رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نفر العزبة - نيويورك

أمل سالم;

دخل المعلم حجرة الدرس الخصوصى فى بيت إحدى طالباته كعادته، فوجد مقعده خاليًا، وهذا أمر طبيعى. غير أنه عندما جلس ليبدأ فى تدريسهن لاحظ أن الطالبات تركن مقعدين خاليين إلى جواره، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.

»للوهلة الأولى ظننت أن طالبتين من الطالبات العشر المنضمات إلى هذا الدرس قد خرجتا».

الدروس الخصوصية،هى ذلك الوباء الذى منى به التعليم فى بلادنا، والذى قوض دور المدرسة تمامًا، وجعلها مؤسسة مجتمعية يرفضها المجتمع! واستبدل بدلًا منها حجرات صغيرة كالجحور فى البيوت، وتعليمًا موازيًا للتعليم الحكومى فى دور العبادة والجمعيات الأهلية وحتى فى الدكاكين غير المؤجرة.

»إن مصطلح (خرجتا) يعنى أنهما قررا الاعتماد على نفسيهما فى المذاكرة، مستغنيتين عن خدماتى، أنا المدرس الخصوصى الذى قبلت أن آتى إلى هنا، حيث أستقل عربة نصف نقل من المفترض أنها لنقل البضائع، تمت تغطيتها بغطاء قماشى، ووضع فيها دكتان خشبيتان واحدة على كل جانب، وإلى جانبها وقف طفل صغير دون سن العمل دائمًا، ينادي: نفر عزبة، نفر عزبة. والحق أنها فى الشتاء تكون هذه العربات بمنزلةالمنقذ الفريد؛ لذا تتضاعف أجرة التوصيل فيها، حيث الأمطار تحول الشوارع غير المرصوفة إلى برك ومستنقعات وأوحال يستحيل الخوض فيها».

وهو لن ينظر إليهن ليعرف الغائبتين، يستحيل ذلك؛ لأنه لا يحفظ لا أسماءهن ولا أشكالهن، فبالإضافة إلى مستترات الرأس فإن عددًا منهن فى هذه السن يغيرن كثيرًا من تسريحة شعرهن، وأحيانًا من لونه، فكان الأمر يختلط عليه. بالطبع حال شكه فى تغيبهما أخذ يدعو الله سرًّا أن تكونا قد اعتذرتا عن الحضور لأسباب صحية أو أسرية، وانتظر أن تبادر إحدى الموجودات بإبلاغه عن سبب تخلفهما عن الحضور. مضى الوقت الضئيل الذى يسنح لذلك فى العادة، وعلى الفور أخذ يفكر فى الخسارة التى تكبدها كم تكون؟ وما مدى أثر ذلك على متطلبات الحياة لأسرته؟

- «يا للحظ التعس، لماذا ولدت فى هذه الحياة؟» قال ذلك فى سره ثم زاد: «هل لأوهب اسمًا ودينًا وجنسية أظل أدافع عنهم طيلة الحياة، وألهث كالأبله وراء رزقى غير الثابت؟! ما البدائل التى يمكننى الوصول إليها؟ من أى شيء يمكننى من توفير المبلغ المنقوص إثر غيابهما حتى يكفى دخلى مصاريف الشهر؟ أأتوقف عن التدخين؟ نعم الامتناع عن التدخين هو الحل الأمثل.

بالفعل ذلك حل يسهل تحقيقه، لقد وصل سعر علبة التبغ إلى عدة جنيهات، عدة جنيهات بكاملها! وعلبة التبغ بالكاد فى هذه المهنة الشاقة تكفينى نصف يوم».

إن التعامل مع النشء شيء ممل جدًا، كما أنه أمر جد خطير، فعلى المدرس أن يتحسس رأسه كل دقيقة كى يحافظ على ثبات عقله ورجاحة تفكيره، حتى يروى أنه فى الدول الأوروبية لا يؤخذ بشهادة معلم التعليم الأساسى فى المحاكم بعد استمراره فى العمل مدة معينة، يقال إنه يتأثر بطريقة التفكير الطفولى.

ــ «وإزاء ذلك لا يمكننى التوقف عن التدخين بأى صورة من الصور،فرغمًا عن تعاملى مع طالبات التعليم العام ناضجات الفكر كثيرًا إذا ما قورن بالتعليم الأساسى، إلا أننى يجب الحفاظ على مستوى تفكيرى والحيلولة دون تراجعه بفعل محاولة الوصول إلى طريقة تفكيرهن غير المكتملة النضج لإكساب المعلومات يسرا وسهولة، عليَّ إذًا التفكير فى أمر آخر غير ذلك يمكن منه أن أوفر ما يقابل المبلغ المستقطع نتيجة انقطاعهما عن حضور الدرس».

لا يمكنه الاستغناء بأى حال من الأحوال عن دفع إيجار المسكن الذى يعيش فيه، وإلا فإن صاحب المنزل سيكون مضطرا لطرده فى الشهر الثانى، وحتى وإن صبر عليه فى إيجار الشهر الثانى، وسيحدث ذلك بعد قدر كبير من التذلل والاستعطاف، سيطرده لا محالة فى الشهر الثالث، وعند ذلك لن يجد له نصيرًا من دون صاحب المنزل، ولن يجد له أيضًا مكانًا لإقامته.

ــ «لالا، لا يمكننى التوقف عن دفع إيجار المنزل، سأفكر فى حل هذه المشكلة عندما أنتهى من تدريس هذه الحصة».

وقد أردف قائلًا بعد هذه الحيرة الماثلة فى عقله:

ــ أين الواجبات التى قررتها فى الحصة الماضية؟.

سأل وكان من عادته أن يتبع هذا السؤال بتهديد معهود:

ــ من لم يكمل واجباته عليه أن ينصرف عائدًا إلى بيته، ولا يحضر إلا والواجب مكتمل الحل. لكن هذه المرة كان صوته يخرج متثاقلًا، كأنه يتحدث إلى الداخل، بالضبط أن يسحب الهواء لصدره وهو يتحدث، وقد جحظت عيناه، ونفرت عروق عنقه، واحمرت وجنتاه، وتحدبت أكثر من عادتها جبهته. دفعت الطالبات كراريسهن إليه، دفس وجهه فى أولها، وأسند جبهته بيده اليسرى، وراح ينظر إلى المسائل أيها الصح وأيها الخطأ.

ـ «لبن الرضيع تكلفته فى الشهر...، وهذا أيضًا لا يمكن الاستغناء عنه، ولا المصاريف اليومية لأخويه الأكبرين».

كانت يده تتحرك بصورة ميكانيكية بالقلم الأحمر كمحراث يقلب الحقل، الصفحات تصرخ فى أثناء تقلبها وكأنها تشاركه ألمه، وعندما ينتهى يدفع بالكراس أمامه دون النظر إلى صاحبته، تلك التى تتناوله على الفور لتراجع فى صفحاته التى صححت.

أفاق على صوت إحداهن:

ــ حضرتك، نتيجة المسألة عندى غير عندها(تقصد زميلتها) والاتنين متعلمين صح؟!

ــ «بدأن فى المراوغة، الحكاية مش نقصاكم.

فى المناطق الشعبية والعشوائية، والتى يأكلها الفقر ويهضمها العوز، فيما يبدو أن الحاجة تقوى من عود الطفل منذ حداثته، فيشب أكثر اعتمادًا على نفسه، وأكثر وعيًا من أقرانه الذين سهلت لهم سبل العيش، لذا فإننا نجد أن عددًا غير قليل من طلابها أذكياء بالفطرة، وهم يرتابون فى المدرس عندما يصحح عددًا كبيرًا من الكراريس دفعة واحدة، وعليه فغالبًا ما ينصبون فخًا للمدرس، هذا الفخ ما وقعت فيه الآن».

كان عليه أن يكون أكثر انتباهًا، وأن يتوقع عددًا آخر من الشراك. نظر إلى الكراستين مادًّا قلمه الأحمر، وصوب إحدى النتيجتين بأن أشار إليها واضعًا علامة خطأ، وكتب نتيجة الإجابة الصحيحة.

ــ كم كراسًا صححت؟!

ــ ثلاثة.

ــ «ثلاثة».

وهاهما اثنتان أمامه فيهما المسألتان، ثم عد الكراسات التى لم تفتح بعد فوجدها خمسا.

ــ «ثلاث، واثنتان، وخمس! ما هذا؟!».

نظر إلى الطالبات أمامه كن جميعهن هذه المرة مستترات الشعر، وبعضهن الوجه أيضًا! بعينيه أحصاهن بلمحة بصر، أخطأ، أعاد عدهن وهو يصوب إجابتهن فى إحدى الكراسات.

ــ «عشر، عشر طالبات، لا يبدو تغيب إحداهن، وإن كن قد اختلفن عما كن عليه، الحمد لله، إنهن عشر، عشر طالبات، المهم الجثث لا الشخوص، ولا الأشكال، أو الأزياء».

كمن قبل يده فى سره، ثم ردد:

ــ «لك الشكر والحمد حتى ترضى، اللهم لك الشكر على ما أنعمت عليَّ به من خير كثير».

بدا وجهه متوردًا، هدأ قلبه بعد أن كان متسارعًا، ازداد تركيزه فى تصويب إجابتهن، ثم أفاق على صدمة متسائلًا:

ــ «ما هذا؟! إذا كن مكتملات فلماذا تركن المقعدين عن اليمين وعن اليسار فارغين؟!».

انشغل فى إتمام التصويب، فأهم ما يحافظ عليه طلاب الثانوية العامة هو متابعة المعلم للواجبات.

ــ «لن أسألهن عن سبب ترك هذين المقعدين خاليين وتزاحمهما بهذا الشكل أمامى وعلى جانبى المنضدة».

بدأ يشرح وقد استرد أنفاسه، بدأن فى الأسئلة، كان يجيب ويكمل الشرح، يكملن الأجوبة عبر ضجيج التنافس بينهن لإثبات الذات، وكن يتهامسن مع بعضهن قليلًا فى أثناء التوقف أو بعد الانتهاء من حل جماعة منهن للمسألة قبل أخريات، أو على حين غفلة منه.

ــ فاهمين؟

ــ الحمد لله.

ــ إنها بسيطة.

ــ سهلة.

ــ كويس، يارب الامتحانات تيجى بسرعة، خلينا نمتحن ونخلص.

ــ مستعجلة على إيه؟ أنا وأنت أقلهن استيعابًا للمناهج، وأقلهن مستوى دراسى، نحتاج فترات أطول للمذاكرة.

ــ خلينى أسيب البلد دى وأسافر أعيش وأكمل تعليمى برَّه.

ــ هو أبوكى لسه مسافر برَّه؟ ولسه متجوز الأمريكية العجوز؟

ــ اقتربت مهمتها من الانتهاء وس...

ــ لماذا قالت زميلتى فى المدرسة أنها صعبة؟!

ــ جاءت فى امتحان العام الماضى.

اندمجن فى شرح الدرس، وحل الأسئلة والمسائل، الأمور كانت تسير بشكلها المعتاد، ولا يدرى لماذا تركن المقعدين عن يمينه وعن يساره فارغين.

ــ «من المستحيل أن أسألهن؛ فإحداهن ابنة زميلتى معلمة الفلسفة، تلك التى لا أتقاضى منها أجرًا مقابل الدرس، برغم أنى لا أعرفها، فمدرستنا كبيرة، وغالبًا لانجالس السيدات، لكنَّا اعتدنا أن نجامل بعضنا البعض. وقد أسأل فتكون الإجابة محرجة مثلًا، هذه المعلمة تجالس فى المكتبة عددًا كبيرًا من المعلمات والطالبات، ولها تأثير قوى عليهن حسب سماعى، تأثير قائد، يقال إنها لا تقبل الخطأ أبدًا، وطنية جدًّا، تكره الغرب وتناصب اليهود العداء.لالا لن أسأل».

ــ حلوا المسألة فى الكتاب الخارجى صفحة 123.

ــ «عليَّ أن أتذكر من منهن كانت تجلس إلى جوارى فى المرة الماضية، أنا غير متذكر على الإطلاق، كما أن أشكالهن قد اختلفت كثيرًا».

ــ الإجابة: المساحة 20سم مربع.

ــ صح.

ــ وأنا طلعتها كده.

ــ تأخرتِ فى استخراج النتيجة، أتمنى ألا يلاحظ الأستاذ ذلك، أخشى أن يبلغ والدتك. أمك تدخل الفصل تشرح الدين بدلًا من الفلسفة، لا أدرى لم لا تساعدك على المذاكرة فى البيت؟!

ــ هى لا تختلط بالمعلمين، ولا تتحدث معهم، هى تعتمد على سهولة التعليم الذى سنحصل عليه عندما ننتقل للعيش فى الخارج.

ــ أستغرب كيف قبل أبوكِ المتدين ذو اللحية ال...

ــ ليس هو فقط، زملاؤه أيضًا يفعلون ذلك أو على الأقل يرسلون أولادهم للحصول على الجنسية.

ــ المساحة بالسنتيمتر المربع، لأن لها بعدين طولا وعرضا. نحل المسألة التى تليها فى نفس الصفحة.

ــ «هذه الحكاية لها أكثر من بعد. على أن أتذكر: هل كانت رائحة ملابسى كريهة لذا نفرت منى الطالبتان عن اليمين وعن الشمال؟».

اليوم هو الاثنين، لديه طاقمان لملابس الخروج، يقسِّم أيام الأسبوع عليهما، يرتدى الأول يوم السبت ويقضى به الأيام الثلاثة، والأخير يرتديه من يوم الثلاثاء لنهاية الأسبوع، هل تكون الملابس قد اتسخت بحيث ظهرت لها رائحة كريهة فى الإثنين من الأسبوع الماضى؟

«هؤلاء المراهقات هن أكثر حساسية منا نحن الكبار، أنوفهن تميز الرائحة الكريهة بصورة أكبر وأسرع».

تشمم صاحبنا خلسة ملابسه من عند الكتفين، اليسار ثم اليمين، بينما الطالبات منهمكات فى حل المسألة، وهن أيضًا يتهامسن فى أثناء الحل، فلديهن القدرة على التفكير فى شيئين فى وقت واحد.

ــ سأحاول أن أحلها بسرعة هذه المرة.

ــ يبدو أن ابنة الأبلة هذه تأخذ درسين فى نفس المادة.

ــ رغم ذلك مستواها متوسط.

ــ أمك زميلة كل المعلمات، وهى لا تكف عن الوعظ فى المكتبة، ربما أرسلتك لمعلم آخر بالإضافة إلى الأستاذ كى تزيد من تحصيلك.

ــ أعجبنى كلامها عندما كنا فى حصة الألعاب بالفناء عن زى المرأة الشرعى وحرمانية ال...

ــ المساحة 10 سنتيمتر مربع.

ــ أقل عن الحالة الماضية.

ــ من التى لم تستطع حلها؟

ــ أنا.

ــ وأنا.

ــ لماذا؟! كنت تحلين بسرعة وبتفوق!

ــ حُسدت يا أستاذ، أصابتها عين من عيون العيال.

ــ إنه يجاملها لأنها ابنة زميلته.

ــ أمها منتقبة وتشرح الدين بفلسفة، تؤمن بالحسد وتعالج بالرقية، ستبخرها عندما تعود للبيت.

ــ هذا هو الحل... هل فهمتِن؟ نحل المسألة التى تليها.

»هل كانت رائحة جوربى نتنة ولم أكن أشتمها؟ ربما إننى أخرجت ريحًا دون قصد، أوووه، لا أتذكر! يقال إن الإنسان لا يشم رائحته النتنة، لو أن ذلك حدث فربما أن كل فتاة فى المدرسة بأسرتها تعلم، يا لمنظرى السيئ».

يخلع المعلم حذاءه قبل دخول المنزل، غالبًا ما يعتقدون أن المنازل طاهرة وتقام فيها الصلوات؛ ولذا يجب عدم دخولها بالأحذية التى تحمل النجاسة من الشارع. تستطيع أن تعرف أن درسًا يعقد فى هذا المنزل من عدد الأحذية التى تقبع كالحيوانات الرابضة أمام باب الشقة، احصِ عدد الأحذية تعرف عدد الطلاب فى الداخل، فقط قم بخصم حذاء المعلم.

ــ المساحة 5سم مربع.

ــ سهلة.

ــ عارفه لو ما كنتيش حلتيها كنت هأقول بكره لأمك.

ــ أجادت أمك حين أعطتنا درس التحرش فى معمل الأحياء، كانت هتتحرش بوشك حينما تعرف أن ابنتها لم تستطع حل المسألة.(ضحك بصوت منخفض)

ــ كلامها مقنع جداً، استفدت منها كثيرًا ونصحت ابنة خالتى تلميذة فى الصف الرابع الاب... بالأمس امتنعت عن لبس جلباب فى البيت؛ لأنه قصير، وإخوتى صبيان فى البيت.

ــ المساحة...

ــ صفر.

فى نهاية العام الدراسى علم المعلم أن زميلته معلمة الفلسفة تغيبت دون سبب واضح، بعد عدة أشهر وفى أثناء جلوسه أمام صفحة الفيسبوك خاصته جاءه طلب للصداقة، دقق النظر، كان اسمًا لفتاة لم يتذكر صاحبته رغم شعوره بمرور هذا الاسم عليه، وعندما فتح الصور لمشاهدتها كانت صورة لفتاة جامعية ببنطالها الجينز وشعرهاالأسود الطويل وبصحبة سيدة متوسطة العمر صُبغ شعرها بالأصفر وهى ترتدى ملابس عصرية قصيرة وشفافة وتحت الصورة كُتب: «أنا ومامى فى زيارة لتمثال الحرية».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق