رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مزاج الشعوب الذى تغير

اجراء المسوح أو الدراسات الاستقصائية للسكان فى الدول الغربية مسألة معتادة، وتشمل كل جوانب الحياة، من السياسة إلى الموضة، تقوم بها الحكومات، ومراكز الأبحاث، والشركات الخاصة، الكل يريد أن يعرف تغيرات المزاج العام، ماذا يدور فى أذهان الناس، والتحولات التى تطرأ على نظراتهم للأمور. ومن الطبيعى أن تكون تداعيات فيروس كوفيد-19 من الدوافع الأساسية لاجراء دراسات ميدانية لتحديد الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على قطاعات واسعة من الناس، ولاسيما أن الوباء فرض اجراءات احترازية قاسية طالت نحو نصف سكان الكرة الأرضية، على نحو لم تعرفه البشرية منذ عقود.

فى هذا السياق أجرى معهد تونى بلير للتغيير العالمى فى بريطانيا بحثا ميدانيا شمل عينة ممثلة للسكان فى كل من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة، حول التغير فى اتجاهات الناس تجاه أنفسهم والآخرين عقب هذا الوباء العالمي. بعض نتائج الدراسة متوقع، والبعض الآخر يدعو إلى التفكير والتأمل. فقد كشف المسح الميدانى أن الحكومة الالمانية فى نظر مواطنيها هى الأفضل مقارنة بغيرها، وبعضهم اتجه إلى اعتبارها الأفضل على الاطلاق، وهو تقدير كبير، لم تحظ به الحكومة البريطانية إلا بنسبة 35%، ونظيرتها الفرنسية بنسبة 27%. وقد يعود ذلك فى جانب منه إلى الإدارة الجيدة التى اتسمت بها حكومة ميركل لأزمة فيروس كورونا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية. يثبت ذلك أن الثقة العامة فى الحكم لا تتعلق بكونه ديمقراطيا أو سلطويا مثلما روج البعض، ولكن تعود فى الاساس إلى الانجاز.

من ناحية ثانية، فإن غالبية المبحوثين الذين شملهم المسح فى الدول الأربع انتهوا إلى تحميل الصين مسئولية ما حدث من انتشار الوباء فى العالم كله، والآثار السلبية التى نجمت عنه، واعتبروا أداء الحكومة الصينية كان سيئا فى هذا الخصوص، وهى نتيجة غير مستغربة، خاصة فى ضوء الحملات الإعلامية الغربية المكثفة التى وجهت ضد الصين، وحملتها مسئولية ما جري، حتى أن الغالبية العظمى من الناخبين الذين صوتوا لمصلحة ترامب أو هيلارى كلينتون فى الانتخابات الأمريكية 2016 يرون أن الصين قوة سيئة فى العالم، وأن 4% فقط منهم يرون أن الصين تلعب دورا جيدا، ولكن مما يلفت إليه أن هناك تحولات مثيرة فى نظرة سكان هذه الدول، حيث تميل الشرائح العمرية الأصغر إلى تحميل حكومات دولهم المسئولية، دون الاكتفاء بإلقاء ما حدث على شماعة الصين، وهناك نسبة كبيرة من المبحوثين فى بريطانيا وفرنسا والمانيا رأت أن أداء الولايات المتحدة لا يقل سوءا عن أداء الصين. فى بريطانيا- على سبيل المثال- رأى نحو 69% و60% ــ على التوالى أن أداء حكومتى الولايات المتحدة والصين كان سيئا. ويبدو أن عامل السن له تأثير فى اتجاهات السكان، وهو أمر طبيعى ومتوقع، فإن الشرائح السكانية الأكبر سنا، تتميز بنظرتها التقليدية للأمور، وتميل إلى التقييم الايجابى لأداء دولهم مقارنة بالشرائح الأقل عمرا، والتى عادة ما تعتريها اتجاهات نقدية، وتُعتبر من أكثر الفئات التى عانت اجتماعيا واقتصاديا من الاجراءات الاحترازية التى اتبعت لمواجهة فيروس كورونا.

من ناحية ثالثة أثبتت الدراسة أن هناك اتجاهات انعزالية بين سكان الدول الأربع، إذ بالرغم من أن قطاعا منهم لا يزال يرى ضرورة تكثيف التعاون الدولي، والاندماج فى الاقتصاد العالمي، فإن جانبا آخر من السكان يرى أن الانكفاء على الذات ضرورى فى المرحلة القادمة. فى فرنسا ذهب نحو 52% من السكان إلى تفضيل أن تكون بلادهم مستقلة عن الاقتصاد العالمي، وعموما فإن الذين طالبوا بأن تكون دولهم أكثر تعاونا على الصعيد العالمي، هم أيضا الذين طالبوا بأن تكون أكثر اندماجا فى الاقتصاد العالمي. من ناحية رابعة فإن نظرات الناس اختلفت كثيرا تجاه العالم الخارجي. فقد تحولت الصين فى نظر قطاعات واسعة من السكان فى هذه الدول إلى قوة سيئة، نفس الأمر طال الولايات المتحدة التى تواجه شعورا عارما بعدم الثقة فى أدائها على الصعيد العالمي، إلى حد أن 69% من البريطانيين أصبحت لديهم نظرة سيئة عن الولايات المتحدة، وهى نتيجة تبعث على التأمل بالنظر إلى العلاقات الوثيقة ليس فقط بين الحكومتين البريطانية والأمريكية، ولكن- وهذا هو الأهم- كثافة التفاعل بين الشعبين على مدى عقود فى مختلف المجالات. واللافت أن العينة التى شملها البحث لا تزال تنظر بايجابية إلى الاتحاد الأوروبي، حتى وإن كان ذلك بنسب منخفضة، وهى بالطبع نتيجة غير دقيقة فى مجملها نظرا لأن الدول التى لدى مواطنيها مشاعر سلبية تجاه الاتحاد- بالتحديد ايطاليا وإسبانيا- لم تشملها الدراسة. هذه بعض من نتائج بحث استقصائى شمل سكان ثلاث دول أوروبية فضلا عن الولايات المتحدة، وبالطبع هناك العشرات غيره، فلم يفق العالم إلى الآن من صدمة كوفيد-19، ويحاول أن يتبين آثاره، والتى يبدو أنها سوف تستمر لفترة طويلة.


لمزيد من مقالات د. ســامـح فـــوزى

رابط دائم: