رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ليبيا..المرحلة الأصعب

مازالت المعارك فى ليبيا محتدمة رغم كل المحاولات التى بُذلت من أجل التوصل إلى حل سياسى للأزمة التى طال أمدها وتعددت أطرافها المحلية والإقليمية والدولية, بحيث أصبحت نموذجا آخر للصراعات المفتوحة فى المنطقة التى يصعب التنبؤ بنتائجها ومداها الزمني, فمنذ استيلاء حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج وبمساعدة مباشرة من تركيا على قاعدة الوطية الجوية, ما مكنها من توسيع الأراضى التى تسيطر عليها, والأمور تزداد تفاقما ويزداد معها تعنت الحكومة فى الوصول إلى حل وسط مع الجيش الليبى الذى يقوده المشير خليفة حفتر, ويبدو أن بعض المكاسب التى حققتها مؤخرا باتت تغريها بالمضى قدما فى العمليات القتالية لتغيير توازنات القوى السياسية والعسكرية لصالحها فى إطار سعيها الحثيث للاستحواذ التام على السلطة, صحيح أن الحرب الدائرة الآن مازالت بعيدة عن الحسم إلا أن تقدم الوفاق نحو مدينة سرت مثلما هو حادث فى الوقت الراهن, سيشكل منعطفا خطيرا ليس فقط داخليا وإنما على مستوى الإقليم ككل خاصة مصر بحكم حدودها الغربية الطويلة المشتركة مع ليبيا, ولذا تعتبرها خطا أحمر يمس أمنها القومى لن تتوانى فى حمايته والحفاظ عليه, وبالتالى فالمرحلة المقبلة قد تكون هى الأصعب على جميع الأطراف ما لم تكن هناك تسوية سياسية شاملة للصراع.

من ناحيتها, قدمت الدولة المصرية أساسا للحل يفتح آفاقا للمصالحة, متمثلا فى إعلان القاهرة, بحضور كل من حفتر وعقيلة صالح رئيس البرلمان, لإيجاد أرضية توافقية تؤدى إلى نوع من الاستقرار درءاَ لما هو أسوأ مستقبلا, والذى تضمن الالتزام بتوصيات قمة برلين وحظر تصدير السلاح, واستكمال أعمال اللجنة العسكرية (5+5) التى تضم كبار العسكريين من الطرفين المتنازعين, وانتخاب مجلس رئاسى جديد تحت إشراف الأمم المتحدة يكفل تمثيلا عادلا للأقاليم الليبية, إضافة إلى نزع سلاح الميليشيات المسلحة والمقاتلين من المرتزقة وإخراجهم من البلاد.

لكن وعلى الرغم مما لاقته تلك المبادرة من ترحيب دولى وإقليمي, غير أن حكومة الوفاق سارعت برفضها ومعها أنقرة بالطبع, باعتبارها المتحكمة حاليا فى قرارات السراج, والمطلب المعروف هو إقصاء حفتر عن أى تفاوض أو تسوية محتملة, وقد لايكون ذلك هو السبب الوحيد, فالرهان الحقيقى هنا هو على حسم الصراع عسكريا وليس سياسيا فى محاولة لتحقيق نصر نهائى .

إن ترحيب القوى الدولية, وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا, بإعلان القاهرة, لا يُعد كافيا فى ذاته, إذ لا بد من دعم ملموس يضع آلية لتنفيذها على أرض الواقع ويدفع بمختلف الأطراف إلى الجلوس على طاولة المفاوضات ويضغط على الرئيس التركى لتغيير سياساته بعد تدخله السافر فى سير المعارك.

لا جدال فى أن تركيا أصبحت المعضلة الرئيسية التى تقف كحجر عثرة أمام حل الأزمة, فوجودها فى ليبيا يضمن لها مصالحها الاقتصادية ويعوضها عن افتقارها لمصادر الطاقة الحيوية, بل ويجعل منها طرفا فى ترتيبات غاز المتوسط, وهو أيضا جزء من مخططها لإنشاء شبكة عريضة من القواعد العسكرية على امتداد الشرق الأوسط وشمال افريقيا, ضمن مشروعها الإقليمى التوسعي, وتشكيل جبهة مناوئة لمصر والسعودية والإمارات, ناهيك عن تدعيم حكم جماعة الإخوان من خلال حكومة السراج التى تُعتبر واجهة لها, وهو جانب أيديولوجى يصعب إغفاله, وربما يريد أردوغان أن يسير على خطى إيران التى رسخت نفوذها فى كثير من الدول العربية, وقد يطمح فى أن يحل محلها كدولة إقليمية مهيمنة, بعدما تقلصت قوتها بفعل العقوبات الأمريكية الصارمة التى فُرضت عليها.

لهذه الأسباب يُصر على البقاء فى ليبيا ويوظف التناقضات بين الدول الكبرى لخدمة أهدافه, وقد كشفت بعض المقتطفات التى نُشرت أخيرا من كتاب مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق جون بولتون المزمع إصداره قريبا, عن الاتصالات والتنسيق المستمر من وراء الكواليس بين الرئيس ترامب ونظيره التركي, والمعنى المستخلص أن واشنطن غضت الطرف عن كثير من سياساته, رغم الخلافات التى بدت على السطح حول بعض القضايا, بهدف تطويق النفوذ الروسي, على اعتبار أن بلاده فى النهاية هى عضو فى الناتو وستكون تحت السيطرة, ومثال ذلك ما يجرى فى ليبيا حاليا وقبل ذلك فى سوريا, أى أنه يُنفذ لها ما تريده بالوكالة.

فى المقابل, لجأ أردوغان إلى التحالف التكتيكى مع الرئيس الروسى بوتين, بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التى قادها حليفه السابق فتح الله جولن المقيم بالولايات المتحدة, والتى رفضت الإدارة الأمريكية تسليمه, ما خلق فجوة بين الطرفين, لكن الأهم هو سعيه لعقد تفاهمات معه حول الملفات الإقليمية فى المناطق المشتعلة والتى أصبح لموسكو اليد الطولى فيها, أما الأخيرة فقد كان من مصلحتها أيضا اجتذاب هذا الشريك المخالف للغرب لجانبها, رغم تباين وجهات نظرهما حول العديد من المسائل والتى تصل إلى حد التناقض, لكن تغلبت لغة المصالح المتبادلة, وكان الملف السورى هو البداية, رغم وقوف كل منهما مع طرف محلى متنازع ومتقاتل مع الآخر, وبدا ذلك من خلال عملية آستانة ثم الاتفاقيات الثنائية فيما يخص شمال شرق سوريا وبعدها إدلب, والمشهد نفسه يتكرر تقريبا فى ليبيا, فليس خافيا أن روسيا كانت ومازالت تدعم الجيش الليبى بقيادة حفتر بينما تنحاز تركيا لحكومة السراج, كما أن للكرملين موقفا واضحا رافضا للميليشيات المسلحة المنتمية للجماعات الإسلامية المتطرفة التى تعتمد عليها تركيا فى إدارة الصراع الليبي, إلا أن هذا التعارض فى الموقف من الحلفاء لم يمنعهما من البحث عن صيغة ما للتوفيق بين مصالحهما, وكان من المفترض أن يُعقد لقاء بين وزيرى خارجية ودفاع البلدين لهذا الغرض, قيل إنه قد يُسفر عن صفقة, إلا انه تأجل لخلافات تفصيلية, وقد يُستأنف مرة أخرى لسبب جوهرى وهو حرص روسيا على الانفراد بدور الوساطة بين الأطراف المتصارعة, الأمر الذى يقتضى منها فتح قنوات الاتصال مع الأطراف كافة.

إضافة إلى هذه الحسابات السياسية, هناك أيضا تعاون روسى تركى على مستوى العلاقات الثنائية فى مجالات الطاقة والسياحة والتجارة فضلا عن التعاون العسكرى المستحدث على نطاق بيع وشراء السلاح, وكلها عوامل تُرجح استمرار تلك التفاهمات بينهما على قاعدة اقتسام النفوذ والمصالح.

لذا فإن حل الأزمة الليبية سيظل مرهونا بمواجهة التحديات التى فرضها الدور التركي, وتحمل المجتمع الدولى لمسئولياته فى اتخاذ إجراءات فعلية لإجبار الأطراف المتصارعة على وقف العنف.


لمزيد من مقالات د. هالة مصطفى

رابط دائم: