رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نَفَس عميق من الهواء النقى(3)

مازلنا نبحث فى تراثنا الشعرى والأدبىّ عن دُرَر تمنحنا نَفَس الهواء النقىّ فى زمن الاختناق المسمَّى كورونا. وقد توقفنا فى المقالة السابقة عند بعض أشعار بيرم العظيم فى منفاه الباريسىّ، الذى نُفِى إليه لأسباب سياسية، ولولا أنه كان نصف تونسىّ، وبالتالى يُعد من رعايا فرنسا فى زمن الحماية والامتيازات الأجنبية، لما اكتفى ولى الأمر آنذاك بالنفى، ولحُرم تاريخ الأدب من لسان بيرم الحار الحراق، الذى يستطيع أحياناً، وفى المواقف التى تتطلب ذلك فنياً، أن يكون عذباً شجياً. ومن أكثر النماذج التى تتمتع بذلك الشجن وتلك العذوبة فى شعره كله، وإن لم يسلم الأمر من سُباب ولكن كله حُب، قصيدته فى عشق بنت البلد، إذ يقول بيرم فى محبوبته التى تلخص نساء الحى الشعبى الذى نبعت منه عبقريته الشعرية، بل تلخص مصر التى تدَلَّه بيرم فى حبها عمره كله:

«أحب بنت البلد والحب بهدلنى/ ومن بروج الأدب والفن نزلنى/ أحب عوجة، لئيمة، أشتكى لله/ من غُلبى منها، وتشكى غُلبها منى!« وبعد هذه المقدمة التى يبوح فيها المتيّم بحبه لامرأة لا تخلو من العيوب، لكنّ فتنتها التى لا تقاوَم تجُبُّ كل عيب ونقص، يواصل المبدع قصيدة الحب النادرة العجيبة هذه، والتى لا يقدر عليها إلا شاعر بتفرُّد بيرم وخفة ظله، فيعدد عيوب محبوبته بدلاً من مزاياها ومفاتنها!» ولكننا فى كل مرة نخرج بأسباب فتنتها و سر تدلُّه الشاعر بها:

«»جاهلة.. إذا اتفرّجت فى جنينة الحيوان/ تقول على النمر قطة والوعول خرفان/

وتقول على البِنك سيما والبلوز فستان/ لكن يصيبنى البَكَم لما تجادلنى»!

فذكاؤها المفحم يطغى على أنها لم تتعلم فى المدارس، وكذلك سحر عيونها القتّال يتجاور - فى جيرة لن تجدها إلا فى معية قلم بيرم الساخر الساحر - مع خشيتها الكوميدية من صغار المخلوقات:

»جبانة.. تصرخ من النملة بعزم الصوت/ والبُرْص.. يطلع عليها عزرائيل الموت/ لكن يفوت رمش عينها من فؤادى فوت/ إن كنت ميّت قتيل، هو اللى قاتلنى!«

ثم يرسم بيرم لنا تلك اللوحة الشعبية التى ربما رآها منا رأى العين فى شوارعنا وحوارينا من يتجاوز عمره الآن الستين، وإن كانت أقدم من ذلك بكثير، ولكن من كان فى مثل عمرى لمحها بالتـأكيد قُبيْل أن تنقرض :

راكبة على الكارُّو تتسامر مع الحمّار/ والشمس فوق جسمها تشعل وتقدح نار/ ولما يوم ينتظرها ابن الذوات بباكار/ تقوله له روّح على امك وابقى قابلنى!.

وكما بدأ بيرم قصيدته برباعية يعدّد فيها عيوب محبوبته ومقدار ما يقاسيه فى حبها الذى غلبه على أمره، فإنه ينهيها برباعية يعترف فيها بسر هذه الفتنة، وما تتمتع به المرأة المصرية بنت البلد من »خفة« تغلب بها نساء الأرض:

أحب بنت البلد من فرط خِفّتها/ هوليود على بِدْعَها ما تجيبش عصْبِتها/ ولا بنات لُندُرَه تتلَفّ لفّتها/ آدى اللى جاب لى البلا.. آدى اللى هابلنى.!

إن شعر بيرم كنز لا يفنى، وإبداع هذا الإسكندرانى يضاهى بحر الإسكندرية، ويُنتج من الأكسجين المضمخ باليود وعطور الزبَد ما يفتح عروق الرئتين ويشفى- ولو مؤقتا من خنقة الزمان وزنقة المكان، ويمنحنا مسافة آمنة للتنفس الهادئ العميق, وهكذا يفعل كل فن عظيم.. وللحديث بقية إن مد الله فى عمرنا وأبقانا.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: