رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خطاب المسئولية الاجتماعية.. همسات نقدية

عندما نتحدث عن مفاهيم مثل المواطنة والانتماء والالتزام والشراكة والمشاركة والعمل العام والسلوك المدنى وغير ذلك من المفاهيم، يطفو إلى الذهن مباشرة مفهوم المسئولية الاجتماعية والأخلاقية. ذلك أن المسئولية وما يرتبط بها من شعور بالواجب الأخلاقى، هى الأساس فى بناء الوعى الذاتى تجاه المجتمع، وكذلك فى بناء الطريقة التى يتشكل بها السلوك البشرى بعامة، بحيث يمكن القول إنه كلما تعمق الشعور بالواجب الأخلاقى، كان السلوك إيجابياً وفعالاً ومعبراً عن قيم المواطنة والالتزام والمشاركة...الخ؛ ويحدث العكس فى حالة تناقص الشعور بالواجب الأخلاقى. والمسئولية الاجتماعية بهذا المعنى المثالى لا تلقى على عاتق فئة بعينها ولكنها منتشرة ومبسوطة فى كل مجالات الحياة، ويشترك فيها كل الفاعلين فى المجتمع بدءاً من النخبة السياسية الحاكمة، وانتهاءً بالمواطنين فى حياتهم اليومية ومروراً بدوائر واسعة كثيرة. فالمسئولية الاجتماعية هى قدرة عامة يحملها الأفراد بدرجات متفاوتة مثلها مثل النقود ولا يستثنى منها أحد؛ ويتأكد هذا المعنى فى نصوص الدستور، وفى القوانين الصادرة عنه وفى الخطاب السياسى للدولة.

ولقد آثرْتُ أن أصدر المقال بهذا الفهم العام للمسئولية الاجتماعية، لكى يكون أساساً لما سوف أسوقه من حديث حول الخطاب العام فى مجتمعنا حول هذا الموضوع. فثمة خصيصة واضحة وبارزة فى هذا الخطاب تتمثل فى الإصرار على توجيه اللوم للمواطنين واتهامهم بعدم الوعى والتسيب، ومن ثم عدم الشعور بالواجب أو بالمسئولية تجاه الآخرين وتجاه المجتمع. يتضح ذلك فى مجليات عديدة نلمسها فى الخطاب الإعلامى والرقمى، وحتى فى الأحاديث اليومية العابرة. الكل يدين المواطنين؛ ويتحدث عن انهيار القيم، وفقدان الوعى بالمسئولية وعدم الشعور بالخطر، ولا يحدث إِلاَّ فى النَّزْرَ اليسير أن يحمل الخطاب انتقادات لفاعلين آخرين أو للجانب الآخر من الصورة؛ ولكن جل الخطاب ينصب على نقد المواطنين. واذا ما اتجه النقد الى فئات اخرى فانه يكون مثقلا بالمصلحة او الاعتبارات الشخصية او بأشكال من الضجيج غير المنظم وغير المفهوم. دعونا نأخذ بعض الأمثلة: إننا عندما نتحدث عن مشكلة القمامة والشوارع غير النظيفة، فإننا نلوم المواطنين الذين تعودوا أن يلقوا بما فى أيديهم فى الشارع، ولكن قلما نتحدث عن حجم الفوضى والتلوث الذى تحدثه المطاعم والمقاهى المنتشرة هنا وهناك والتى تلقى بكل مخلفاتها الصلبة فى الشارع دون ان تجد ردعا من قانون او عقابا من موظفى المحلبات ، وقلما نتحدث أيضاً عن المنظومة الإدارية التى تتعامل مع هذه المشكلة واعتمادها على أساليب قديمة وبالية فى إدارة المشكلة. وثمة مثال آخر مأخوذ من نقدنا للتجمعات التى نراها أمام المصالح الحكومية، ونحن فى زمن ينتشر فيه الوباء، دون أن نشير إلى عدم الكفاءة الإدارية والتنظيمية لمقدمى الخدمة، وعدم استطاعة المؤسسات على أن تطور من داخلها قدرة تكيفية تجعلها تطور من نفسها ومن نظم إدارتها لتستوعب الطلب المتزايد على الخدمة. ونأخذ مثالا ثالثا من زمن كورونا؛ فنحن نتهم المواطنين بعدم الوعى لأن كثيرين منهم لا يلتزمون بارتداء الكمامات أو الإبلاغ عن حالات الإصابة فى بعض الأحيان، دون أن نشير إلى حجم المغالاة فى أسعار العلاج والتربح من وراء ألم الجائحة فى الصيدليات والمستشفيات الخاصة ، ودون أن نشير إلى الظروف الاقتصادية والحياتية والثقافية العامة التى يعيش فى كنفها هذا المواطن. وقد يبلغ الخطاب مداه حين يحول المواطنين إلى موضوع للوعظ وتوجيه النصائح وتقديم المبادرات، التى غالباً ما تكون على مستوى الكلام، لأن تنفيذها يكون مستحيلاً فى بعض الأحيان. ولست أسعى إلى التشكيك فى نيات هؤلاء الناصحين، فلا شك أن نياتهم طيبة ومشاعرهم نبيلة، ولكن المرء قد يقرأ ما بين السطور مساعى لبناء رأس مال اجتماعى، وأشكالا من التراكم الرمزى وتشييدا للمكانة وتثبيتا للأقدام، الذى يمكن أن يفيد فى مستقبل الأيام.

وإذا ما تأملنا هذا الظرف وأَوَّلَناه على رؤية إنسانية عادلة للعالم لوجدنا فيه ضروباً من عدم الانتظام وعدم النظر المسألة فى ضوء مبدأ الشراكة والتكاتف الذى أشرنا إليه فى صدر هذا المقال. تبدو المسئولية هنا وكأنها تقع على عاتق المواطن دون سواه. وأحسب اننا بحاجة الى ان نتأمل هذا السلوك لكى نتمكن من بناء فهم أشمل وأعمق لمفهوم الواجب الاخلاقى والمسئولية الاجتماعية. ولتحقيق قدر من الاسهام فى ذلك قد نفكر فى عدد من دلالات هذا الخطاب الذى يتجه نحو المواطنين أكثر مما يتجه نحو الذات أو نحو المكونات الأخرى فى منظومة الحياة. من أولى هذه الدلالات ما يميط عنه الخطاب من نظرة استعلائية؛ بحيث تبدو الحياة وكأنها تنقسم إلى عالمين، عالم يجب عليه أن يفعل، وآخر عليه أن يُنظِّر وأن يقيم وأن يرشد وينصح. أليس هناك سياق عام يجمع الجميع، بحيث يرى الناظر الظروف المحيطة والعوامل الأخرى، أم هى نظرة أحادية غير قابلة للتغير، تنظر للعالم فى ضوء مفهوم القوى والضعيف، العارف والجاهل، الواعى والذاهل؛ أم أنها أشكال من التبريرات والأوهام التى تحاول من خلالها الذات أن تبرئ نفسها عبر الإلقاء باللائمة على الآخرين؛ أم أنه راسب متبق من رواسب الانفصال القديم بين المركز والأطراف، بين أهل الريف وأهل الحضر، بين أولاد الناس والعامة, أم هى العلاقة المتوترة بين الذات والآخر.

وقد يجدنى بعض القراء وكأنى بالغت فى الرؤية، ولكننا نتعلم دائماً أن ما نراه من أمور تبدو سطحية لها فى الداخل بنية عميقة لا نراها بسهولة، وكثيراً ما نصادف ذلك فى حياتنا اليومية عندما نكتشف أن السلوك الذى يبدو ظاهراً وبسيطاً وتلقائياً يكون له دلالات ونتائج غير مقصودة، لا يعرفها أصحابها بالضرورة ولكنها كامنة فى أساليب تفكيرهم ورؤيتهم للعالم، ولا تكتشف الا بتأمل كبير للذات يفوق تأملنا لما حولنا ، فنحن لا نحتاج الى تحديق فى الآخرين بقدر ما نحتاج الى تحديق فى ذواتنا.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: