رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نفس عميق من الهواء النقى ـ 4

ومن عيون الشعر ما قاله بيرم عن العيون، فى قصيدة نُشِرت منذ مائة عام تقريباً بصحيفة مجهولة الآن كان اسمها «الشباب»، فى عددها الثالث والستين، بتاريخ الأحد 3 أبريل 1922 . وينبئنا ذلك التاريخ أن بيرم حين كتبها كان فى شبابه، لكنها تعكس نضجاً كبيراً فى شاعريتها وحِرفيتها. القصيدة تحمل اسم «العيون»، وتقدم بانوراما لكل ما يمكن أن تقوله أو تخفيه نظرات العين:

»من العيون يا سلام سلِّم/ شوف واتعلم/ تحت البراقع تتكلم/ والدنيا نهار/ عيون تقول لك قصدك إيه/ بتبحلق ليه؟/ ما لكش شُغل تعِسّ عليه/ يا راجل يا حمار؟!/ وعيون تقول لك أنا عارفاك/ والنبى ما انساك/ من يوم ماشفتك م الشباك/ يا جدع يا صغار«.. منذ السطور الأولى تتضح لنا معالم كلاسيكية بيرم وزجليته، فهو يبدأ كعادته برباعية بمنزلة مقدمة منطقية تطرح الموضوع ثم يفصّله فى الرباعيات التالية، مستخدماً البحر الزجليّ الأشهر الذى أسسه أُدَباتية ذلك الفن، وأقصد بـ «البحر» النمط الإيقاعى للقصيدة، وأضيف على ذلك تسلسل القوافي. كما أن لغة القصيدة هى لغة الحديث اليومي، بما أنها كلها عيون تتكلم، «تحت البراقع» كما يقول بيرم فى رباعية المقدمة. ويستمر ذلك الحديث خلال القصيدة، كل زوج من العيون يُفرِد له بيرم رباعية أو نصف رباعية، كما سنري: وعيون تقول لك روح يا رزيل/ يا بو دم تقيل/ يا بايّ! كُبّة فى المخاليل/ ياما هُمّه كتار/ وعيون تقول لك أنا حبّيت/ ياللاّ بْنا البيت/ وعيون تقول انشالله ما جيت/ أنا رايحة الزار/ وعيون تقول لك إمشى يا واد/ أنا أم ولاد/ وعيون تقول لك عندى معاد/ ويّا السمسار/.. وعيون تحقّق فيها بشوق/ تهرب على فوق/ بتقول لك ابعد عنى بذوق/ نظراتك نار!.

وفى النصف الثانى من القصيدة يخفت كلام العيون، ويعلو صوت الشاعر نفسه فى توصيفِه لأنواع أخرى من العيون: يمنعها الوقار والجد من أن تكلم الناس فى الطرقات؛ أو هى بطبيعتها غارقة فى عوالم خاصة بها؛ أو كريهة بحيث ينفر منها الشاعر فلا يستغرق فيها، كما تحكى السطور الأخيرة للقصيدة: وعيون ما تعرف زعلانة/ أو فرحانة/ صباح مِسا أهِى سهتانة/ صاحبة أفكار/ وعيون لها ضحكة ف وشك/ بس تغشّك/ وتبصّ من تحت اليشمك/ تلقى المنقار/ وعيون كده يبقُم ساهتين/ صُفر وباهتين/ بالشكل دا عيون الخاينين/ تضرب بِصَفار/ وعيون تبُصّ وتتسفلق/ واقفة شلقلق/ وعيون تبرّق وتبحلق/ عايزين مسمار!.

فى هذه القصيدة اللوحة، التى لم نستبعد منها إلا القليل من الأبعاد والتفاصيل، يُبدع بيرم فى تصوير تنويعات النفس البشرية، التى تُطِل هنا من شق صغير فوق الأنف، خلف البرقع الذى كان فى مطلع العشرينيات من القرن الماضي، أى منذ مائة عام تقريباً، مازال يغطى معظم وجوه نساء مصر، خاصة الشعبيات منهن. من ذلك الشق الضيق، استطاع الشاعر الرسّام بالكلمات أن يُطِل وأن يصوّر ويلخّص ببراعة، وبخفة ظله المعتادة, نساء مجتمعه وعصره, بلغة تلغرافية لا يقدر عليها إلا قدير؛ بل وعيون الناس فى كل عصر ومكان، جامعاً بين شكل الزجل ولغته، وبين رحابة الشعر وعُمقه، كما يليق بزجّال تفوق شاعريته الكثيرين ممن جايلوه وتلوه أو سبقوه من الشعراء، وخرج من معطفه أو جلبابه شعر العامية المصرية بكل عمالقته وموهوبيه.

ومازال لدينا الكثير مما يُقال عن عباقرة الأدب والفن، فى الشعر والرواية والقصة، المصرية وغير المصرية، الذين خلفوا تراثاً هو بمنزلة الهواء النقى الشافى عند كل اختناق.. نتنفسه بعمق فتطيب نفوسنا, ولو إلى حين.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: