رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثقوب الشرعية الموصومة بالتدخل العثمانى فى ليبيا

أحد الأسئلة التى لا يمكن تجاهلها فى مسألة التدخل التركي/العثمانى فى ليبيا العربية هو ما إذا كانت حكومة الوفاق التى استدعت هذا التدخل عن سابق عزم وتصميم تستحق الشرعية التى اكتسبتها بموجب الاتفاق السياسى الليبى المعروف باتفاق الصخيرات؟ هذا سؤال جوهرى لأنه إذا كنا بصدد حكومة شرعية يصبح الاتفاق المبرم بينها وبين تركيا شرعياً وإذا لم تكن شرعية يصبح الاتفاق بدوره غير شرعى ويغدو الوجود العسكرى التركى بمنزلة احتلال لأن من المبادئ القانونية المستقرة فى القانونين الداخلى والدولى أن ما بُنى على باطل فهو باطل. الانطباع العام هو أن حكومة الوفاق حكومة شرعية تحظى باعتراف المجتمع الدولى ولها سفراء معتمدون فى الخارج، لكن بقدر من التدقيق ورد النتائج إلى مقدماتها فى سلامتها أو فسادها يتضح أن هذا محض زعم ينطوى على مغالطة كبيرة ذات شقين قانونى وسياسى. الشق القانونى فى المغالطة يتضح بسؤال حاسم وبسيط هل الشرط اللازم لنشوء شرعية السلطة (سواء كان قبولاً شعبياً مباشراً أو تمثيلياً أو توافقياً) هو شرط ابتداء فقط أم شرط استمرار أيضاً؟

بمنظور قانونى أو حتى فكرى وفلسفى لا يمكن سوى التسليم بأن شرط شرعية السلطة هو شرط ابتداء واستمرار فى آن معاً ينبغى اقترانه الزمنى المتجدّد متى استمرت السلطة قائمة. وإذا احتكمنا إلى بنود اتفاق الصخيرات عام 2015 يتضح زوال شرعية حكومة الوفاق بحكم زوال الأسباب والشروط التى تأسست عليها هذه الشرعية. من هذه الشروط ما كان صريحاً وجليّاً تمثّل فى شرط زمنى يحدّد ولاية حكومة الوفاق بعام واحد فقط من تاريخ حصولها على ثقة مجلس النواب أو بعامين على الأكثر فى حال عدم الانتهاء من إصدار الدستورخلال ولايتها، وفى جميع الأحوال تنتهى ولاية الحكومة مباشرة فور تشكيل السلطة التنفيذية بموجب الدستور الليبى أو انقضاء المدة المحدّدة لها أيهما أقرب. هذا ما نصت عليه حرفياً الفقرة 4 من المادة الأولى من اتفاق الصخيرات. ومن شروط الشرعية التى انتفت أيضاً بانتفاء موجبها عدم حصول حكومة الوفاق على ثقة مجلس النواب الليبى. هذا يعنى إذن أننا أمام حكومة فقدت شرعيتها بنص الوثيقة المنشئة لها، وبحكم المنطق الدستورى والمسلّمات السياسية التى توجب على الحكومة الحصول على موافقة البرلمان عليها.

لمغالطة الزعم بشرعية حكومة الوفاق وجه آخر سياسى يتمثل فى تجاهل شرعية مجلس النواب الليبى المنتخب بإرادة شعبية، والسابق فى وجوده (2014) على ظهور اتفاق الصخيرات وعلى تأسيس حكومة الوفاق نفسها. هذا البرلمان المكوّن من 188 مقعداً (بعد تعذر انتخاب 12 عضواً) لا يضم سوى 23 عضواً فقط ينتمون إلى التيار الإسلامى أحد روافع ومكوّنات حكومة الوفاق فى طرابلس. وإذا أُضيف إلى هذه الحقائق القانونية والميثاقية والمؤسساتية واقع أن جزءاً لا يُستهان به من الشعب الليبى فى تركيبته القبائلية والحضرية ونخبه الجماهيرية لا يؤيد حكومة الوفاق بل تنتمى إلى المشروع الوطنى الليبى (أياً كانت منطلقات ومبررات هذا التأييد) فإن حاصل ذلك وخلاصته أن الشرعية فى ليبيا ليست بالحد الأدنى حكراً على حكومة الوفاق وتنفى عنها بالحد الأقصى كل شرعية.

أما الوجه الثالث والأخطر فى مغالطة القول بشرعية حكومة الوفاق فيتمثل فى إقدامها على إبرام اتفاقية مع الدولة التركية تبدو بالتسمية الشكلية اللغوية (اتفاقية أمنية) لكنها فى الجوهر والمضمون السياسى عملية (استدعاء لقوة احتلال أجنبي) على التراب الوطنى الليبى. مثل هذه الاتفاقية التى تقوّض ما تبقى من شرعية هى بالمنظور القانونى اتفاقية باطلة وبالمنظور الوطنى وصمة عار سياسى كبير. ففى إبرام الاتفاقية مخالفة قانونية جسيمة تصمها بالبطلان الذى يرقى لحد الانعدام لأنه لم يتم المصادقة عليها من البرلمان الليبى فى انتهاك واضح للبند ح من المادة 8 من اتفاق الصخيرات، بل وبالمخالفة للأحكام العامة فى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. وفى الإقدام على إبرام هذه الاتفاقية ما يلامس حد العار السياسى لأن (الخطأ) وارد فى عملية الإقصاء المتبادل من الفرقاء والفصائل فى حالة الخلاف السياسى الداخلى، أما (الخطيئة) التى لا تُغتفر فهى أن يصل الأمر إلى حد استدعاء قوة احتلال أجنبى. هنا لا يمكن بحال اصطناع مقارنة بين مصر وتركيا لأن تركيا كدولة احتلال (أجنبي) لم تدخل ليبيا لتسهم فى حل مشكلة داخلية أو لتحمى حدودها من أخطار محتملة لكن لتقيم قواعد عسكرية، وتنهب الثروات الليبية، ولم تتردد أو تخجل من الزهو والاستعلاء بماضيها العثمانى الاستعمارى، بل صرحت تارةً وألمحت تارةً أخرى بأنها تأتى لتستعيد أملاكاً قديمة وتحمى رعايا الإمبراطورية، وتحيى علم نجومها الست عشرة فى إشارة يُفترض أنها لا تخفى على الإخوة فى حكومة الوفاق. أما مصر فهى حين تبدى قلقها الطبيعى والمشروع بشأن ما يحدث فى ليبيا الشقيقة فهذا يأتى دفاعاً عن مصالحها الأمنية كدولة حدودية، وحماية للأمن القومى العربى الذى يعتبر أمن ليبيا وسيادتها الوطنية جزءاً لا يتجزأ منه. تفعل مصر ذلك وهى صاحبة عقيدة عسكرية وسياسية تأبى عليها أن تعتدى أو تزج بجيشها فى أرض دولة عربية شقيقة. أما تركيا فما زال حيّاً وحاضراً فى الأذهان ما فعلته وتفعله فى سوريا من دمار وخراب واغتصاب لأرض عربية بحجة إقامة مناطق حدودية آمنة، فهل يريد الإخوة فى حكومة الوفاق أن تتكرّر فى ليبيا مأساة سوريا خصوصاً بعد ما كشفه الرئيس الفرنسى ماكرون فى لقائه منذ أيام مع الرئيس التونسى قيس سعيد حين قال إن تركيا نكصت عما تظاهرت به فى البداية من حجم تدخلها العسكرى المحدود فى لبيبا؟

الحقيقة أن مأزق شرعية حكومة الوفاق أصبح مأزقين أولهما التفريط فى السيادة الوطنية الليبية، والثانى تهديد الأمن القومى العربى. وفى الحالتين غاب عن الأشقاء فى طرابلس أن العثمانيين لم يجيّشوا جيوشهم فى ليبيا عمر المختار لحل مشكلة سياسية داخلية، ولا لاعتبارات إنسانية، ولا حتى لإعلاء مشروع إسلامى، هم جاءوا لنهب الثروات، وتحقيق مصالح استراتيجية أنانية ليس لها من الإسلام سوى القميص العثمانى إياه. أتوا لكى يبقوا فى حصون قواعدهم العسكرية التى تُبنى وتُشيّد على قدم وساق. خلاصة القول إنه ليس من حق شرعية مؤقتة فى طرابلس زالت بزوال شروطها أن تصادر شرعيات ووجود الآخرين أو تنكر على مصر واجبها القومى فى تلبية نداء الليبيين أنفسهم وفى القلب منهم أنصار المشروع الوطنى. مصر بذلك لا تضطلع فقط بمكافحة الإرهاب بل تتصدى لمحاولة عثمانية جديدة لاستباحة الأمن القومى العربى والتمدد فى فراغه بعد ما حققت الاستباحة نفسها والتمدد نفسه فى سوريا بفعل التشرذم العربى الذى طالت لياليه واشتدت حلكة ظلمته.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: