رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معجزة إلهية
أخلاق القوات المسلحة المصرية

سبق الجيش المصرى جيوش العالم أجمع بتاريخه المشرف وانتصاراته الخالدة فى وضع القواعد الأخلاقية للجيوش ورسم أطر الأعراف والتقاليد العسكرية فى حالة السلم وحالة الحرب منذ القدم، فهو جيش رشيد يحمى ولا يغدر، يدافع ولا يعتدي، حاز المفاخر وسطَّر الأمجاد فى مختلف ساحات القتال عبر العصور بشرف وأمانة.

وهى صورة مشرفة تعكس الأبعاد الحضارية المكتملة لدى المصريين، التى تولى الأخلاق والقيم أولوية خاصة باعتبار أنها محل تمايز شخصية الشعوب والأمم؛ حيث استقرار الأخلاق الحسنة والقيم الصالحة فى ضمير أفرادها ومجتمعاتها من أجل ضبط إطار حركة الحياة الإنسانية بما يحقق مصلحة الوطن فى العاجل والآجل، فغاية الأديان الدعوة إلى التخلى عن كل خُلُق قبيح، والتحلى بكل خُلُق صحيح.

نعم، إن هذه السمات الراقية يشهد لها تاريخ الجيش المصرى منذ تكوينه من قديم الزمن الذى لم يكن يومًا طامعًا فى أراضى الغير ومكتسباته، أو جائرًا على حقوقه، أو مُجْهِزًا عليه فى فترات ضعفه ومراحل وهنه، إنما كانت سيرته حفظ الحقوق ودعما للعدل وإعلاء محددات الأمن القومى للبلاد.

لقد عكس هذا الجيش العظيم الأبعاد الحضارية المكتملة لدى المصريين؛ فى حيازة قصب السبق فى وضع المعايير لأخلاق الجندية والقيم الجيدة الضابطة للعلاقات فى حالة السلم والحرب على السواء منذ مرحلة مبكرة، ومن أبرز الدلائل على ذلك: الوثيقة المنقوشة على جدران مقابر قدماء المصريين، وهى وثيقة خالدة شاهدة على عمق الجندية المصرية فى ترسيخ منظومة القيم والأخلاق بصورة واقعية وبطريقة سبقت المواثيق الدولية: ابتداء من تكوين الوحدات والمجموعات القتالية التى كان يراعى فيها الاستقامة وحسن الأخلاق للقادة والضباط والجنود على السواء، ومرورًا بتخصيص طرق حربية خاصة بتحركات الجيش للمحافظة على حياة المدنيين وسكينتهم، وانتهاء بحالة الحرب التى انطلق فيها من السماحة والسلم فلم يتم فى واحدة منها اعتداء محض، بل الأصل فى حركاته هو ضبط النفس وعدم تخويف الآخرين وإدخال الذعر عليهم.

فهو جيش قوى فى حربه كما هو قوى فى سلمه، يقدر كرامة الإنسان ويعلى شأن الأوطان، ويهتم بترسيخ أخلاقيات الجندية الصادقة من القوة وحسن النظام والترابط والاحتراف والصرامة فى طاعة الأوامر والتوجيهات وملاحقة التطور فى التسليح والتدريب والإعداد، مع إكرام أفراده والاهتمام بأمورهم وشئونهم المعنوية وتوفير المؤن والاستعدادات اللوجستية اللازمة لهؤلاء الأبطال من طعام وشراب ودواء وكسوة، ومن ثمَّ تأكد واقعًا أنه «خير أجناد الأرض». ويشهد لهذه المعانى عدة أحاديث وآثار نبوية ثابتة، فضلا عن الواقع والتاريخ، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إِنَّكُمْ سَتَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ، جُعْدٌ رُءُوسُهُمْ، فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَبَلاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللهِ« يعني: قبط مصر (مسند أبى يعلي)، وما روته أم سلَمة رضى الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته، فقال: «اللهَ اللهَ فِى قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِى سَبِيلِ اللهِ»(المعجم الكبير للطبراني).

وهذا التاريخ المشرِّف وتلك المنقبة النبوية الجليلة يمثلان شهادة خالدة على أن الجيش المصرى سيظل برجاله وقادته رمزَ الأخلاق للجندية القويمة، ومبدعَ القيم والتقاليد والأعراف العسكرية الراقية، فهو جيش رشيد يكمن سر قوته فى تحضر عقيدته وسلوكياته فى الحرب وفى السلام. وهذا نسق عام لا تخطئه العيون فى جميع أفراد هذا الجيش ومختلف قادته على حد السواء.

وعلى ذكر ذلك فقد ودعنا خلال الأيام القليلة الماضية فارسا نبيلا وقائدا عبقريًّا من خيرة أبناء قواتنا المسلحة الذى اجتمعت فيه أخلاقيات الجندية الراقية والقيم العسكرية الراقية، مع إخلاص كامل للوطن وإعلاء لمصلحته فوق كل اعتبار وتفان فى خدمة مصرنا الحبيبة، إنه الصديق الفريق محمد العصار وزير الإنتاج الحربى رحمه الله تعالي، الذى كان مثالًا لسمات الجندية المصرية.

خالص العزاء لمصر ولقواتنا المسلحة وأسرته ومحبيه، ونسأل الله تعالى أن يتقبله فى الصالحين والشهداء وأن يلهمنا وأهله الصبر والسلوان.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: