رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المتن المقدس والمتون البشرية(8)

لا مفر من تجاوز الماضي إلى الحاضر، ومن ثَّم إلى المستقبل. وتجاوز الماضي لا يعني التنكر التام، بل يعني السير قدما إلى الأمام. إن آباءنا لا يريدون منا أن نجلس باكين متفاخرين على شواهد قبورهم، بل يريدون منا صنع مجد جديد. لا يريدون منا أن ننفق من ميراثهم حتى ينفد، بل يريدون منا أن نصنع ميراثا جديدا. ولا تقل لي إن ميراث آبائنا لا ينفد، فإن الذي لا ينفد هو علم الله وكلماته وخلقه المستمر ووحيه المقدس.

إن المركب الكيميائي الجديد في الطبيعة يتجاوز العناصر القديمة لكنه يتضمنها في جوفه وقد تفاعلت مع عناصر أخرى، وعلى الرغم من بقاء العناصر القديمة، فإنها لم تعد كما كانت. إن المركب الكيميائي الجديد مهيمن على عناصره القديمة والجديدة المكون منها، لكنه أصبح له خصائص ووظيفة وفاعلية مختلفة عن عناصره، مثل الماء المكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين ( H2O.). إذن فإن الماء كمركب يتجاوز العناصر المكون منها لكنه لا يلغيها.

ولذا من الخطأ فهم مصطلح (تجاوز التراث) على أنه هدم مطلق، بل هو انتقال إلى مركب أعلى وإلى مرحلة جديدة. وهذا هو أحد أسرار التفاعلات الكيميائية في الطبيعة وفي المعامل، وهو أحد أسرار تقدم العلوم والحضارات. وهو سمة المتون المقدسة عبر التاريخ، فإنها تتجاوز المتون قبلها لكنها لا تلغيها تماما، إنها نفي وإثبات، وهذا هو معنى الهيمنة الوارد في القرآن الكريم، (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة: 4]. وهذا هو المعنى الاصطلاحي الجديد للعملية الرئيسية التي يقوم عليها الطريق الثالث بوصفه وسطية ذهبية جديدة بين فرقاء العصر.

إن الوسط الذهبي متغير بتغير العصور، ومتغير بتغير الأطراف المتناقضة. واليوم صار لدينا فرقاء لا يزالون ينفون بعضهم البعض، ولا يزالون يكفرون بعضهم البعض حتى وإن اختلفت الألفاظ التي يستخدمها كل تيار في وصم التيارات الأخرى، وكأن كل منهم يملك الحقيقة المطلقة والصواب الواحد. والذين يلجأون إلى الوسطيات البشرية القديمة لن ينجحوا؛ لأن تلك الوسطيات كانت وسطا بشريا بين نقائض بشرية قديمة، ولا تصلح أن تكون وسطا بين النقائض الجديدة. وهذا هو سر فشل مَن يلجأ إلى متون بشرية قديمة لكي يجد فيها الحل؛ لأنها ببساطة ربما تكون نجحت في الإجابة على إشكاليات وتحديات عصرها، لكنها ولا تُلام على ذلك- لن تنجح في الإجابة على الإشكاليات الجديدة التي نشأت بتغير الزمان وتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

وينصرف كلامي هذا كله إلى المتون البشرية وحدها ولا علاقة له بالمتن المقدس. إن المسلمين خير أمة أخرجت للناس عندما ينجحون في أن يكونوا وسطا بين الناس وشهداء عليهم وعلى عصرهم، أما عندما يكونون في الهوامش والأطراف فليس من حقهم هذه الخيرية، فنحن لسنا أبناء الله وأحباءه قدرا مقدورا، بل نحن بشر نصيب ونخطئ، وعندما نصيب في إدراك الوسط الذهبي والعمل به تقدما وعلما وإنسانية وعدالة، ونكون حكما بين الناس وشهداء عليهم، هنا فقط نستحق هذه الخيرية. إن الخيرية مشروطة بالعودة إلى إعمال المتن المقدس في نقائه الأول ومقاصده الكلية في تحقيق الرحمة للعالمين، والإنصاف، والعقلانية، والتقدم.

والوصول إلى الوسط الذهبي لعصرنا لن يحدث بدون تجاوز الوسطيات البشرية القديمة التي صلحت لعصرها لكنها لن تصلح لعصرنا، فلا يوجد متن بشري يصلح لكل العصور. ولذا يجب فحص المتون البشرية القديمة وتجاوزها نحو صنع متون بشرية جديدة تجيب على إشكاليات العصر.

إذن فما المقصود طبقا للمعنى الاصطلاحي الذي نقصده لمفهوم (تجاوز التراث)؟ يمكن أن يوضح هذا تحليلنا لكلمتين في الألمانية والعربية، وهما كلمة (Aufhebung) في الألمانية، وكلمة (نسخ) في العربية.

إن الكلمة الألمانية (الرفع Aufhebung) مصطلح من أهم المصطلحات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتشير إلى معنى (النفي والإثبات) في وقت واحد، والملفت أن كلمة نسخ في اللغة العربية تحمل معنيين مختلفين، تعني مرة النسخ بمعنى النفي والإلغاء، وتعني مرة أخرى النسخ بمعنى الإثبات والنقل والإبقاء.ومصطلح (التجاوز) هو بالمعنى نفسه الجامع بين الضدين في الكلمة الألمانية والكلمة العربية؛ إنه تجاوز للقديم من أجل الارتقاء به نحو مركب جديد يزيل ويبني معا، ويلغي ويحتفظ في وقت واحد. وهذه الوظيفة المزدوجة تميز عملية النجاح في تجاوز أي صراع؛ فهي تلغي الاختلاف والتناقض السابقين وتحتفظ بهما في وقت واحد لكن في شكل جديد. وهذا يحدث في تطور الإنسان، فهو عندما يغادر مرحلة الطفولة إلى مرحلة الصبا ثم إلى مرحلة الشباب، فإن كل مرحلة جديدة تجاوز القديمة لكنها لا تنفيها تماما؛ فالطفل الذي تجاوزناه إلى مراحل جديدة يبقى بداخلنا حتى الشيخوخة، لكن تتفاعل فيه العناصر الجديدة مع القديمة، وعندما تتراكم التفاعلات تراكما كميا وتصل إلى درجة التفاعل التام، يحدث التحول الكيفي إلى مرحلة جديدة.

إذن (التجاوز) نفي وإبقاء في الوقت نفسه، لكنه إبقاء من نوع جديد أكثر نضجا وتطورا. هو نفي للمرحلة السابقة، لأنك في الحالات الطبيعية المعتادة لا تظل تتصرف بالطريقة نفسها، ولا تحكم على الأمور بالطريقة نفسها، وتتغير رؤيتك للعالم ومنهجية التعامل معه. وهو إثبات لأن عناصر التكوين في المرحلة الأولى تظل تلعب دورا لكن بطريقة جديدة، حيث تتفاعل العناصر القديمة مع العناصر الجديدة في مركب أعلى جديد، على نحو يشبه المركب الجديد في التفاعلات الكيميائية.

إننا لم نحل حتى الآن التناقضات الموجودة في التراث، ولا يزال الصراع بين عناصره وتياراته مستمرا حتى الآن، ولا تزال هذه الصراعات تسيطر على حياتنا المعاصرة، فروح الانقسام الداخلية لا تزال موجودة نتيجة ميراث الفرق العقائدية والسياسية المتناحرة قديما، ولا نزال نعيش عصر الفتنة الكبرى الحادثة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنهما. وعلى جانب آخر هناك صراع بين القديم بتناقضاته والجديد بتناقضاته، والصراع لا يزال قائما بين الجميع؛ والحل هو الجمع بينهما في مركب جديد على طريقة التفاعلات الكيمائية أو طريقة المراحل في نمو الكائن الحي في علم الأحياء، وليس على طريقة هيجل؛ فمركب هيجل به ثغرات وقصور. وأيضا ليس على شاكلة المركب في المادية الديالكتيكية عند ماركس ولينين بكل مافيها من نقاط ضعف، بل كما أؤكد دائما على شاكلة المركب في التفاعلات الكيميائية التي تجري في الطبيعة أو في المعمل.

إننا بحاجة إلى صنع لحظة جديدة تؤلف وتركب synthesizes بين العناصر المتصارعة the conflicting elements. وهي تتجاوز Aufheben القديم، لكن هذا التجاوز لا يعني الإلغاء المطلق، بل هو تجاوز ينطوي على إلغاء واحتفاظ في الوقت نفسه، هو إلغاء لأنه ينفي العناصر السلبية من ناحية، وينفي التناقض بين العناصر النشطة من ناحية أخرى، وهو احتفاظ لأنه يحفظ العناصر نفسها بعد إعادة بنائها وإعادة توظيفها، وهو نفي وإثبات معا لأنه يؤلف بين العناصر ونقائضها في وحدة أعلى مركبة تتجاوز الصراع نحو طريق ثالث يقوم على روح جمعية جديدة. (راجع كتابنا: المعقول واللامعقول في الأديان، وكتابنا: تطور الأديان).

 


لمزيد من مقالات د. محمد الخشت

رابط دائم: