة يمكن أن تواجه برحيله زعيمه، بينما قد تهدم أركانه قصة حب نبتت على نيل الصعيد فى ليلة قمرية.

حينما عدت للقاهرة، وعادت فيرا برفقتى، أخبرتنى أنها ستظل مقيمة فى مصر لفترة، ترصد أحوالها لصحيفتها قبل أن تعود لوطنها، كان من المستبعد إن لم يكن من المستحيل أن التقيها فى القاهرة وقد انتهت كل أسباب اللقاء الظاهرة للجميع، ورغم أنى جاهدت كثيرا لوأد مشاعرى نحوها، إلا أنها ظلت تستحوذ على كيانى، بطلتها البهية وابتسامتها التى تنسينى عذابات الدنيا، فلم أجد سبيلا سوى أن أبث لها مشاعرى عبر الورق، فعلى بذلك أتخفف من ثقل المشاعر وأوجاع البعد، أرسلت لها ثمانية خطابات إلى حيث لوكندة المتروبوليتنان التى تقيم، وردت هى على بسبع، وحينما تأخر ردها فى الخطاب الثامن، استبد بى الشوق حتى إنى توقفت بسيارتى أسفل المتروبوليتنان، وكدت أهبط من السيارة وأتجه إلى اللوكنده للسؤال عنها قبل أن أتراجع فى اللحظات الأخيرة وأطلب من السائق المندهش لطلبى توقفه هنا أن يتحرك عائدا لمنزلى بمصر بالجديدة، ولعله وحى من السماء الذى راح يدوى فى أذنى بألا أهبط من السيارة هو الذى أنقذنى من المقايضة لاحقا على صورة حتما كان سيلتقطها أحدى مصورى الفوتغراف وأنا جالس بمعيتها فى صالون اللوكنده، لتصبح المقايضة الآن فقط على خطاباتى التى أرسلتها إليها.

بعد انقطاع فيرا عن المراسلة، بدأت تدريجيا فى استعادة سيطرتى على مشاعرى تجاهها، والحقيقة أن الأحداث المتسارعة التى توالت على البلد لم تضع لى بديلا، لقد عاد عبدالخالق ثروت باشا من لندن باتفاق هزيل مع «تشمبرلين»، حتى أنه لإدراكه بأن المشروع الذى توصل إليه يحمل فى طياته اعترافا وتأكيدا للاحتلال الإنجليزى بل ويعطى له شرعية أكثر مما يتحدث عن استقلال لمصر، قرر أن يخفى بنود المشروع فى أدراجه، وألا يعرضه على مجلس الوزراء، ولا مجلس النواب، وهو الأمر الذى استدعى أن أطلب من ثروت باشا أن أطلع بصفتى زعيما للأغلبية على نص المشروع، وحينما فعلت أخبرت دولته بأن هذا الاتفاق مخيب لآمال المصريين وكفاحهم، فأغضبه ذلك، وأخبرنى بأن هذا أقصى ما يمكن الوصول إليه، فعنفته قائلا بأن أى اتفاق أو معاهدة لاينص صراحة على جلاء الجيوش البريطانية من مصر جلاء تاما هو اتفاق باطل، وأننى لن أسمح أبدا ببقاء جندى إنجليزى واحد على أى بقعة حتى ولو كان ذلك فى السويس أو سيناء تحت أى داع من الدواعى.

كنت أعلم أن ثروت باشا سيرفع ما قلته للقصر واللورد لويد، والتقيت الأخير بالفعل، وعدت على مسامعه ما سبق أن قلته لدولة رئيس الوزراء، و بدا لويد انجليزيا فظا كعادته حينما هددنى صراحة بأن رفضى هذا سيقود البلاد إلى أمور خطيرة وأن حكومة بلاده لن تتساهل مع هذا الرفض، لكنى أخبرته بثبات أن التهديد الحقيقى يأتى من غضبة الشعب، وأنى لايمكن لى أبدا وقد توليت رئاسة الوفد خلفا لزعيم مثل سعد زغلول أن اتساهل فى حقوق هذا الوطن مهما كانت التهديدات، بعدها حينما عرض عبدالخالق ثروت مضطرا بنود الاتفاقية على مجلس الوزراء، لقى الرفض من كل الوزراء الوفديين، وحتى وزراء حزبه من الأحرار الدستوريين الذين كان واضحا أنهم لن يستطيعوا أن يغامروا بالموافقة على اتفاقية سيرفضها الشعب يقينا، وهكذا بدا واضحا أن حكومة عبدالخالق ثروت باشا تعيش أيامها الأخيرة، وأن ثمة احتمالا كبيرا بأن أكون أنا بوصفى زعيم الأغلبية رئيس الحكومة القادم ولأول مرة. ووسط كل هذا، توارت فيرا داخلى، خمد حبى لها كجذوة نار فى عين العاصفة، وإن بقى بها قليل من وميض ووهج. وقد ظللت متعكرا كلما تذكرت أنها لم تعقب أبدا على خطابى الأخير لها، حتى جاءنى النقراشى وأخبرنى بتلك الفاجعة. إن فيرا تقايضنى على الفضيحة.

سألنى النقراشى متلهفا عما أنتوى أن أفعله. لوحت له بيدى فى لامبالاة قائلا:

لاتهتموا بأمرها. دعوها تبيع خطاباتى للقصر. إنها تبيع ماضيا لن يهتم به أحد. أنا مسئول أمام الشعب عن حقوق الشعب لكنى لست مسئولا أمام الشعب عن تصرفاتى الشخصية.

هز النقراشى رأسه فى ضيق واضح وهو ينظر له بعين اختفى منها التعاطف:

نحاس. هل تظن حقا أن تلك الفتاة النمساوية كانت تحبك؟ لقد كانت مدفوعة حتما من إسماعيل صدقى وبمباركة القصر.

هل يمكن هذا؟ لا تقل ذلك يا نقراشى. أفهم أن يخفت الحب لكن أن يكون مزورا ومصنوعا منذ البداية؟ هذا اغتيال لمشاعر المرء يا رجل. ربما تكون فيرا قد انقطعت عن مراسلتى لألف سبب، ربما خفت حبها لى بدورها، ربما تذكرت أنها تصغرنى بسنوات طوال، ربما ملت الحياة فى مصر وأيقنت أنه من غير المنطقى أن تربط حياتها بشخص باع روحه لوطنه ولم تعد ملكا له، لكنها أبدا لم تكن فخا لاصطيادى. يا الله. منذ متى وقد أصبح الحب وسيلة للايقاع بالخصوم السياسيين؟ ماذا يتبقى من معانى الحياة إذ تدنست المشاعر بألعاب السياسة القذرة؟

لا أعرف متى ظهر مكرم ولا متى جاء إلى المكتب، لكنى وجدته جالسا بجوار النقراشى وهو يقول لي

فيما انت شارد يا نحاس؟ الأمر لا يحتاج لتفكير؟ علينا أن ندفع لها المبلغ الذى تريده، أصدر أمرا بصرف هذا المبلغ من المصاريف السرية.

فى هذه اللحظة وجدتنى أضرب بيدى بقوة على المكتب بغضب بالغ وأنا أنظر إلى النقراشى ومكرم غير مصدق

مستحيل. إن الفضيحة عندى أهون من أن أمد يدى على فلوس الوفد.

قام مكرم من مكانه وهو ينظر لى وللنقراشي

ونحن لن نسمح أبدا بأن ينكسر الوفد فى هذه اللحظات العصيبة بسبب خطابات غرامية.. سنجمع المبلغ المطلوب نحن بطريقتنا وعليك بأن تجلب من هذه اللعينة الخطابات يا نقراشى.

حينما حضر النقراشى لاحقا محملا بالخطابات وقد تسلمها من فيرا قبل أن تغادر دون رجعة للابد، طلبت منه أن احتفظ بها، لكنه رفض بشدة، وأصر أن يحرقها أمامى، لم يكن هناك سبيل للنقاش معه فى الأمر، فقط تمسكت بأن أراجع الخطابات لأتأكد من أنها تلك التى أرسلتها له بخط يدى وليس مدسوسا عليها أى خطابات أخرى، فسمح لى بالاطلاع عليها، والحقيقة إنى كنت أمنى نفسى بأن أجد فيرا قد احتفظت بأى خطاب لديها على سبيل الذكرى أو الاحتفاظ بأى أثر من مشاعرى التى قد سكبتها لها من قلبى مباشرة على الأوراق، كنت غير مقتنع بالمرة أن فيرا باعت مشاعرى كلها بستة آلاف جنيه، لكنى وجدت الخطابات الثمانية كاملة، لم ينقص منها واحد، حينها طلبت من النقراشى أن يحرقها جميعا، وحينما عدت لمنزلى فى هذا المساء، أخرجت الخطابات السبعة التى أرسلتها لى فيرا، ودون أن أنظر على حروفها نظرة أخيرة، أشعلت فيها النار حتى صارت رمادا تناثر من الشرفة، وقد استقر بعضه فى الأرض، بينما تصاعد بعضه لأعلى حيث كان القمر متألقا وفى كامل بهائه، لكنه لم يكن بالنسبة لى فى هذه اللحظة سوى قطعة صخرية معلقة فى السماء.


  فصل من رواية قيد النشر

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق