رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثورة يوليو والافتتان العاطفى!

التطور.. النهضة.. الإصلاح.. الصحوة.. إعادة البناء.. العدالة.. الحرية.. الأمل المشرق.. مقولات لم تنتعش كما انتعشت مع ثورة يوليو عام 1952، والتى تحل ذكراها فى هذا الشهر، ليتجدد الحلم بتحقيق أهدافها النبيلة، واللافت أن عامها الثامن والستين ومازالت تلك الأهداف حلما فى الخيال، لم يجد طريقا ممهدا ليتشكل فى أرض الواقع، رغم كم الدراسات والمقالات التى تناولت الثورة سلبيا وإيجابيا، إلا أن الجميع اتفق على أن أهدافها لم تكتمل على أرض الواقع!.

ولكن هذه الثورة الرومانسية استطاعت أن تخلق حالة اجتماعية من الزهو الوطنى وكذلك القومى العربي، لم تخف حتى الآن، وكنت أتمنى أن أعى مرحلة الستينيات التى تشكل ذروة وعى الرومانسى الحالم بالمكانة وتحقيق الذات، وبعضهم لم يستطع الخروج منها حتى الآن، رغم ما جرى من مياه غزيرة تحت الجسور، إلا أن حالة الافتتان العاطفى من الروعة والجمال بحيث من الصعب أن يفرط فيها الإنسان، وهو كتلة من المشاعر والأحاسيس القادرة على تغييب العقل!.

حالة الافتتان العاطفى بقائد الثورة التاريخى (جمال عبدالناصر) وطموحه الوطنى والقومى امتدت إلى كل العلاقات الاجتماعية، ونزع الناس إلى العيش بكامل قواهم الشعورية والعقلية فى علاقاتهم، فى الحب والزواج ومع الأبناء والأقارب والجيران، حالة من الافتتان المرغوب للعيش فى رغد العواطف الفياضة، وأشعار الحب الرومانسى المحلقة فى فضاءات الشعور اللا متناه، إلا أن الأحاسيس المطلقة تخلق توقعات زائفة لفيضان الشعور، سببت كثيرا من المآسى من خيبات الأمل، التى تضمها جدران المنازل المغلقة على أحزانها، إلا أن أحزان ثورة يوليو كتب عنها مجلدات من النقد وأيضا من التبرير، فالأحداث التاريخية لا يمكن سترها، فكلفة الافتتان العاطفى على مستوى الفرد لا تقارن على مستوى الوطن والأمم، فهناك ضحايا دفعوا ثمن الافتتان من دمائهم! نشوة الافتتان بالأشخاص والأفكار والطموحات لا تعادلها أى لذة مادية، ولكنها عندما ترتبط بمصائر الشعوب قد تصبح كارثية وهل هناك إحباط مثل هزيمة (67) التى نعانى جرائرها حتى الآن؟!.

أعتقد أن هذه الثورة المجيدة التى حققت الكثير من الإنجازات التنموية على أرض الواقع، يشهد عليها السد العالى أكبر المشروعات النهضوية فى العصر الحديث، إلا أنها فوق هذا نجحت فى عملية التحول الاجتماعى بسرعة مذهلة، بأن جعلت التنافس التعليمى هو السبيل للترقى الاجتماعي، بعيدا عن المكانة الاجتماعية الموروثة بلا جهد أو تعب، ومن دواعى السخرية أن العديد من المستفيدين من إجراءات الثورة فى توزيع الأراضى أو مجانية التعليم وضمان التوظيف... إلخ من الرعاية الاجتماعية التى وفرتها هم من يتهجمون عليها بلا وعى أو ضمير! وغيرهم ممن يدعون الحكمة بأثر رجعي، فيجب ألا تخضع الثورة لتقييمهم العاطفى المضاد، ويجب أن تقيم فى إطار سياقها التاريخى وطنيا ودوليا، فلم يكن الزعيم الخالد (جمال) خارج هذا السياق، بل هو نتاج لحالة اجتماعية تتطلع لما سبق أن أشرنا من التطور والنهضة والإصلاح والعدالة والحرية.. ولم يفرح به المصريون فقط بل امتد الافتتان للعالم العربى كله، فى شوق للزعيم الضرورة والبطل الأسطورة.. فليس هو من فتنهم بل هم من فتنوه، بالحب الجارف خارج قوانين العقل، وتحدى هو القوى الدولية المتحكمة مثلما تحدى مستوى وطبيعة القدرات الذاتية اقتصاديا واجتماعيا من أجلهم، فالناس يستحقون قادتهم! فى كل الأحوال!.

مبضع التحليل العلمى التاريخى هو القادر على فهم فلسفة كل فترة تاريخية، وتمييز السلبيات عن الإيجابيات، وأعتقد أن هذه الفترة القصيرة من عمر الثورة شهدت جدليات تاريخية من الصراع بين الأفكار للوصول إلى صيغة اجتماعية مناسبة، تحقق أكبر قدر من المصلحة الوطنية، وفق أهداف الثورة، مع وضع طبيعة البناءات الاجتماعية فى الاعتبار، فليس هناك نظام واحد ينفع لكل المجتمعات، فطبيعة بناء المعرفة تختلف من شعب لآخر، بل تختلف بين قطاعات نفس الشعب، فهناك قطاعات اتكالية غيبية، وأخرى عقلانية واقعية، وبالتالى يجب وضع نماذج افتراضية علمية لبناء واقع اجتماعى يسمح بانتخاب الكفاءات لتتصدر المشهد الاجتماعي، لتقود الواقع نحو التقدم التراكمى المدروس، ويحمد لقائد ثورة (يوليو) اهتمامه البالغ بالثقافة والتعليم والفنون لتطوير البيئة الاجتماعية وفق فلسفة العصر الاشتراكى مثلما حاول سلفه (محمد علي) تطويرها باتباع (سان سيمون) الاشتراكيين فى زمنه، إلا أن عهد النظريات الأيديولوجية قد ولي، فكل الأفكار والنظريات الاجتماعية صادقة وكاذبة فى الوقت نفسه، ويحكمها الصراع الجدلى التاريخى للتقدم نحو الحرية الحقيقية، التى وضعت كل الفلسفات لتحقيقها والاستفادة من الإسهامات الفلسفية واجب وطني، لإعادة بناء وطن صالح للعيش فيه بكرامة وفق حقائق الواقع الاجتماعي، ليستفيد من الرأسمالية والاشتراكية على السواء، فهى اجتهادات عقلانية لعقول مستنيرة، تحتاج لتناول موضوعى عقلانى يستفيد منها، بتطبيق يتناسب مع المصلحة العامة التى يقودها العلم لا الافتتان العاطفى الجميل والكاذب!. والذى لا يصلح لإقامة علاقة زوجية فكيف الحال لعلاقة اجتماعية على مستوى الوطن أو الأمة!.


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: