رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محنة الشرطة الأمريكية

عندما لفظ الأمريكى الأسود جورج فلويد أنفاسه الأخيرة تحت وطأة قدمى الشرطى، كانت بمنزلة القشة الأخيرة لعقود من الذل. لقد توالت أحداث عنف الشرطة ضد السود سنوات طوالا، لكن الهجوم الوحشى على فلويد، وأيضا وفاة ريتشارد بروكس بعد 3 أسابيع على يد الشرطة كانت وراء صيحات شجب دوت ضد العنصرية والاضطهاد حول العالم ودامت حتى كتابة هذه السطور.

واليوم تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية دعوة مفعمة بالاستياء الذى يكنِّه الكثيرون للشرطة تطالب المسئولين بعدم تمويل الشرطة. يريد من بادر بهذه الدعوة، بدلا من تمويل الشرطة، استثمار المبالغ الطائلة التى توجه إلى الشرطة والسجون والمحاكم إلى برامج اجتماعية تمنع الجرائم من الحدوث، فى المقام الأول: التعليم والصحة والإسكان وبرامج الوقاية من الإدمان والعنف. بطريقة استباقية، يتم علاج السبب بدلاً من رد الفعل. من خلال إسكان المشرّدين ومساعدة المدمنين الذين يعانون مشكلات نفسية على التعافى وإيجاد وسائل لاستيعاب الأقليات العرقية وحل قضايا أخرى كثيرة، يأملون تلاشى الإجرام. وتتراوح المبادرات بين تخفيض الميزانية إلى التخلص من قوة الشرطة تمامًا. قد ينظر البعض إلى هذه الدعاوى بإيجابية، بينما قد يراها الآخرون غير منطقية وغير قابلة للتطبيق.

المثير للدهشة هو تقبُّل ودعم مسئولين فى بعض المدن الأمريكية - مثل فيلادلفيا وبالتيمور وواشنطن ونيويورك ومينيابوليس - الدعوة إلى تقليل أو عدم تمويل الشرطة فى ولاياتهم. طالب أحد أعضاء مجلس مدينة نيويورك بتخفيض مليار دولار من إدارة شرطة نيويورك وتوجيه تلك الأموال نحو المجتمعات الأكثر تأثراً بعنف الشرطة. يريد عمدة لوس أنجليس أن يقطع ما يصل إلى 150 مليون دولار من الشرطة. وفى مينيابوليس حيث بدأت الاحتجاجات بادر مجلس المدينة بفكرة تفكيك الشرطة تمامًا واستبدالها بنموذج جديد للسلامة العامة. حتى فى تورونتو، كندا، قدم أعضاء مجلس المدينة اقتراحًا لإلغاء نسبة 10 بالمائة من ميزانية الشرطة.

لا يمكننا معرفة ما إذا كانت هذه المبادرات تهدف إلى تبديد الغضب حول وفاة فلويد والآخرين، أم أنها جهود جادة من قبل المشرِّعين لتحسين الوضع. هل هذه التغييرات يمكن تنفيذها بالفعل،أم سوف تترك المواطنين فى خطر وتمهِّد الطريق أمام المجرمين لارتكاب جرائم أشد عنفا؟

فيما يتعلق بزيادة العنف، وفقًا لدراسة أُجريت فى جامعة ولاية لويزيانا، قد يؤدى تقليل وجود الشرطة إلى عدد أقل من الجرائم. عندما قررت شرطة نيويورك التباطؤ فى العمل ولم تتواجد عن كثب بعدما أطلق متطرف مناهض للشرطة النار على ضابطين فى عام 2014, أثبتت الدراسة أن غياب الشرطة نفسه أدى إلى انخفاض فى الجريمة وأن أسلوب الشرطة العدوانى الذى ينتهك حقوق البعض، يحرِّض على أعمال إجرامية أشد.

قد نتفق على أن إصلاح الشرطة بالغ الأهمية، ولكن إلى أى مدي؟ أحد التغييرات التى قد تُحسِّن النظام دون المبالغة فى تغييره هو إشراك المواطنين من كل ولاية فى إدارة الموازنة المالية. هذه الميزانية التشاركية التى يطلق عليها اسم «ميزانية الشعب, يشارك المواطنون المهمشون والمحتجون فى تخصيص الأولويات وأين ينفق التمويل. الموازنة التشاركية هذه موجودة بالفعل فى العديد من مدن العالم. قد تبدأ النسبة المئوية المخصصة للميزانية التشاركية صغيرة وتصبح أكبر بمرور الوقت بمجرد إثبات نجاحها.

وتتمثل مشكلة أخرى فى أنه، حتى الآن، معظم الإصلاحات لأى قوة شرطة بالولايات المتحدة وسّعت سلطة الشرطة بدلاً من تقييدها، وكان يجب أن يشمل إصلاح الشرطة التدريب للحد من الوحشية مثل عدم تقييد الأشخاص عن طريق الخنق والطريقة التى تتعامل بها الشرطة مع المواطنين السود بافتراض أن جميعهم مذنبون.

منظمة العفو الدولية تقول إن العديد من إدارات الشرطة الأمريكية تتدرب مع إسرائيل، التى تعتبر أكبر دولة تنتهك حقوق الإنسان. بينما تواصل إسرائيل استغلال القوة المفرطة ضد المتظاهرين تُدرب أفراد الشرطة الأمريكية على هذا النحو، وهذا يلقى الضوء على الكثير من العنف الذى تستخدمه قوات الشرطة فى أنحاء الولايات المتحدة.

ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، يسافر المئات من مطبقى القانون فى الولايات المتحدة إلى إسرائيل للتدريب بمشاهدة مظاهرات حية ووسائل كبح جماح المتظاهرين بالقمع الوحشى. آلاف آخرون يتلقون التدريب من الشرطة الإسرائيلية فى الولايات المتحدة ويتبادلون التكتيكات والخبرات. إذا تم إيقاف قوات الشرطة من التدريب مع إسرائيل، كما فعل مجلس دورهام فى كارولاينا الشمالية،قد يحد من العنف المفرط الذى تستغله الشرطة.

لا يمكن الاستخفاف بمبدأ عدم تمويل الشرطة أو تطبيق هذه الدعوة بدون دراسة متأنية. على أى حال، فإن جلب هذه المناقشة إلى مسمع الجميع يسلِّط الضوء على مدى خطورة الحاجة إلى إصلاح جذرى للشرطة فى الولايات المتحدة ويستوجب مراجعة جادة لكيفية قيام قوات الشرطة بعملها.


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: