رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللانظام العالمى الجديد

تحل فى هذه السنة الصعبة الذكرى الـ75 عاما على تأسيس منظمة الأمم المتحدة وتفعيل ميثاقها «24 أكتوبر 1945». وبهذه المناسبة انطلق جدل حول ما آلت إليه، أحوال المنظمة العريقة فقط، وإنما وضعية النظام العالمى ككل...

وفى هذا الإطار، أفردت قبل أسبوعين، دورية الإيكونوميست الأسبوعية ملفا خاصا تحت عنوان: اللانظام العالمى الجديد...وقبل أن نقاربه، نلقى الضوء على مصطلح: اللانظام العالمي...بداية هو تعبير ليس جديدا. وبتتبع مسار هذا المصطلح وجدنا أن كثيرين قد استخدموه فى كتاباتهم، ولعل من أبرزهم الفيلسوف الفرنسى البلغارى الأصل ــ تزفيتان تودوروف «1939 ـ 2017» الذى خصص كتابا حمل هذا العنوان فى مطلع الألفية الحالية انتقد فيها الهيمنة الأمريكية أو الترويج بأن الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى وحيدة ــ بحسب تعبير صموئيل هانتينجتون ــ فى الساحة الدولية يحركها سلوك إمبراطورى تغذيه قوة فائقة تمكنها من تطبيق ما أطلق عليه وزير دفاع بوش الإبن، من 2001 إلى 2006، دونالد رامسفيلد استراتيجية خوض حربين كبريين فى موقعين مختلفين. وبالفعل، تبين عدم القدرة على الاستمرار فى هذه الاستراتيجية. ومن ثم تم الأخذ باستراتيجية تقسيم العالم إلى مناطق حيوية حيث تتولى كل منطقة قوة إقليمية أو أكثر تحت رعاية عن بعد من الولايات المتحدة الأمريكية أو ما عرف باستراتيجية القيادة من الخلف تحت إدارة أوباما. وهوما خلص إليه أستاذ علم السياسة الدولية فى جامعة بريستول ريتشارد ليتيل بأن هناك: صعوبة بالغة على الولايات المتحدة الأمريكية ــ وأى قوة ــ أن تحقق، فى القرن الحادى والعشرين، أى انتصار إلا فى ظل شرعية الإجماع الذى يعكس توازن القوى التوافقي، «راجع كتاب:توازن القوى فى العلاقات الدولية»...وهى الإشكالية التى ظهرت جلية فى أكثر من ملف سياسى تعذر حسمه خاصة مع صعود قوى وسيطة دولية وإقليمية على مستوى العالم...ووصل التراجع الأمريكى إلى الذروة مع ادارة ترامب.

وتزامن مع هذا التراجع الأمريكى أن شهد مطلع العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين تمددا واسع النطاق لما وصفناه بالحركات المواطنية القاعدية: الاحتجاجية، والمطالبية، والخضراء، والراديكالية، والشعبوية، والقومية،...،إلخ، من خارج المؤسسات السياسية التقليدية لتعبر عن غضب شعبي، بدرجات متفاوتة، فى شتى بقاع الأرض دون استثناء... إضافة إلى ما سبق، لابد من الإشارة إلى توافق الكثيرين على إخفاق المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة من تلبية تطلعات الشعوب والدول والمجتمعات المختلفة.

ومن محصلة ما سبق: أولا: الارتباك الأمريكي، وثانيا: تنامى الاحتجاجات المواطنية، وثالثا: الفشل المؤسساتى الدولي، وصل العالم، مع منتصف العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، إلى حالة من الاضطراب الكبير فاقمها فشل النموذج الاقتصادى الذى فرض قسرا منذ 1980. ما أدى إلى أن ينتبه زمرة من المعنيين بأمر الكوكب إلى ما وصلت إليه المنظومة الدولية من أحوال مؤلمة. ما دفع البروفيسور جون مير شايمر أن يصفها فى مجلد عمدة بالتراجيديا؛ قاصدا بها سياسات القوى العظمى. كما دعت البروفيسورمايكل كوكس «مدير مركز أفكار ــ كلية لندن للاقتصاد» أن يلفت نظرنا فى تقديمه للكتاب المعتبر:إعادة النظر فى النظام العالمى الجديد ــ 2016؛ إلى حاجة الإنسانية لتبنى طرائق جديدة فى تدبر أحوال العالم «الكتاب من تأليف أستاذ العلوم السياسية الدنماركى يورجسورنسن وترجمه مطلع هذه السنة فى سلسلة عالم المعرفة الأستاذ أسامة الغزولى».

على هذه الخلفية يمكن أن نتناول ملف الإيكونوميست الهام الذى يبلور الجدل الدائر منذ سنوات حول النظام العالمى الراهن حيث يقاربه منطلقا من الآتي: أولا: حاجة المنظومة الدولية إلى مراجعة تاريخية للسياق العالمى الراهن على مستوى كل من: الدول والمجتمعات. ذلك لأن الأمر يحتاج إلى إعادة النظرعلى جميع الأصعدة: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والبيئية، والصحية. خاصة أن الواقع الذى تشكل فى إطاره المشروع العالمى لدول/مجتمعات المنظومة العالمية منذ 75 عاما قد طالته الكثير من التغيرات فى موازين القوى الدولية. حيث يشهد العالم صعودا لقوى دولية جديدة بالإضافة إلى عدد غير قليل مما يمكن وصفهم بالقوى الدولية الوسيطة. فلم يعد العالم ــ بعد ــ فى زمن الحرب الباردة/النظام ثنائى القطبية، أو ما بعدها: أى زمن الإمبراطورية/القوة العظمى الوحيدة، أو حتى فيما أطلق عليه البعض ــ مؤقتا ــ الحرب الهادئة.

ثانيا: التراجع الأمريكى عن الوفاء بأية التزامات تجاه المعاهدات الدولية التى تخص خير الإنسانية من جهة. ومن جهة أخري، الاضطلاع بالمسئوليات المنوط بها من واقع العضوية فى المؤسسات الدولية. وهو ما تجلى بامتياز مع الإدارة الترامبية التى دفعت إلى الانسحاب من عديد الاتفاقيات الدولية، وعدم الوفاء بالتزاماتها المالية، والتشكيك فى قدرات المؤسسات الدولية المختلفة التى وظفتها على مدى عقود لتحقيق مصالحها الذاتية. وعدم إدراك أن إصلاح المؤسسات الدولية ــ التى طالها: الترهل والبيروقراطية بالفعل ــ لا يكون بالانسحاب منها وإنما بالتضافر الدولى من أجل إعادة هيكلتها وتفعيلها ورفع قدرتها على مواجهة الأعباء الكوكبية المتزايدة بفعل الجائرة الرأسمالية الاحتكارية الممتدة لعقود التى صادرت مشروع السلام العالمي.والتى جاءت الجائحة الفيروسية لتعرى كل سوءاته. وتشير إلى الغياب المريب للتعاون الدولى بين دول المنظومة الدولية وترك كل منها تواجه الجائحة بمفردها وفق ظروف ووضعية كل دولة.

ثالثا: عدم الاعتراف بأن عالما جديدا يصارع من أجل الاعتراف به. ذلك لأن العالم القديم ينازع من أجل البقاء. إضافة إلى تشويشه على أى محاولة لفهم طبيعة وسمات العالم الجديد وخاصة شبابه وجمهوره... وعليه كانت الفوضى.

ونتابع تقديم سيناريوهات المستقبل المحتملة لما بعد فترة اللانظام.


لمزيد من مقالات سمير مرقس

رابط دائم: