رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«العمى».. هواية فاحتراف فاصطدام بصخرة «كورونا»

باسـم صـادق

فى 3 مارس الماضى قدمت فرقة المركز الثقافى بطنطا مسرحية «العمى» للمخرج سعيد منسى ضمن فعاليات المهرجان الإقليمى لفرق المسرح بإقليم غرب ووسط الدلتا والذى تنظمه هيئة قصور الثقافة.. نال العرض ليلتها إعجابا جماهيريا لافتا بسبب موضوعه الذى يتناول فكرة تفشى وباء العمى فى مدينة بكاملها وتأثير ذلك على مواطنيه.. والمفارقة المؤسفة أن المهرجان توقف ولم تكتمل لياليه بسبب تفشى وباء كورونا فى العالم وقرار مجلس الوزراء بوقف كل الأنشطة ذات التجمعات مثل العروض المسرحية.

العرض مأخوذ عن رواية «العمى» للمؤلف البرتغالى جوزيه ساراماجو وهو كاتب وصحفى ومسرحى نال جائزة نوبل للآداب سنة 1998.. ويتناول - كما أشرنا- تيمة تفشى وباء «العمى» فى مدينة بكاملها ولكنه عمى أبيض.. أى أن المصاب به لا يرى ظلاما معتما ولكنه يرى بياضا طوال الوقت.. فى إشارة إلى عمى العقل أو الجهل.. وهى فكرة بدا مخرجها وكأنه يستشعر بها ما تعرض له العالم بسبب تفشى وباء كورونا رغم أنه بدأ الإعداد لعرضه منذ شهر أغسطس 2019 !

وقد قُدمت هذه الرواية عالميا ومحليا من قبل عبر وسائط فنية مختلفة ففى سنة 2008 قُدمت فى فيلم كندى بنفس الاسم من اخراج فرناندو ميرليس وبطولة جوليان مور.. بينما قدمتها الإذاعة المصرية بشكل مكثف لا يتجاوز 20 دقيقة بطولة ندى بسيونى.. حلمى فودة وإخراج هشام محب. أما العرض المسرحى فيحسب لمخرجه سعيد منسى أنه أخذ على عاتقه تكوين فرقة مسرحية لمركز طنطا الثقافى - المنشأ حديثا- بعدد كبير من الهواة استطاع أن يصل بهم إلى درجة عالية من الاحترافية التى أهلتهم لتجسيد مثل هذا العرض الصعب والمعقد.. فهو متشابك الأصوات والرموز والجمل الموحية المعبرة عن تدنى مستوى البشرية وفقدان إنسانيتهم.. فاستطاع معد المسرحية أحمد عصام أن ينسج دراما متقنة تخدم رؤية المخرج لمجموعة من المصابين بالعمى يتم احتجازهم فى مستشفى مهجور للأمراض العقلية كنوع من العزل.. وتحديدا داخل عنبر واحد بالمستشفى.. وفى ذلك المكان تمارس عليهم السلطة كل أشكال القهر النفسى والجسدى وتحذيرهم من تجاوز خط أحمر رسموه لهم رغم أنهم عميان.. ومدهم بوجبات تتناقص شيئا فشيئا لإشعال صراع البقاء فيما بينهم.. بينما يتناوب عليهم مجموعة من العميان الأشرار المقيمين فى عنبر مجاور لهم لمحاولة ابتزازهم بتقديم الغذاء مقابل النساء وهو ما يكشف حقيقة البشر هل سيدافعون عن نسائهم أم أن الرغبة فى البقاء ستجعلهم أكثر أنانية ودونية؟! بينما نرى ما يجرى فى عنبر الاشرار عبر مادة فيلمية على شاشة بيضاء فى عمق المسرح وتدور فيها مشاهد القتل والاغتصاب.

تدور الأحداث فى اللازمان واللامكان لتبدو ممكنة الحدوث دوما.. كما تم استبدال أسماء الشخصيات بأوصافهم المهنية او الجسدية مثل الطبيب وزوجته.. ذات النظارة السوداء.. الطفل الأحول.. الأم.. العجوز ذات عصابة العين.. لص السيارة وهكذا وهى مسميات مقصودة بهدف التعميم.. ومناقشة أفكار توحش الإنسانية وانهيارها بفعل التطور الحديث الذى حول البشر إلى ماكينات.. ويبرز الحوار ذلك جليا من خلال جمل واضحة تؤكد فكرة انتشار العمى النفسى قبل العمى المرضى فأصبح كل شخص لا يرى إلا نفسه أو بالأحرى يكره أن ينظر إلى الآخرين (الإنسانية تحتضر.. أصوات النحيب المكتوم صارت هى ترنيمة الحياة الآن إن صح أن نسميها حياة).. وكذلك تفشى الخوف والهلع لدى الجميع من خوض خطوة واحدة تجاه الآخر.. لذلك لا نجد سوى شخصية واحدة مبصرة بين هؤلاء العميان وهى شخصية زوجة الطبيب كدلالة على تمسكها بنقائها وبث الأمل رغم انهيار إنسانية تلك المدينة ورغم أنها الوحيدة التى ترى حقارتهم وحتى دناءة زوجها تراها بنفسها وهو يبادل عاهرة الغزل.

الديكور والإضاءة بطلان حقيقيان فى العرض فأحد أهم المشاهد هو مشهد الاغتصاب مقابل الحصول على الغذاء وتجسيدها من خلال رقصة تعبيرية عنيفة الخطوات ومحاطة بإضاءة ذات خطوط حمراء فى كامل قاعة العرض لتبدو وكأنها مخضبة بدماء الضحايا.. بينما جاء مشهد النهاية باندلاع الحريق فى كامل المستشفى فتحيط كامل المسرح إضاءة نارية موحية.. ورغم أنها نهاية مفتوحة فإنها تشير إلى التمرد على القيود والتطلع للحرية.. لذلك تنوعت الإضاءة بين الأزرق والأحمر والأحمر النارى.. وجاء مصمم الملابس والديكور محمود الغريب ليختار ملابس المعتقلين البرتقالية الشهيرة كزى موحد لأبطال عرضه كدلالة على السجن داخل الذات من جهة ودلالة على قهر المجتمعات الديكتاتورية لشعوبها من جهة أخرى.. لذلك جاء الديكور لعنبر محطم الأثاث وكأنه معتقل لا مستشفى.. ولا ننسى أن ممثلى العرض قدموا أداءً احترافيا حقيقيا لم ينساقوا خلاله وراء الارتجال أو استجداء الضحك المتعارف عليه فى مثل حالات العميان ولكنهم كانوا أكثر التزاما ووعيا بمقتضيات أدوارهم وحساسية الحوار المسرحى فى خدمة الدراما لذلك وجب تقديم التحية لهم والتنبؤ لهم بمستقبل واعد.

العرض تجربة ذات خصوصية تكشف أهمية استثمار مواهب أبناء المحافظات وتطوير طاقاتهم الأدائية.. وتحسب بالطبع لكل من وقف داعما لها وفى مقدمتهم المخرج عادل حسان مدير إدارة المسرح والكاتب شاذلى فرح مدير فرق الأقاليم وسعيد منسى مخرج العرض ومدير نوادى المسرح وصاحب التاريخ الطويل فى تدريب المواهب بالثقافة الجماهيرية.. لذلك نتمنى أن ينال العرض حظا أوفر بإعادة عرضه فى كل المحافظات حتى يستمتع به أكبر قدر ممكن من الجمهور خاصة أنه من نوعية العروض التى نتوقع لها حصد الجوائز سواء على المستوى المحلى فى المهرجان القومى للمسرح أو على المستوى الدولى فى حال قبوله بمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى فى دورته المقبلة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق