رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

توفلر وعالم ما بعد أزمة كورونا

تذكرت ونحن نقرأ عشرات الدراسات والتحليلات عن مستقبل العالم بعد وباء فيروس كورونا، الاسهام الفكرى الرصين للمؤلف الأمريكى آلفين توفلر الذى هز الأوساط العلمية والثقافية بثلاثيته الشهيرة: صدمة المستقبل 1970، والموجة الثالثة 1980، وتحول القوة 1990. فقد مثلت هذه الكتب نقلة أساسية ومهمة فى التفكير بشأن المستقبل والتخطيط له والتعامل معه. كان توفلر أحد أهم مُفكرى المُستقبليات وعلوم المُستقبل فى القرن العشرين. فنجدُ فى كتاباته مزيجًا مُبدعًا من المعرفة بالتاريخ الاجتماعى والاقتصادى والسياسي، ومُتابعة دقيقة للتطورات العلمية فى مجالات شتى كالهندسة والطب والعلوم والاقتصاد والإدارة، واستشراف خلاق لآفاق تلك التطورات وتأثيراتها فى حياة الأفراد والمُجتمعات مُستقبلًا. كتب توفلر أن العالم يتحول من المجتمع الصناعى إلى المجتمع ما بعد الصناعى وقوامه المعلومات والمعرفة والذكاء البشري. وتضمنت مؤلفاته العديد من التنبؤات التى تحققت على أرض الواقع مع بداية القرن الحادى والعشرين، ومنها إشاراته إلى عصر المعلوماتية، والحاسبات الشخصية، واقتصاد المعرفة، والتكنولوجيا الرقمية، والروبوتات، والتقنيات الحيوية، والطاقة المتجددة، وبحوث الفضاء والاتصال والالكترونيات الدقيقة.ومنها أيضًا، تنبؤ توفلر بأن التقدم التكنولوجى سوف يُمكنُ البشر من التواصُلِ عن بُعد وتبادل الرسائل بينهم. وهى كلها تصورات تحققت وأصبحت على رأس قائمة جدول أعمال الدول ومراكز البحوث والصناعة. ولهذا، ذاعت شهرة توفلر وأفكاره. لقد توفى الرجل في27 يونيو 2016، ولكن منهجه فى التحليل وأفكاره الثاقبة تظل مناسبة لفهم التحولات التى تتسارع من حولنا. فماذا يقول الرجل؟ يقول إن التغيُر هو الحقيقة الرئيسية فى الحياة، والذى يُصيب كُل مجالات الحياة، وتمتد تأثيراته إلى حياة الأفراد والجماعات والمؤسسات.وأن مُفردات هذا التغير تتلاحق بوتيرة مُتسارعة لم تشهدها البشرية من قبل، وهو ما وصفه توفلر بتعبير الوصول المبكر للمُستقبل.وأن العالم القديم الذى تعود عليه الكثير منا يتهاوى وتنهار أركانه تحت وطأة مُبتكرات التكنولوجيا المُعاصرة وخصوصًا فى مجال تقنيات المعلومات والتواصل الإنساني.

ويقول إن هذه التغيرات العميقة والسريعة واللاخطية تُمثلُ صدمة المُستقبل للأفراد والمُجتمعات والدول الذين لم يكونوا مُستعدين لاستقباله، فبدا وكأن المُستقبل أخذهم على غِرة. وتؤدى هذه التغيُرات إلى ما سماه توفلر بالتحميل النفسى الزائد على الأفراد، مما يخلقُ مُشكلة تكيف بينهم وبين العالم الذى يتغير من حولهم. وأشار إلى النتائج النفسية والاجتماعية السلبية لعدم التكيُف مثل: انتشار مُعدلات الجريمة والانحرافات الاجتماعية، واهتزاز قيم الأُسرة والتضامن العائلي، والعُزلة الاجتماعية. ودعا توفلر المجتمعات والدول إلى تطوير قدرة مؤسساتها وأفرادها على التكيف، لان الأوضاع الجديدة تطرح أسئلة وتحديات جديدة لم يكن الكثير يتصور إمكانية حدوثها، وهو ما يتطلب سياسات اجتماعية، وأساليب وطرق انتاج، وصناعات وحرف وخدمات جديدة.ووصل من ذلك إلى نتيجة مُهمة وهى أن القيمة العُليا فى ثقافة المُجتمعات المعاصرة ينبغى أن تكون هى قُدرات التجديد والابتكار والتكيف مع التغيير وإدارته.

أدرك توفلرأن توفير هذه القُدرات ليس أمرًا يسيرا. فأشار إلى أهمية إعداد الإنسان لهذه التغيرات ودور أدوات التنشئة الاجتماعية والسياسية ونظم التربية فى تحقيق ذلك. ألح أيضًا على ضرورة تنمية قدرات التفكير النقدى والفكر الإبداعى وإطلاق طاقات الخيال لدى النشء والشباب، وأهمية التعلم المستمر أو التعلم مدى الحياة. ويقول إن قدرات الأفراد والمؤسسات ونظم الحكم على التكيُف مع الأوضاع الجديدة ترتهن بمدى انخراطهم فى الموجة الثالثة للحضارة الإنسانية وهى الحضارة الرقمية. ووصف توفلر المُجتمعات التى تُحقق ذلك باسم مُجتمعات الموجة الثالثة، والتى تتسم باعتمادها على المعلومات والمعرفة. ومن ثَم، فإنها تقوم على مصدر متجدد ولا نهائى وهو عقل الإنسان. فخلافًا للموجة الأولى (الزراعة)، والموجة الثانية (الصناعة)،اللتين اعتمدتا على مصادر ناضبة للطاقة كالفحم والنفط،فان الموجة الثالثة تعتمد على مورد غير ناضب وهو التدفق اللامتناهى واللامحدود للمعرفة والأفكار. وأنه سوف يكون من شأن ذلك تغيير نظم الحكم وأساليب الإدارة بحيث تتجه أكثر إلى اللامركزية وتحول العلاقات فى داخل المؤسسات من الهرمية وتركيز السلطة فى المستويات العليا إلى الشبكية وإعطاء حرية أكبر للوحدات فى المبادرة واتخاذ القراروازدياد التفاعل بينها. ويقول توفلر إن مصادر القوة سوف تتغير فى ظل مُجتمعات الموجة الثالثة والحضارة الرقمية. وحسب قوله، فإن المصادر التقليدية للقوة كالمال والأسلحة سوف تتراجع ليحل محلها المعلومات والمعرفة باعتبارهما أساس التقدم فى القرن الحادى والعشرين. وأثبتت التطورات صحة هذا الرأي، فأصبحت الأفكار المبتكرة وريادة الأعمال هما موتور التقدم الاقتصادى فى مجالات الإنتاج والتوزيع والخدمات، كما أصبح الذكاء الاصطناعى هو عماد نظم التسليح الجديدة.

وأفكار توفلر هذه ليست بعيدة عما نواجه اليوم، فقد خضع العالم فى النصف الأول من عام 2020 لإجراءات احترازية كانت أحيانًا شديدة الوطأة، وابتداء من شهر يونيو بدأت هذه الإجراءات فى التراجع وبعضها انتهى أو أوشك على الانتهاء، وبعضها الآخر سوف يستمر معنا لشهور قادمة بسبب احتمالات عودة انتشار المرض ولعدم الوصول إلى مصل للحماية منه. وكُلها أوضاع قلقة ومُتغيرة. ومن الأرجح، أن بعض الدول والمُجتمعات سوف تشجع استمرار بعض الاجراءات التى فرضتها ظروف الأزمة لما ثبت فيها من منافع كالعمل من المنزل والتعليم عن بُعد، وقد تبتدعُ مُجتمعات أُخرى طُرقًا جديدة للتعليم والإنتاج والصحة.

والمجتمعات الحية سوف تعمل على الاستفادة من تجربة فرض الإجراءات الاستثنائية وتستخلص دروسها وتتكيف مع التغييرات التى أحدثتها، وتستعد للتعامل مع التغييرات القادمة، فالحقيقة الأساسية فى الحياة هى التغير.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: