رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قوانين جديدة للصباح

محمد صفوت

بدأ الأمر فى شتاء ما بعيد،أتذكر أننى كنتُ ارتدى سـُترة جلدية،فيما أخذتْ السماء ترتجل دُفعات غير مـُننظمة من المطر بمجرد أن خرجتْ رأسى من مدخل العمارة،لم يمنع هذا من أن أشترى علبة سجائر كعادة صباحية من كشك على ناصية الشارع،كنتُ متعجلا، لدرجة أننى نسيتُ الباقى،أعادنى صوت البائع،أشار لى بجنيه معدنى فى يده،خطفتُ منه الجنيه،وأعدتُ النظر إلى ساعتى،السابعة والربع،طابور الصباح فى السابعة والنصف،سأذهب متأخرا على موعد الطابور بخمس دقائق،وستبخ مديرة المدرسة فى أذنى قصيدة الصباح عن ضرورة الالتزام بموعد الطابور،وستُخرج لى مديرة شئون العاملين دفتر التأخير،انزلقتْ منى علبة السجائر،وتبلل غلافها،أخرجتُ منديلا ورقيا،دعكتٌ به علبة السجائر وأنا أواصل المشى ناظرا إلى ما تفعله يدى،كدتُ اصطدم بمن يسير فى الاتجاه المقابل،عيناى وقعتْ على بوت من الجلد بكعب عال، بألية غيرتً اتجاهى لليمين،لكن صاحبة البوت الجلدى اتخذتْ نفس القرار،وبألية عدلتُ اتجاه خطواتى لليسار،فوجدتها فعلتْ نفس الشيء،رفعتُ نظرى لأعلى مـُعتذرا،أطلتْ على بابتسامة رقيقة كأنها مسروقة من بهجة صباح جميل،أشرتُ بيدى إلى الاتجاه الذى سأسلكه تفاديا لاصطدام مـُحتمل،فأشارتْ بيدها لنفس الاتجاه،تعالتْ دهشتنا،فخرجتْ منى ابتسامة صغيرة،أستطيع التأكيد بأن هذه الابتسامة الصغيرة خرجتْ دون إرادتى،أُضطررتُ أن أُفسح لها الطريق،فمرتْ بجانبى بخطوات سريعة نشطة،أصطاد أنفى عطرا رقيقا غير مألوف،استمعتُ إلى قصيدة الصباح من المديرة ووقعتُ فى دفتر التأخير،وعدتُ المديرة أننى سأكون غدا فى موعدى قبل الطابور،فى الصباح التالى استيقظتُ متأخرا عن موعدى ربع ساعة كاملا، هذا معناه أن أستغنى عن فنجان القهوة كطقس صباحى مقدس،أشربه مع سيجارة وأنا أصفف رأسى أمام المرآة، لكننى فضلتُ عدم التخلى عن طقسى،بغض النظر عما سيحدث،اشتريتُ سجائرى الصباحية المـُعتادة،ثم أكملتُ سيرى، فوجدتها مرة أخرى فى طريقى،التقتْ عيوننا فى صمت،على وجهها نفس اِبتِسامتها السابقة،مرت بجانبى،بعد أن تركتْ بأنفى رائحة عطرها المُذهلة،لا أستطيع التأكيد إن كانتْ ابتسامتى قد خانتنى هذه المرة وقفزتْ على فمى أم قد جمحتها جدية الصباح،ساعتى تـُشير إلى السابعة والربع،سأصل متأخرا لليوم الثانى على التوالى،لم يحدث هذا من قبل طوال فترة عملى، أسرعتُ الخـُطا،فى الطريق كنتُ أفكر هل هذه الرائحة الرقيقة المـُنعشة هى رائحة عطر ما خلاب،أم هى رائحة أصيلة تنبع من جسدها؟

كان الطابور قد تحرك،فاستمعتُ إلى قصيدة المديرة ووقعتُ فى دفتر التأخير،كررتُ وعدى السابق،ممهورا هذه المرة بقسم صريح أنها المرة الأخيرة،فى الصباح الثالث،استيقظتُ على مغص شديد مصحوبا بإمساك،كلفنى ذلك بعض الوقت فى الحمام،كما استدعى أن أغلى كوبا من النعناع بالإضافة لفنجان القهوة،كنتُ فى قمة الغضب والخجل من نفسى،السابعة والربع،سأصل متأخرا عن موعدى للمرة الثالثة على التوالى،سأحتفظ بكأس الإهمال للأبد،سأضُطر للتنازل عن كأس المعلم المثالى لزميل آخر أكثر التزاما،انتبهتُ على وقع خطوها السريع،فى نفس المكان والموعد،بنفس الابتسامة المـُعتادة،التى تؤطر شفتيها، وبالرائحة العذبة التى بتُ متأكدا من أنها إفراز خاص لجسدها،دون أن يكون لدى أى دليل على ذلك.

هذه المرة صدحتْ المديرة بقصيدتها بصوت نحاسى مـُجلجل،ظل صداه يتردد فى الفناء والطرقات لفترة طويلة،كما أضافتْ لها بيتا جديدا،تهدد فيه بإحالتى للشئون القانونية، فى المساء قررتُ أن أنام مبكرا،لأصحو مبكرا،تأكدتُ من ضبط المنبه،وضعتُ رأسى على الوسادة،تذكرتُ فتاتى الصباحية،استعدتُ ملامحها الرقيقة،وتلك الابتسامة التى تصاحبها كل صباح،قليلون هؤلاء الذين يمتلكون القدرة على الابتسام صباحا،أنا أعتبر الابتسامة على الريق مجانية وغير مـُلائمة لجدية الصباح،وخلال عشر سنوات من العمل،أقطع طريقى بخطوات سريعة ووجه جاد وصارم،لكن ابتسامتها هى عذبة، فطرية،كأنها مخلوقة بها،مثل وحمة،وحمة على هيئة ابتسامة،فى الغد سأكون محروما من هذه الابتسامة،ومن رائحتها الخاصة،لأننى كى أصل قبل موعد الطابور،يجب أن اجتاز فى السابعة تقريبا نقطة لقائنا المـُعتادة،أى قبل ربع ساعة كاملة من موعد بزوغها الدقيق كما حدث طيلة الأيام السابقة،جفانى النوم،تقلبتُ،وضعتُ الوسادة فوق رأسى،عشر سنوات كاملة من الصباحات الجدية،من الالتزام التام،والتوقيع فى دفتر الحضور دون لحظة تأخير واحدة،سجل عملى نظيف تماما من أى جزاءات،ومن أى ابتسامة متهورة،لكنها عشر سنوات أيضا خالية من صباحات مـُعطرة بابتسامة كتلك،ومن رائحة كهذه،بماذا سأقامر،كلا الخيارين مر،عدتُ أفكر ماذا لو لم تبزغ صباحا عند السابعة والربع؟

ربما الأمر تكرر طيلة الأيام السابقة كصدفة مؤقتة،حسمتُ أمرى، قمتُ بتأخير ساعة المنبه عدة دقائق،فى الصباح كنتُ قلقا وأنا أشترى علبة السجائر،نظرتُ فى ساعتى ثم اتخذتُ طريقى،فهلتْ إشراقتها فى الموعد،هذه المرة قفزتْ على فمى ابتسامة واسعة،نعم أستطيع تأكيد ذلك،كنتُ مـُنتشيا لدرجة أننى لم اقف أمام المديرة وهى تـُلقى قصيدتها،لم أشغل بالى عندما تسلمتُ خطاب تحويلى للشئون القانونية، سأحكى للمـُحقق الأمر بكل صراحة،سأقول له بماذا تُقامر لو كنت مكاني؟،سيتعاطف معى بكل تأكيد،سيشفع لى تاريخى الوظيفى المُشرف.

ظل الأمر يتكرر يوميا فى السابعة والربع،وفى نفس المكان،أصبحتْ ابتسامتها ورائحتها جزءا من طقوس يومى،صارتْ ابتسامتى عريضة وأكثر اتساعا،صرنا وجهين متآلفين، كانتْ عينى تـُلقى عليها تحية الصباح،فتردها بنظرة صامتة خجولة، حفظتُ ملابسها تماما،لدرجة أننى كنتُ أراهن نفسى،هذا اليوم سترتدى القميص الكاروهات،هذا الصباح ستأتى بالبلوزة الزرقاء المـُنقطة بنقط بيضاء صغيرة،اليوم جيب،وغدا بنطال،كنتُ أكسب الرهان دائما،وهو ما أضاف لى متعة جديدة،أطلقتُ عليها اسم صباح،رغم عدم تحمسى لهذا الاسم إلا أنه كان متناغما مع إشراقتها، كنتُ أسأل نفسى بمرور الأيام،هل تدرك صباح وجودي؟ هل أطلقت عليَ اسما؟،صـُبحى مثلا،أتشاركنى هذا التواطؤ الصامت بيننا؟

لم تكن لدى إجابة شافية عن هذه الأسئلة،وهو ما فتح الباب لأسئلة أخرى أكثر تعقيدا،هل صباح هذه لها وجود واقعى فعلا،لماذا لا تكون شيئا افتراضيا من صـُنع خيالى؟

كيف يمكن لصُدفة أن تستمر فى الحدوث كل صباح طيلة ثلاثة أشهر كاملة فى نفس الموعد والمكان؟

قررتُ متعمدا التأخر بضع دقائق عن موعدنا،مجرد تغيير لشروط الصدفة،كانتْ السابعة والثـُلث عندما رأيتها قادمة بإشراقتها،هل يـُعقل أنها كانتْ تختبر الأمرمثلى، تأخرتْ عمدا كما تأخرتُ؟

كررتُ الاختبار فى الصباح التالى،كانتْ السابعة تماما،وصباح تمرق بجانبى،من العجيب هذا التوافق،أو قل هذا التواطؤ بيننا،حتى فى الصباح الذى أصابتنى فيه حـُمى طارئة شديدة منعتنى من النزول،وقفتُ قبل السابعة والربع فى شرفتى التى ترى ناصية الشارع والتى ستقطعها صباح حتما فى طريقها،لكنها وحتى السابعة والنصف لم تمر،أتكون هى الأخرى قد أصابتها حـُمى منعتها من النزول؟ فى الصباح التالى للحـُمى تبادلنا بجانب الابتسامات نظرات تـُعبرعن الوحشة،مع بعض الاعتذار عن الغياب،وتأكيدات متبادلة على عدم حدوث ذلك مـُستقبلا، فى مرات عديدة قررتُ أن أقف وأتكلم مع صباح،أسألها عن عملها،عن انضباطها فى مواعيدها،عما إذا كانتْ مندهشة مثلى من هذه الصدف الغريبة بيننا،كنتُ أتراجع فى اللحظة الأخيرة،خوفا من أن يفـُسد ذلك الأمر،أن تـُغير موعدها أو طريقها، كنتُ أفضل الاستمرار فى التمتع بتلك الطقوس الصباحية الجديدة، واستمر الأمر،ينتهى الشتاء،يأتى الربيع،تتخفف صباح من ملابسها،فى الصيف ترتدى قمصانا خفيفة،أو تيشرتات نصف كم،وكالعادة أراهن نفسى على ما سترتديه وأكسب الرهان،ملابسها الجديدة كنتُ أضعها ضمن قائمة خياراتى التى سأراهن عليها،ابتسامتى الصباحية تتمدد كل يوم،حتى أننى كنتُ أفكر بأنها ذات يوم ستتمدد بحجم المدينة كلها،المديرة استسلمتْ للوضع القائم،قالتْ تعبيرا مجازيا بإنها قد وضعتْ يدها فى الشق منى،لكننى كنتُ أمثل بانتظام أمام المـُحققين، بمرور الوقت أصبح كل المـُحققين فى الشئون القانونية أصدقاء لى،يقابلوننى بابتسامة،نتبادل الأخبار، ثم يستكملون أوراق التحقيق بهدوء وصمت،من غير س،ج،ظهرتْ شُعيرات بيضاء كثيرة فى رأسى، نبتْ لى كرش مـُعتبر،أصبحتْ صباح أكثر امتلاءً،تمشى ببطء مع انحناءة واضحة،تغيرتْ أشياء كثيرة من حولنا،تهدم كشك السجائر وحل محله كشك كهرباء كبير،تعرفتُ على أصدقاء جـُدد فى الشئون القانونية،ووضعتْ مديرات مـُتتاليات أصابعهن فى الشق منى،لكننا حافظنا أنا وصباح على هذا التواطؤ الصامت بيننا،كما حافظتْ ابتسامتى على تمددها اللانهائى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق