رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تشريح سريع لثقافة القبح المعمارى

أحد مظاهر الحنين لمصر الحديثة لدي بعض الفئات الوسطي المدينية التي لا يزال بعضها لديه بعض التكوين الثقافي، يتمثل في الإقبال علي صور المدينة الكوزموبولتيانية في القاهرة والإسكندرية وبعض مدن المحافظات، خاصة طرزها المعمارية الأوروبية، والإسلامية، والتخطيط المعماري للطرق، وأنظمة الزي لدي الرجال والنساء، ونظافة الطرق العامة، والشوارع، وشكل رجال الضبط، وبعض من جماليات نمط الحياة الحديث، في المقاهي علي النمط الفرنسي، وبعض من الأناقة في الملبس، والسلوك الاجتماعي. هذا النمط من النوستالجيا، يتبدي في استعادة بعض الموسيقي، والأغاني، والسينما ونجومها في أفلام الأبيض وأسود.. إلخ. تحولت حالة الحنين من الصور، ومشاهدة القنوات التلفازية، إلي الواقع الأفتراضي ووسائط التواصل الاجتماعي. بعض الحنين ينطوي علي اختزالات واستبعاد لإنماط الحياة الأخري في الأرياف والأحياء الشعبية والمدن، وغياب للسياقات التاريخية والاجتماعية، ومظاهر الاختلال في النظامين الاجتماعي والسياسي. بعض اسباب هذه الحالة التدهور الحضاري والتعليمي والثقافي منذ هزيمة يونيو 1967، وترييف المدن والهجرة إليها، وامتداد الظاهرة إلي الدولة وأجهزتها وترهلها . أحد أبرز دوافع هذا الحنين إلي المدينة وثقافتها ونمط حياتها الحديث، يعود إلي حالة التدهور الشديد لعمران المدن وعشوائية التخطيط لها، وامتداد القبح الجمالي للأبنية، وفوضي المرور، واضطراب الحياة اليومية، وغياب السلوك المديني الجمعي وترييفه، في العلاقة مع الفضاء العام وفراغاته المحاصرة بالكتل الأسمنتية المشوهة والتي تفتقر إلي القواعد الهندسية وشروط البناء القانونية والهندسية، وانتشار ظاهرة البناء دون ترخيص وامتدادها إلي مختلف المدن والقري في محافظات مصر المختلفة. العمارة هي أحد تعبيرات روح الأمة أو الجماعة، وثقافاتها ومكوناتها، ومستويات الحس الجمالي الجمعي في كل مرحلة تاريخية، وتعكس الموروث المعماري وتقاليده ومدي تطوره. إن نظرة تحليلية لتدهور الأنسجة المعمارية للمدن، في أمة لديها تاريخ معماري عظيم، يثير الأسي العميق ! ويعود ذلك إلي عديد الأسباب التي نذكر بعضها فيما يلي:

ــ امتداد ظاهرة الترييف للمدن منذ ما بعد الحربين الأولي والثانية، ثم اتساع قاعدة التعليم لأبناء القطاعات الوسطي الصغيرة و الشعبية وهو امر محمود ، والهجرة من الريف إلي حواف المدن، في ظل نقص الوحدات السكنية، أو سعي بعضهم للعمل في المصانع، أو العمل اليومي، ومن ثم السكني خارج نطاق المدن وحواشيها، في ظل اكتظاظ الأحياء الشعبية بالسكان، والتمدد العشوائي للسكن من غير تراخيص، وذلك لتزايد الطلب الاجتماعي علي السكن من رقيقي الحال والفئات الوسطي الصغيرة والوسطي- الوسطي، وهو ما أدي إلي بروز ظاهرة خلو الرجل التي لم تفلح المعالجات الإدارية في كبح جماحها.

ــ البناء دون تراخيص، ودون مراعاة الشروط الهندسية والمعمارية والقانونية والادارية، والارتفاعات دون ترخيص، في ظل شيوع ظاهرة الفساد داخل بعض أجهزة المحليات التي تحولت منذ عهدي السادات ومبارك إلي دولة للفساد داخل الدولة، وأدت إلي إضعاف جهاز الدولة الإداري، والمساس بهيبتها، والأخطر الاستهانة بقوانينها والتحايل عليها، علي نحو أدي ضمن اسباب أخري، إلي تهميشها، وتجاوزها من خلال فتاوي بعض من البيروقراطية ــ المرتشية، ــ ونصحها للمسئولين الكبار بضرورة المصالحات ودفع المخالفين غرامات للخزينة العامة، وهو ما اشاع ظاهرة البناء دون ترخيص في غالب المحافظات، ثم التصالح رغم أن بعضهم قام بالبناء علي أراضي الدولة بالسطو عليها والتواطؤ مع بعض البيروقراطية الفاسدة .

ــ غياب وفوضي التخطيط العمراني للمدن، باستثناء بعض من المدن الجديدة، علي نحو أدي إلي الانفجار العشوائي للكتل الأسمنتية، دون مراعاة للفراغات العامة، وبين المساكن بعضها البعضً، أو لعدد الأدوار وتناسق الأطوال، ناهيك عن سيطرة العمارة الوظيفية التي سادت علي نحو بالغ الرداءة، غير أبهة بسمات الشخصية المعمارية والجمالية للأحياء والمدن، وتحولت إلي ما سبق أن اطلقنا عليه وعلي ما حدث في بعض الساحل الشمالي إلي «مقلب نفايات معماري».

ــ هيمنة عقلية بعض المقاولين علي عقلية المعماري الفنان المثقف، أدت إلي تراجع الفكر والابداعات المعمارية والأستثناءات المبدعة محدودة .

الأسباب السابقة حولت المدن الحديثة إلي جحيم عمراني، أو مدن جحيمية، وأشاعت الضوضاء، وغياب المساحات الخضراء، والفراغات، وأماكن الاسترخاء و الترفيه، وضاع الحق في الخصوصية، والهدوء. من هنا نثمن كثيرا القرار السياسي بوقف البناء، ونتمني أن يصاحبه تغيير في القانون يغلظ العقوبات، ونري الردع العام شاملًا لكل المواطنين في سواسية وبلا تمييز .


لمزيد من مقالات نبيل عبد الفتاح

رابط دائم: