«الفيزافى» حملت الصغيرات للتنزه فى حدائق قصر «عابدين» .. والأميرات ارتبطن بـ«الكوبيه» المميزة بـ«درج» لأدوات التجميل
ظل متحف المركبات الملكية، علي مدار عقود، يجذب آلاف الزوار من مختلف الجنسيات، ليقدم عبر محتوياته صورة «بانورامية» لحقبة مهمة من تاريخ مصر الحديث، قبل أن تطوله يد الإهمال خلال العقدين الأخيرين، ويفقد بريقه، ليتحول الي ما يشبه ثكنة مهجورة رغم ما به من مقتنيات نادرة.. ولكن مؤخرا أمدت إليه يد التطوير، ليستعيد رونقه من جديد، كواحد من أبرز المتاحف الملكية في مصر.
علي مدار 17 عاما، كان المتحف أقرب لـ«مكان مهجور» تحيط به الأتربة من كل جانب، حسبما يقول الدكتور خالد العناني، وزير السياحة والآثار، قبل أن تشرع الوزارة علي الفور في خطة شاملة لتطويره، بتكلفة بلغت نحو 63 مليون جنيه، من المقرر أن تنتهي خلال أيام، ليتم افتتاحه أمام الجمهور خلال فترة وجيزة.
لا تتوقف أهمية متحف المركبات الملكية، عند حد كونه واحدا من المتاحف التي تروي تاريخ أسرة محمد علي التي حكمت مصر لنحو قرن ونصف قرن من الزمان، لكنه في الوقت نفسه يعتبر واحدا من أندر المتاحف، والرابع من نوعه علي مستوي العالم، بعد متاحف «روسيا» و«إنجلترا» و«النمسا»، حيث تم وضع حجر الأساس لإنشائه حسبما يقول «أحمد الصباغ»، مدير عام المتحف، في عهد الخديو إسماعيل، عام 1863 ميلادية، واستمرت أعمال تشييده نحو ستة عشر عاما، تحت مسمي «مصلحة الركائب الخديوية»، حيث تم استخدامه في بادئ الأمر، كمخزن للعربات وسكن للخيول الملكية، وقد تم اختيار تلك المنطقة الواقعة في شارع 26يوليو في منطقة «بولاق أبو العلا»، نظرا لقربها من النيل، حتي يتم توفير احتياجات الخيول من المياه بسهولة.
خضعت مصلحة الركائب الخديوية تاليا لعدة تعديلات، كان أولها في عهد الملك «فؤاد»، حيث تم إضافة مجموعة من الحجرات الي المبني، لتتسع لمجموعة العربات الملكية، التي استخدمت في استقبال الملوك والسفراء والنبلاء، الي جانب إسطبلات الخيول، وسكن لمبيت «الدومو» و«الجروم» و«القمشجي»، فضلا عن مجموعة حجرات أخري، خصصت لإعداد أطقم الخيل، والإسعاف، ومكاتب للعاملين، وورش للقطار، وقد ظل المبني علي حاله، حتي قيام ثورة 23 يوليو 1952، ليتحول إلي مبني تاريخي، وينضم إلي مصلحة الآثار التابعة لوزارة المعارف وقتها، تحت مسمي «متحف المركبات الملكية»، وظل يستقبل الزائرين حتي عام 1983، حيث تم استبداله حينها بموقع آخر، داخل قلعة صلاح الدين بالقاهرة.

خضع المتحف لمرحلة ثانية من التطوير عام 2001، تخللتها عطلة دامت لسنوات طويلة، عندما تم تسليم المشروع بالكامل إلي إحدي شركات المقاولات الكبري، بعد مناقصة لتحقيق الاستغلال الأمثل لجميع المساحات بالمتحف، إلا أن المشروع توقف عدة مرات، قبل أن يتم استئناف العمل عام 2017، بعدما أصبح الموقع أشبه بمخزن لمعدات شركة المقاولات، التي بدأت في اتخاذ خطوات جدية لإنهاء أعمال تأهيل المبني معماريا، وتدعيمه إنشائيا، وترميم الواجهات داخليا وخارجيا، وفقا لمخطط المجلس الأعلي للآثار، إلي جانب استكمال أعمال ترميم العربات واللوحات الفنية، باستخدام أحدث الأجهزة العلمية، ويضيف الصباغ: لتسريع وتيرة العمل، قمنا في فبراير من العام الحالي، بتحديد الاختصاصات بين الوزارة وشركة المقاولات، لأن الشركة كانت هي المتحكم في الموقع بأكمله، ومع بداية مارس الماضي بدأ العمل الفعلي، لتتبدل الحال في فترة وجيزة إلي ما وصلنا إليه، إذ أصبح المتحف جاهزا للافتتاح خلال فترة وجيزة للغاية أمام الزائرين، ويستقبل المتحف بعد افتتاحه الزائرين طوال أيام الأسبوع، والعطلات الرسمية من الساعة 9 صباحا وحتي 5مساء، مع توفير كتيب معلوماتي شارح من إعداد الوزارة لكافة تفاصيل المتحف وحقبه التاريخية.
الحناطير والعرقسوس
ينتقل الزائر خلال جولته داخل المتحف، في رحلة عبر الزمن - محاكاة الماضي- الي العصر الملكي بالصوت والصورة، ويقول «أمين محمود الكحكي»، مدير المتحف: ندرس حاليا فكرة الاستعانة بأصوات مسجلة لـ«الحناطير» وهي تمرق في شوارع مصر القديمة، ممزوجة مع أصوات باعة «العرقسوس»، في محاولة لتجسيد الأجواء المصاحبة لـ«الموكب الملكي» علي نحو يقترب كثيرا من أجواء أفلام «الأبيض والأسود»، وإلزام فريق العمل بكافتيريا المتحف، بارتداء الملابس التي كانت تميز هذا العصر، مثل «الطربوش الأحمر» وباقي الملابس التي تعكس طبيعة أزياء العصر الملكي بتفاصيلها، والتي تختلف وفقا لطبيعة الوظيفة، مع تقديم المأكولات الشهيرة في هذا العصر، بالأدوات والأواني التي كانت تستخدم وقتها، الي جانب وضع صور مختلفة تعبر عن جوانب الحياة في العصر الملكي علي التذاكر المطبوعة.
لن يواجه القادمون للمتحف بالسيارات الخاصة، أو بالحافلات الصغيرة أو بوسائل النقل الأخري أية صعوبات، خصوصا مع انشاء محطة مترو «ماسبيرو»، التي ستكون ملاصقة للمتحف، ويضيف الكحكي: ما يتبقي هو أن تضع شركات السياحة مستقبلا، المتحف ضمن برامجها السياحية.
يضم متحف الركائب نحو 78 عربة ملكية، تعكس تاريخ مصر الحديث، أغلبها إهداءات من فرنسا وإنجلترا والمجر، والبعض منها صنع محليا في مصر، ويقول الكحكي: سيتم استخدام نحو 42 عربة إلي جانب الإكسسوارات المتنوعة منها، عبر رحلة داخل 7 قاعات للعرض، حتي يتمكن المصريون والعالم من التعرف علي جانب من التراث المصري، كما سيتم تخصيص إحدي تلك القاعات، لاستقبال كبار الشخصيات، وتسمي قاعة الـ«VIP»، وهي تحتوي علي جانب من أهم مقتنيات الأسرة العلوية، ومنها مكتب كان يستخدمه الخديو «إسماعيل»، الي تمثال نصفي له بالحجم الطبيعي من البرونز، فضلا عن الهاتف الذهبي الذي استخدمه الملك «فؤاد الأول» في افتتاح سنترال القاهرة (سنترال رمسيس حاليا) عام 1927، بعدما صنعته شركة «إريكسون» خصيصا لمصر في العاصمة السويدية «ستوكهولم»، كما تحتوي القاعة علي إحدي الصالونات التي كانت موجودة بالفعل بالقصور الملكية في عهد الملك «فاروق»، و«بيانولا» صغير يشغل النغمات الموسيقية التي كانت تستمع إليها الأميرات، و«جرامافون» من مقتنيات الأميرة «فوزية»، كان موجودا في قصر «محمد علي» بالمنيل، إبان عصر الملك «فاروق»، وكذلك بعض اللوحات التي تعبر عن تدريب الخيول الملكية والصيد، وعربتان «سبت» التي يتواجد منها نسخ أخري داخل المتحف.
التنزه والصيد
يستهل الزائر زيارته للمتحف، من قاعة «الأنتكخانة» التي تضم 6 عربات ومركبات مميزة، كانت تستخدمها الأسرة العلوية في مناسبات مختلفة، كالتنزه والصيد غالبا، ومنها عربة «الفيزافي» التي استخدمتها الأميرات في الفسحة، إلي جانب عربتي «سبت» (صغيرة وكبيرة)، وقد سميت بهذا الاسم لصنعها من الخيزران المجدول، وهي عبارة عن عربتين صغيرتين معلق عليهما شمسية، ويجرها جوادان صغيران، ويقودها «دومو»، وقد كانت هاتان العربتان تستخدمان في تنزه الأميرات الصغيرات، في حدائق قصر عابدين ونظيره المنتزه، كما كان يستخدمها الملك «فاروق» في طفولته، قبل تولي الحكم، في فسحة الصيد البري في منطقة «سقارة»، حيث كانت تتواجد بحيرة تهبط عليها الطيور المهاجرة في أولي محطاتها في مصر.
وينتقل الزائر بعد ذلك إلي قاعة «الاستقبال»، المزينة بـ4 لوحات زيتية، عبارة عن بورتريهات للأسرة العلوية بالحجم الطبيعي، للملك «فؤاد» والأميرتين «فوزية»، و«جنان يار» إحدي زوجات الخديو «إسماعيل»، وأخري لإحدي الأميرات من الأسرة العلوية، وتتوسط القاعة «فاترينة» لعرض جانب من المقتنيات الذهبية والنياشين والبروشات إبان العصر الملكي، ويمكنه أيضا مشاهدة أفلام وثائقية باللغتين العربية والإنجليزية، عن الفترة الزمنية للأسرة العلوية، تتراوح مدة عرضها بين دقيقتين وخمس دقائق علي شاشة عرض، ومنها يدخل علي قاعة «المتغير»، وقد سميت بهذا الاسم لأن المعروض فيها سيتغير بشكل شهري تقريبا، وفقا للمناسبات التاريخية، التي شهدتها المركبات الملكية، والتي منها مناسبات افتتاح قناة السويس، وخروج كسوة الكعبة في عهد الخديو «إسماعيل» والملك «فاروق»، بدءا من منطقة القلعة إلي الميناء المصري لتشق طريقها إلي مكة، وافتتاح البرلمان، وتنصيب الملك «فاروق» في موكب مهيب.
العصر الملكي
وتقدم قاعة «الموكب» معايشة لأجواء تلك الفترة من تاريخ مصر، وهي مصممة علي هيئة شارع مصنوع من «البازلت» في مساحة إجمالية تقدر بـ970 مترا، تحيط جنباته فوانيس إضاءة تضاهي طبيعة تلك الحقبة التاريخية، ويصل ارتفاع سقفها الزجاجي الشفاف إلي 30 مترا، يتخللها من ناحيتي اليمين واليسار، مرتفع عن سطح الأرض مصنوع من الرخام أشبه بالرصيف، يعلوه من الجهة اليمني عربتان «كلش خصوصي» أحدهما مكشوفة علي هيئة قارب، اشتركت في موكب الاحتفال بافتتاح قناة السويس سنة 1869، ومصنوعة من الخشب المدهون باللون الأسود، عليه شريط عريض من النحاس المذهب، لها غطاء من الجلد الأسود المبطن باللون الكحلي، يطوي شتاء للحماية من البرد والأمطار، ويفرد صيفا للتهوية، وللعربة مقعدان أحدهما كبير بالداخل، والآخر لجلوس «الجروم» لفتح باب العربة وبسط السلم المطوي، وكان يجر هذه العربة أربعة جياد، ويقوم علي خدمتها خمسة أشخاص، كما يسير بجوارها «قمشجية» لإفساح الطريق.
وتضم القاعة أيضا عربة «اسكوليت» كانت مخصصة لنقل الموتي، وقد نقلت بالفعل جثامين الخديو «إسماعيل» والسلطان «حسين كامل» والملك «فؤاد» و«سعد باشا زغلول» إلي مثواهم الأخير، وكذلك عربة «البوريك» التي كانت ضمن الموكب الملكي، وتوازي عربة «الإسعاف» حاليا، وأيضا مركبة «كلش خصوصي» ضمن موكب «المحمل» الذي كان ينقل كسوة الكعبة المشرفة، وموقف مخصص لعربات الحنطور «الهنجاري» و«الدوق» التي كان يستخدمها الشخصيات المهمة والعامة في تنقلاتهم، وقد كانت هذه القاعة مكشوفة في الأصل دون سقف يعلوها، وتستخدم كمنطقة لتدريب الخيول وعلاجها، ويتردد أن النافورة الموجودة في مدخل المتحف في الوقت الراهن كانت ممتدة إليها، لسقي واستحمام الخيول.
مركبات الأسرة العلوية
ويطلق علي القاعة الرئيسية للمتحف، وفقا لترتيب سيناريو العرض، قاعة «المناسبات الملكية»، وتتزين تلك القاعة بالعربات والمركبات التي كان يستخدمها أفراد الأسرة العلوية خلال المناسبات الرسمية المختلفة، ومن أهمها عربة «آلاي الخصوصي» التي أهداها الإمبراطور الفرنسي «نابليون الثالث» وزوجته الإمبراطورة «أوجيني» إلي الخديو «إسماعيل» بمناسبة افتتاح قناة السويس سنة 1869، والتي يتم تصنيعها بمواصفات مخصصة للملوك وكبار رجال الدولة، وحظيت بشهرة واسعة في تلك الفترة، والعربة يجرها ثمانية جياد، وجواد تاسع للدليل، وكانت تخرج بصحبة عربة «آلاي» وعربتان «نصف آلاي»، ويقول الكحكي: استخدمت هذه العربة أيضا في حفلات الزفاف، وأشهرها زفاف الملك «فاروق» علي الملكة «فريدة» عام 1938، وقد قام «فاروق» بتجديدها بعد ذلك ليذهب بها في حفل افتتاح البرلمان عام 1942، ومقاعد هذه العربة مصنوعة علي طراز «الكابوتنية»، ومبطنة بـ«الجوخ»، وقماشها الخارجي مصنوع من الحرير الأزرق والأخضر، ويحيط جوانبها أربعة فوانيس مصنوعة من النحاس النقي و«البلور»، لحمل الشموع لإضاءة الطريق ليلا.
وتضم القاعة أيضا عربة «كوبية» توارثتها العائلة الملكية، وهي تحتوي علي صندوق صغير «درج» للمرآة وأدوات التجميل للأميرات، وأخري «كلش» التي كانت من استخداماتها نقل سفراء الدول للقاء الملك، وعربة «التعيينات» التي كانت تنقل الطعام والشراب من الموردين إلي القصور، كما يتواجد في القاعة «فاترينة» لعرض نحو 11 طاقما ملكيا، وجانب من الملابس الخاصة بسائقي الخيول، التي تختلف باختلاف المناسبة، وكذلك مجموعة من الإكسسوارات الخاصة التي كانت تستخدم لتزيين الخيول، مثل الحدوة، واللجام، والسرج، وغيرها.
عرض أزياء الحاشية
تتصدر القاعة الأخيرة المسماة بـ«الحصان»، لوحة زيتية كبيرة لـ«محمد علي باشا» وهو يمتطي جوادا بالحجم الطبيعي، وبعض اللوحات الأخري التي تعبر عن الخيول في جميع أوضاعها، من تدريب وترويض، أو إعدادها للصيد والتدريبات الأخري، كما تتضمن ثلاث «فاترينات» تعرض ملابس الحاشية والعاملين المسئولين عن قيادة العربات، وإفساح الطريق وتأمينها وجميع مستلزمات الخيل، من الشدة والراكبة الخاصة به.
على الهامش
الدومو: قائد العربة.
الجروم: مساعد السائق، لفتح باب العربة وبسط السلم المطوي.
القمشجي: رجل يسير أمام العربة لإفساح الطريق في الصباح حاملا عصا، وفي الليل يرفع شعلة نار لإضاءة الطريق.
آلاى: كلمة تركية تعني فرقة أو كتيبة.
رابط دائم: