رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حديث القبيلة

أثار اللقاء الموسع الذى عقده الرئيس عبد الفتاح السيسى مع وفد من رؤساء ومشايخ مختلف القبائل الليبية، نقاشاً حول دور القبيلة فى الدولة الوطنية الحديثة، ويمكن بلورة وجهات النظر المعارضة التى طرحها هذا النقاش فى ثلاث نقاط أساسية:النقطة الأولى هى أن الدولة الوطنية الحديثة تعد هى مركز الانتماء، وبالتالى فمع التسليم بأن مختلف الدول العربية توجد بها انتماءات أولية سواء للقبيلة أو للدين أو للطائفة أو للجماعة العرقية إلا أن هذه الانتماءات الضيقة يجب ألا تنازع الانتماء للدولة نفسها، وبالتالى فإن المطالبة بدور للقبائل فى الأزمة الليبية يتنافى مع منطق الحداثة. النقطة الثانية هى أن تدريب القبائل وتسليحها ينذر بحرب أهلية بين أبناء الشعب الليبى وقد يؤدى إلى استنساخ النموذج الصومالى فى ليبيا. النقطة الثالثة هى أن القبائل التى استقبل الرئيس المصرى ممثليها لاوزن لها فى المجتمع الليبى ولا تملك التأثير على مسار التطورات السياسية فى الأزمة الليبية، وهنا نلاحظ أن القول إن القبائل التى حضر ممثلوها للقاهرة لا وزن لها يتناقض منطقياً مع التحذير من أن تدريبها يمكن أن يتسبب فى اندلاع حرب أهلية، إذ إن المنطق يفترض أنها إذا كانت قبائل هامشية لا قيمة لها فإن عزلها يصبح أمراً سهلًا وغير مكلف، لكن من يدعى أصلاً أن كل الذى يجرى على أرض ليبيا من قلب للأوضاع وليّ للحقائق يمت للمنطق بل وللعقل أصلاً بصلة؟

بداية بالنقطة الخاصة بأنه فى الدولة الوطنية الحديثة يكون الانتماء للدولة، فإن هذا الكلام سليم تماماً إذا كانت الدولة تقوم بوظائفها الاقتصادية والاجتماعية المعروفة وتحقق الأمن وتحتكر فى يدها السلاح، لكن واقع الحال يشهد بأنه فى ظل عجز كثير من الدول العربية عن أداء تلك الوظائف فإن الناس عادة ما يلجأون لجماعاتهم الصغيرة لتلبية احتياجاتهم الأساسية. هذا الوضع يبلغ ذروته فى دولة مثل الصومال حيث لا وجود للدولة أصلاً وحيث مؤسسة القبيلة هى التى تتولى إدارة الحياة اليومية وتقديم الخدمات العامة والفصل فى المنازعات بين الناس. ويأخذ الوضع القبلى شكلاً آخر فى الحالة اليمنية من خلال العلاقة العضوية بين كلٍ من مؤسسة الحكم ومؤسسة القبيلة، وذلك أنه باستثناء فترة حكم إبراهيم الحامدى التى استمرت من 1974 حتى 1977 فإن أياً من الرؤساء المتعاقبين على حكم اليمن لم يدّع السعى إلى التحديث عبر تفكيك الانتماء للقبيلة. فإذا ما انتقلنا لدولة مثل العراق وليبيا سنجد أن عاملاً أساسياً من عوامل إنعاش دور القبيلة فيهما هو التدخل الخارجى الذى قوّض أركان الدولة وفى القلب منها المؤسسة العسكرية. ومن سخرية القدر أن الولايات المتحدة التى حلّت الجيش العراقى فى 2003 اضطرت لتسليح العشائر العراقية لمواجهة تصاعد خطر القاعدة بين عامى 2006 و2008، وعُرفت هذه الظاهرة باسم ظاهرة الصحوات، فكأن الولايات المتحدة التى بررت احتلالها العراق بإقامة نموذج ديمقراطى حديث انتهت إلى الاعتماد على التكوينات العشائرية والقبلية. وماقيل على العراق بعد 2003 يصدق على ليبيا بعد تدخل حلف شمال الأطلنطى فى 2011 لإسقاط حكم القذافى.

أنتقل إلى النقطة الخاصة بأن تسليح القبائل يهدد بإشعال حرب أهلية ليبية وهو أغرب نقد يمكن توجيهه فى هذا السياق. وذلك لأن العالم كله يتفرج على الطائرات التركية وهى تنقل إلى طرابلس مرتزقة من سوريا ينتمون لعديد من الجنسيات عربية وغير عربية، كما يتابع العالم تصريحات المسئولين الأتراك عن التفكير فى نقل مرتزقة من الصومال لدعم حكومة السراج بتنسيق مع قطر، أو مرتزقة من إخوان اليمن للمشاركة فى الهجوم على سرت والجفرة، وهذا كله لا يتسبب فى إشعال حرب أهلية ليبية، أما أن تصطف القبائل الليبية وراء الجيش الوطنى كما سبق أن اصطفت وراءه لتطهير بنى غازى ودرنة من الجماعات الإرهابية، هذا الاصطفاف وحده هو الذى يُخشَى أن يقود إلى الاحتراب الأهلى، يا سبحان الله! إن من تخوفوا من أن تصبح ليبيا مثل الصومال لم يصدقوا إلا فى شىء واحد هو أن القاسم المشترك بين الحالتين هو الدور التركى ، فالصومال مرتع للنفوذ التركى بكل صوره وأيضا غرب ليبيا.

آتى للنقطة الخاصة بأن القبائل الليبية التى جاءت إلى القاهرة واجتمعت مع الرئيس السيسى لا تمثل إلا نفسها، وهذا أمر عجيب آخر فمن من باب أولى أن نسأل تركيا عمن تمثلهم فى ليبيا اللهم إلا إذا أخذنا على محمل الجد كلام أردوغان عن أن الأتراك يدافعون عن أحفاد عمر المختار(الذين حاربوا الأتراك أصلاً وهزموهم) أو كررنا الجملة المخادعة عن أن الأتراك يمثلون الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا ، لكن القاعدة المعروفة هى: قل لى ماذا تزهو به أقول لك ماذا ينقصك, وما أكثر ما يزهو السراج بشرعيته. إن مائتين من أبناء القبائل من مختلف أنحاء ليبيا الذين استضافتهم مصر قبل أيام هم جزء لا يتجزأ من التكوين الاجتماعى للشعب الليبى ولهم امتداداتهم خارج ليبيا فى عدد من دول جوارها وعلى رأسها مصر.

فى اللحظة التى تتخلص فيها الدولة الليبية من القوى المتآمرة على ثرواتها وتنزع سلاح الميليشيات المأجورة ضدها فإنها سوف تتمكن من بناء مؤسساتها الوطنية وفرض سيادتها على كامل أراضيها ، ومن يرجع إلى مواقف القيادة السياسية المصرية من كل الصراعات الدائرة فى المنطقة العربية سيجد أنها تركز على دعم الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التى هى عامود الاستقرار وحامية الوطن. تلك هى بداية التحديث وأولى خطواته التى تضمن أن يكون الانتماء الأسمى للدولة، أما التصايح للدفاع عن الحداثة والسلم الأهلى بينما الأرض الليبية محتلة والإرادة الوطنية مسلوبة والطرف الآخر فى الصراع يوظف الدين فى السياسة فإن هذا هو عين ما يصدق فيه القول: كلمة حق يراد بها باطل.


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: