رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

امراة عادية

وئام ابو شادى

ساعة الحائط قديمة .. تبدو متماسكة أمام جبروت الزمن عليها ..الليل قاتم أزعجه هوس الفضاء فقرر الولوج إلى صمت البيت .. كل شئ فى مكانه كما هو إلا قلبى وحده يلف الدنيا كمهر جريح ثم يعود خفاقاً بالهزيمة !!

فى هذا البيت لأبى المتبوع بحديقة متواضعة تتكئ على ذكريات متلاحقة .. البيت الذى مدد كيانه فى حى العباسية ربانا أبى الموظف البسيط بهيئة التأمينات أنا و أشقائى الثلاثة بالصبر .. لم تفلت أمى يديها من يديه لتربط على أرواحنا التى قضت السماء بشجها حين توفى فى أول يوم أؤدى فيه امتحانات الثانوية إثر أزمة قلبية مفاجئة قبل أن يرى حلمه بدخولى كلية الطب. ثم قاومت أمى كثيراً لتظلل على أقدامنا من حرقة الطريق الطويل لكنها لم تستطع .. شفطتها الأحزان وقلة الحيلة و ابتلع المرض جسدها النحيل بغير هوادة و رحلت فى لحظة كنا نتحايل على قدومها بتلك السرعة المخيفة ..

ها أنا ذا طالبة بالفرقة الثانية بكلية التربية قسم التاريخ و تحت مسؤوليتى الكاملة ثلاثة أشقاء أنا الحبل السُّرى بينهم وبين الحياة ولا أحد يمد حتى مواساته لرتق شرخ ما فى أرواحهم الغضة ..

إنها القصة التقليدية .. فتاة يموت والديها فتتولى إخوتها الصغار فتاتان والصبى أصغرهم .. تضطر الكبرى أن تكافح لأجلهم و أن تعمل فى كل شئ .. المقاهى والمكتبات .. مندوبة مبيعات لمنتجات استهلاكية بسيطة .. فى البقالة تارة و باليومية إن وجدت تارة أخرى .

أنهيت ما تبقى لى من تعليمى الجامعى لا أعرف كيف؟! فقط لأستطيع أن أفعل شيئاً أكبر يجيز تناولهم قطع من الجاتوه الذى تعملق فى اشتهائهم البرئ .. ليس مسموح بفتح نادى الدموع البتة و لا حتى لبرهة لغسل غبار الإنكسار .. «الأحلام الصغيرة مكلفة و باهظة جداً « كان هذا درس كل ليلة الذى ألقنه لهم قبل أن يسدلوا جفونهم لاستقبال يوم جديد كثيف وشاق ..

كان جمالى آخاذاً يهجر فقرى وحِملى و ظهرى و يمشى وحده كإبن عاق .. هائماً يطارد كل ذى لُب حكيم .. وتلك لعنة أخرى كانت تعيق كرامتى و آدميتى لأمشط الحياة بشكل أكثر قسوة ومراراً و نزفاً ..

بين كل تلك المتراميات كان عثمان هنا يكبر عطره أمامى ويشتد دفؤه .. جارى الذى يكبرنى بعامين .. كنت أود أن ألتحق بالطب لألحق به لكن حلم الرفقة أيضا تخلى عنى هو الآخر لا مبالياً .. إنها ضرائب الأحلام البسيطة!!

_عايز أشيل معاكى الحمل التقيل ده يا بثينة .. عايز أجدف معاكى فى نفس المركب

جاءنى عرضه الفضفاض فى نفس اليوم الذى حصلت فيه أخيراً على عقد عمل كمدرسة فى إحدى دول الخليج بالإعارة بعد أن لعقت حذاء الفرصة بذل اللهاث

أصر فى تلك الليلة على دعوتى على العشاء فى أحد المطاعم العريقة بوسط البلد .. قدم قلبه و رجولته وماء عينيه إلى نتوءات روحى ليُقيمها .. أخذ يتمتم مع صوت منير « الدنيا كلها شبابيك .. دى عينيك شبابيك « إنك لا تملك إلا أن تكون قنبلة من السعادة أمام هذا الوجه الذى يشبه الشاطئ و تلك السمرة الآتية من حضن الشمس فى يوم مطير ..

سحبت يدى من يده الصاخبة ككرمة عنب أندلسية

_ انا قلبى مش فى مكانه .. أنا مش موجودة .. ياريتنى ما عرفتك ولا شفتك يا عثمان

تقمصت البرود على نحو قاتل لأنهى هذا المشهد الحتمى فى قُصاصة من العالم تُكرر نفسها بشكل هيستيرى

_الحب الحقيقى بييجى مرة واحدة بس فى العمر يا بثينة بتحكمى علينا بالموت ليه؟

رشق قلبى بكلماته التى تقطر دماً قبل أن يحمل خيبته و يمضى كأنما أراد أن يلفنى بها من كل اتجاه أمضى فيه ..جرتنى قدماى فى تيه أفقد سُدتى و رؤيتى لا أعرف إلى أين .. يتلاحق الصدى فيَّ و انا أتلو على نفسى

« الحب الحقيقى لا يكتمل لذا يبقى مكانه محتشداً بكل قوته بين العظم واللحم .. يمد عنقه من كل ثقب فى الحياة .. شاباً تتكاثر خلاياه كلما تآكل العمر .. ولا يندمل «

« ماريان بازار « ابتسمت للافتة الكلاسيكية و دلفت من الباب أعانقها بحرارة .. رفيقة السكوت والكلام .. و الملام !! تحمل دائماً ابتسامة تطوعية للكون خشية أن يقع على حين غرة من فجاجة القبح !!

_نفسى أفهم ليه بتعملى فى نفسك كده ؟ كان هيحصل إيه يعنى لو اتجوزتوا و سافرتوا سوا ؟

_ما ينفعش .. طريقى صعب وطويل و مش هيستحمل.. هتروح السكرة و تيجى الفكرة .. ده محسن لسه السنة دى فى إعدادية .. ما ينفعش اكون أنانية لا معاه ولا معاهم

_أفهم من كده هتفضلى من غير جواز ؟

_ معرفش ... بس كل اللى متأكده منه انه مينفعش

مريان تؤمن كامل الإيمان بأن الهرب محطة خربة .. فقد قفز قلبها فى صدر مايكل فى رحلة قصيرة للأقصر .. مع اختلاف طائفتيهما ولم يفهما فرامانات عائلتها و كأنها لوغاريتمات ليبقى الوضع كما هو عليه لا هو موت ولا هو حياة .. لكنها أبداً لا تحتال على قلبها .. « أغبطها من كل قلبى «

فى الصباح كان جسدى مثقلاً بجرعات من سماجة الواقع تكفى لقتل كوكب بأكمله .. مستلقٍ على مقعد بين السماء و الأرض لطائرة تقلنى إلى الكويت .. وبدأت الدوامة بروتينها اللزج .. إهدار اليوم بعد اليوم و السنة تلو السنة

تتسع الهوامش و تتناثر على جوانب أيامى .. يطاردنى فيها وجه عثمان و أخباره التى أسرقها كما أسرق الهواء الكاذب لأستمر فى تمثيلية « أنا بخير «، تتبدل عليَّ الوجوه و العيون .. الحوادث و الأقدار .. أعياد وجنازات .. كل شئ يعذبنى لأنه ليس هو .. عروض لا بأس بها بالزواج و أخرى أكثر مللاً بالرفقة .. عروض عروض عروض و .. تدور الساقية .. الأموال تطير إلى جهاز أختى صافية و حفنة أخرى لملك لاستكمال دراساتها العليا و شحنات كالجبال لمحسن ليكمل تخرجه من الهندسة و أُنهى أقساط شقته بإحدى المدن الجديدة .. أتمدد بارتياح و تناقض وسط رسائلهم المتزاحمة بالطلبات و الامتنان و الشوق و الحاجة والالتصاق .. فى كل رسالة أو محادثة أكتمل و أنقص أغيض و أفيض .. ألوذ بصورة قديمة لعثمان كأفلام الأبيض و الأسود أضعها على الكومود بين صور اخوتى و أبى و أمى لتكتمل عائلتى ووحدتى و يصاحبنى الونس عله يرفق بى .. أطرق رأسى بباطن يدى و أنا أردد بصوت عالٍ وحدى و أضحك متخلية عن ثباتى « أين وضعت قلبى و أنا ألعب الغماية معك « !!

فى الإجازات الضحلة التى كانت مسكنى الوحيد المراوغ كنت أمر بيته على استحياء أشم حجارته العتيقة التى صارت تجرى من عروقى مجرى الدم .. تسربت ملامحه و خطواته إليّ صدفة فى ليلة من ليالى الصيف وهو خارج من عيادته هنا بنفس الشارع .. تطابقت مقلتانا و طلت عليَّ شعراته البيضاء فى خجلٍ ووقار كأنها حديث غير مرتب عن الإفتقاد

_مهما جت عليكى الدنيا هتفضلى بثينة .. إنتِ ليه مبتتغيريش ؟ ابتسمت لكلماته التى لم ينل من إيقاعها الزمن

_ وانت ليه مبتتغيرش ؟

بزفير حار وهو يوزع حدقتيه بين السماء و الأرض

_ أنا كل حاجة فيا اتغيرت .. يعنى .. بقيت عصبى ويمكن معقد .. بتكلم فى السياسة أكتر من الطب .. بعملى حوالى تلات اربع خناقات فى الاسبوع عن البلد .. بيت حلو وشاليه عظيم من بتوع الصفوة .. مركز طبى كبير .. فلوس كتير وحلقة كل يوم فى قناة .. زوج و أب ..بصحى على حباية الضغط وبنام على فنجان قهوة وسؤال ميؤوس منه عن قلب اتفرم فى زحمة الحياة

لازالت ضحكته بريئة ولامعة .. يلتقط أنفاسه ويفلت تنهيدة تفضح ضعفه

_ ومسبتش العباسية

كانت عيناه تلتحف كل زوايا الشارع و هو يبذل جهداً خرافياً لا يخفيه ليتجنب ذكرى قاسية حفت أمله و استقرت فيه كسكين باردة .. ثم باغتنى كما و أنه يتتبع أخبارى كقصاص أثرٍ ماهر لا يملك فراراً من موهبته

_ما اتجوزتيش ليه ؟

لم تكن لدى إجابة وافية فى الحقيقة لكنى وددت لو ابتلعتنى الأرض لحظتها وعدت أهرول إلى البيت أركل حنينى الذى لا يموت إليه و لا يقضى أى شيءٍ عليه مخلفة ورائى جثة لامرأة لا تجد من يوارى بقاياها

عدت أخيراً من الكويت بعد أن نصبت لكلٍ من إخوتى وتد حياته بينما تشعبت الدوالى فى ساقى و قدمى و أيامى القادمة المبحوحة التى لم أعد أحصى عددها .. تزوج إخوتى و تقلد كل منهم حياة اختارها بكامل إرادته

بعد أن اشتعلت الثورة وضربت تبعاتها كل منافى و أوجه الحياة فى مصر لتترك ملصقاً على كياننا جميعاً و بعد أن عششت لحية كثة على وجه أخى مع بعض المداخلات التى ظنها إنجازاً و تحديثاً و تصدرت معاملاته الصلفة معى و بعد أن أحضر لى رجلا يشبهه ليقدم لى عرضاً ممتقعاً بالزواج على زوجته المنتقبة مرفقاً بأمر مباشر بالتطرح .. وعندما رفضت عاجلنى باثنين آخرين من نفس الفصيل فأبديت استنكاراً مع رفضى هذه المرة ليشتد غضب الفرعون و يحاصرنى بهجر و قطيعة فاجرة .. ثم أسرع بطلب نصيبه فى بيت أبى الذى لم يعد لى سواه مع بضع جنيهات من وديعة صغيرة تعيننى على قسوة الحياة و اتخذت الحبيبتان اللتان رضعتا كل ما بحوزتى و فَطَمَتْهُما لغة الأخذ بغير مقابل موقف الإمعة من زعيم القبيلة لتطالبا بنصيبهما أيضا بإيعاز و جحود منه لا يدفعهما إحسان و لا أخوة و لا نقطة دم تربط بيننا للسؤال عنى بالشهور لا فى خيرِ ولا فى شر !! . تركت لهم كل شئ بعدما تداعوا على وجعى .. وصرت من هولى أدرأ دموعى و ضعفى لا أبدى تجاههم أية ردة فعل كأنى تمثال من الملح معقوف على نفسه .. و استقر بى الحال لإدارة مكتبة عريقة بوسط البلد مملوكة لوالد صديق و زميل قديم .. حتى أدركنى خبر وفاة زوجة عثمان بعد صراع مع مرض عضال فهرولت أمسح على قلبه ولا ألوى على شئ .. تمر الأيام التى لم تكن تمر كسيارة انشطرت بغتة وسط الطريق .. ليقرر كل منا أن يرتاح حزنه على كتف الآخر .. عقدنا قراننا و قطعنا تذكرتين لفيينا لقضاء عشرة أيام من الأمل تأخر عسلها كثيراً فى الوصول إلينا .. كان يريد أن يجلب لى العمر من أوله .. ودخلت جنته أغترف من نهره العذب أخيراً و للمرة الأولى .. يقترب منى و أنا أطبع قبلة على جبين السماء التى زفت هداياها الواسعة برقة .. و أُرَبِّت على الزمن الذى أضناه التعب لنا .. مسح على شعرى بيديه الدافئتين

_ لسه عينيكى شبابيك

أغمضت عينى و أنا أتنفسه كأنى أروج لفرحتى فى كل أرجاء الدنيا و أخرج لسانى لسنواتى الخمسين و أتفرس كسرة عينيه التى تطفئ على مهل غيظها من كل المسافات .. و بينما يقترب من شفتى عاجلنا اتصال على محموله من مريض استأذن بعده لنصف ساعة ليفى بوعده معه بحقن مستوردة لا يقدر على ثمنها ..

مرت ساعة أخرجت فيها كل الرسائل التى كتبتها له على مدار خمس و عشرين عاماً و نشرتها على كل أركان غرفتنا كما يرشق الأطفال الأفق بالبالون فى ليلة العيد .. « الليلة سأخبره بكل شئ .. وعن كل شئ «

لم أترك جداراً ولا قطعة أثاث بالبيت إلا قبلتها .. أطير فى كل ركن كفراشة أخبروها تواً بقدوم الربيع .. استلقيت على الشيزلونج الذى ناولنى غفلة طالت لساعتين فوق الساعة الأولى حتى أفاقنى صوت هاتفى .. كان الآتى صوتاً غريباً من محمول عثمان و أنا أَشُدُّ وعيى من آخر الأرض

_أستاذة بثينة ؟ _أيوة

_ دكتور عثمان الخولى جوز حضرتك ؟

خفق قلبى و اضطرب _ أ ... أيوة

_مش عارف أقولك إيه ؟ ..... و ...... و أسقط فى يدى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق