رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحرب.. أو النصر بلا حرب

تكتيك الغموض معروف فى المفاوضات. قد يكون مقبولًا أحيانًا، لكنه قد يشكل خطورة فى كثير من الأحيان. بالضبط، كما هو معروف أن الدول القوية تعتمد فى التفاوض على التحدث بلين والتصرف بخشونة، بعكس ما تفعله الدول الضعيفة، التى تتحدث بخشونة وتدرك جيدًا أنها لن تتحمل عواقب أى تصرف خشن!.

وسط هيمنة الغموض، المتعمد من الجانب الإثيوبي، بشأن ملء خزان سد النهضة، لا تزال جهود التفاوض المصرية والسودانية مستمرة، وستستمر، حتى يتم التوصل إلى اتفاق عادل، بغض النظر عن الرعونة الواضحة، أو ما يمكن وصفه بالتهويش، أو سياسة التهديد الفارغ، التى لا تأخذها استراتيجيات دفاع الدول القوية، على محمل الجد، لكنها تستلزم بعض الإجراءات، كالرد الإعلامى المباشر. وهذا هو ما فعلته الخارجية المصرية، ـ مساء الأربعاء ـ، حين طلبت إيضاحًا رسميًا عاجلاً من الجانب الإثيوبي، بشأن مدى صحة ما تم تداوله عن بدء ملء خزان السد، مع تأكيدها أنها تواصل متابعة تطورات ما يتم إثارته فى وسائل الإعلام حول هذا الموضوع. الطلب المصرى جاء فور تداول وسائل إعلام دولية تصريحات لوزير المياه الإثيوبى بشأن بدء أديس أبابا ملء الخزان، نشرتها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية الرسمية فى حسابها على فيسبوك، قبل أن يتم تعديل هذه التدوينة أربع مرات، متبوعة باعتذار عما وصفته الهيئة بأنه سوء تفسير للتصريحات، التى نفاها لاحقًا الوزير الإثيوبي!. التهويش أو التلويح ببدء ملء خزان السد، دون اتفاق، بدأ منذ فترة طويلة، نسبيًا، ومن المتوقع أن يستمر. ومع أننا استعدنا عافيتنا العسكرية، السياسية والاقتصادية، إلا أننا، قطعًا، لا نريد الحرب، ولن نسعى إليها إلا مضطرين، وبعد استنفاد كل الخيارات الأخرى. وما فعلناه، ونفعله، فى ليبيا، مثلًا، هو أننا واجهنا، سياسيًا ودبلوماسيًا، محاولات تخريب الدولة الشقيقة، بالتنسيق مع شعبها وجيشها الوطني. وحاولنا، وما زلنا، مع الدول الشقيقة والصديقة، ومع كل القوى الدولية والإقليمية الفاعلة أن نردع الداعمين للإرهاب، قبل أن نضطر إلى التلويح بالحل العسكري، حفاظًا على أمننا القومي، الذى هو جزء لا يتجزأ من أمن ليبيا واستقرارها. الحرب، هى خيارنا، لو لم يتحقق النصر بغيرها. وعنوان المقال، استلفناه من عنوان كتاب للرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون: 1999 نصر بلا حرب، الذى أكد فيه أن بلاده يمكنها أن تنتصر على أى دولة، فى أى وقت، وتحت أى ظرف، دون أن تدخل حربًا فعلية، بوسيلتين: إطلاق حملة إعلامية مكثفة لتشويه سمعة هذه الدولة، وتأليب الرأى العام المحلى والدولى ضدها، بهدف هزيمتها نفسيًا من الداخل. وكان الشرط الثانى هو حشد أكبر قدر ممكن من القوة العسكرية، لإيهام العدو بأن الحرب واقعة لا محالة، وأن انتصاره فيها أمر مستحيل. وبالتالي، لا يكون أمامه إلا الاستسلام، والانصياع لكافة المطالب، والشروط، والإملاءات. هذا الكتاب ترجمه المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع الأسبق، فور صدوره، سنة 1988. وفى مقدمته أوضح أنه ليس استشرافًا لمستقبل العلاقات الدولية ودور الولايات المتحدة فيه فقط، ولكنه مليء بالعلامات الإرشادية، التى كان أبرزها، فى رأينا، هى حديث نيكسون عن العقلية التفاوضية الأمريكية، التى ترى أن تصادم المصالح ليس قابلًا للحل، وأن التفاوض بشأنه يكون فقط لكبح الجماح الخصم. بينما يكون التفاوض واجبًا فى الأمور التى تكون فيها المصالح متحركة فى اتجاهات متوازية. وكانت النصيحة الأهم، أو العلامة الإرشادية الأبرز، هى ضرورة أن يقدم المفاوض عرضًا لا يرغب الطرف الآخر فى قبوله، لكن لا يمكنه رفضه. المفاوضات، هى فن المناورة السياسية، ونجاحها أو عدمه يرتبط بقدرة المفاوض على دمج جميع الإمكانيات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والدعائية، وأيضًا قدرات العمل السري. ومن غير المفيد، كما يوضح نيكسون، أن يضع المفاوض إستراتيجية عظيمة، دون تكتيكات جيدة والعكس أيضًا صحيح. كما أشار إلى أن التفاوض يجب أن يرد على ثلاثة أسئلة: ما الذى نريده؟، ما الذى يمكننا التنازل عنه فى مقابل الحصول على ما نريد؟، وما الذى يجب عمله لممارسة ضغط سياسى وإتمام الصفقة التى نريدها مقابل الثمن الذى نرغب فى دفعه؟ مجال العمل الدبلوماسى الحقيقى يكون، عادة، بعيدًا عن الميكروفونات والكاميرات ونجاح التفاوض يستند على الربط بين القضية محل التفاوض وقضية أخرى مطلوب حلها. وعلى المفاوض أن يستخدم أسلوب تطويق الآخر، وأن يعرف أن القوة والتأثير الاقتصادى ورقة تفاوض رابحة. وأن يصر على المساومة والاستمرار فى المساومة، لأن حسابات المصالح تكون، دائمًا، فوق وقبل أى رغبات أو حسابات سياسية بقليل من التركيز، ستدرك أن مصر تعى ذلك جيدًا، وتطوعه فى جبهاتها المفتوحة على النحو الذى سيحملنا، قطعًا، إلى بر الأمان، الوطني، القومى والإقليمي. أما ما قد ينقصنا، فهو إدراك أن بناء القوى الناعمة، خلال التحديات الوطنية الإستراتيجية، الحالية أو المستقبلية، يعادل فعليًا بناء القوة العسكرية، التى باتت قادرة على حسم معاركنا فى كل الجبهات، لو كُتب علينا القتال، الذى هو كُرهٌ لنا، وسيظل كذلك، مع ثقتنا الكاملة والمطلقة فى تحقيق النصر.


لمزيد من مقالات ماجد حبتة

رابط دائم: