رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سد النهضة.. الحلقة المفقودة بالمسار الدبلوماسى

استمرت مصر قرابة عقد فى مفاوضات مضنية بهدف التوصل إلى حل عادل ومتوازن يلبى مصالح الأطراف الثلاثة (إثيوبيا ومصر والسودان)، وعندما تعثرت المفاوضات نتيجة التعنت الإثيوبى، رفعت القاهرة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن لتؤكد حرصها على المسار الدبلوماسى والسياسى لحماية حقوقها فى مياه النيل. انطلاقا من أن تداعيات هذه المشكلة من الممكن أن تؤثر على الأمن الإقليمى والدولى، ولكن هناك حلقة لا تزال مفقودة فى هذا المسار الدبلوماسى وهى توعية العالم بما يعنيه الحفاظ على مياه النيل للبشرية انطلاقا من أن مصر بتاريخها وحضارتها وآثارها التى يحرص الناس من كل ربوع الدنيا على التعرف عليها، هى هبة النيل والمصريين، فالحضارة المصرية قدمت للبشرية الكثير من الاختراعات والأنظمة والحلول التى ساهمت فى تطور العالم، من ثم فإن لدينا أوراقا حضارية وثقافية مهمة لتبصير الرأى العام العالمى بحق مصر التاريخى فى مياه النيل، غير ان هذه الأوراق لا تزال غير مستخدمة. المطلوب ان نقدم للعالم بلغاته الرئيسية خاصة المعتمدة بالأمم المتحدة، بالإضافة الى أهم اللغات الإفريقية، رسالة واضحة تبين حقوقنا التاريخية فى مياه النيل ضمن منظومة إعلامية عالمية،إطارها العام هو معالم حضارة مصر الإنسانية التى قامت على ضفاف النيل، على أن تحتوى هذه المنظومة على مداخل إنسانية وتاريخية ودينية، وسياسية تنطلق من حقائق الجغرافيا والتاريخ . فحوى الرسالة هى اننا بناة ولسنا غزاة وجيشنا يحمى ولا يهدد، قدمنا للعالم حضارة استفادت منها البشرية وصنعنا السلام فى المنطقة وحافظنا عليه، ولكن لا يمكن أن نفرط فى حقوقنا، أما الجانب الأهم فى الرسالة فهو بيان علاقة النيل بالحضارة المصرية، وما قدمه المصريون القدماء للعالم عبر هذه الحضارة. كثيرون لا يعرفون من حضارتنا التى نمت على ضفاف النيل، إلا الأهرامات وبعض المعابد، فى حين انها قدمت للبشرية العديد من الانجازات والعلوم والنظم والابتكارات والتى لا يزال يستفيد منها العالم، من بينها: فى نظم الحكم: الفراعنة أول من أسسوا هيكلاً ونظاماً حقوقياً كاملاً، فالملك مينا أسس أول حكومة مركزية فى التاريخ البشرى، قامت بتنظيم الحياة القانونية والاقتصادية بالدولة المصرية. وقبل 6261 عاما، تمكن المصرى القديم من حساب الوقت والتاريخ حيث ابتكر الفراعنة أول تقويم عرفته البشرية لتنظيم المواعيد الخاصة بالزراعة والضرائب وقسموا السنة الي365 يوما، كما اخترعوا أول ساعة عبرالمسلات التى استخدمت لقياس الزمن، من خلال حساب ظل المسلة على محيطها.

وفى مجال الرياضيّات والهندسة، بلغ علماء مصر القديمة، مراتب متقدّمة، كما يتضح من بناء الأهرامات التى تطلّب تشييدها معرفة واسعة فى هذين العلمين، كما تجلى ذلك فى البوّابات الفخمة، والأعمدة العالية، والقبور، والتماثيل البديعة الصنع. كما قام المصريون القدماء بتسجيل ارتفاع منسوب مياه النيل وانخفاضها وحسابهما حسابًا دقيقًا، وكان قياس الأراضى، التى محا الفيضان معالم حدودها، منشأ فن الهندسة. وفى المجال الطبى، حقق الفراعنة تقدما مذهلا فى علاج الأمراض ، فبالإضافة إلى التحنيط، توصّلوا إلى معرفة الدورة الدموية، والعلاج الجراحى للخرّاجات ، والدمامل، والكسور، وابتكروا أول طرف صناعى واخترعوا معجون الأسنان.كما ابتكروا الشعر المستعار ومساحيق التجميل وأول صبغة شعر فى التاريخ. وفى الزراعة، ابتكروا العديد من النظم والآلات الزراعية، ومنها أنهم اخترعوا أول محراث فى تاريخ البشرية. وفى مجال التعليم كان رئيس الإسطبل الملكى يشغل منصبا اشبه بوزير التربية، وكانت مهمته تخريج الكتبة للقيام بأعمال الدولة مثل المحافظة على النظام والقانون، وإحصاء السّكان وتسجيل موارد الدولة ومصاريفها والإشراف على مقاييس النيل استعدادا لموسم الحصاد. وابتكر الفراعنة الكثير من المخترعات الأخرى،منها الكتابة (الهيروغليفية) والأقلام والأوراق والحبر، والمقص وحلاقة الشعر .

هذه الرسالة يبغى أن توضح أيضا أن دور مصر الحضارى لم يتوقف عند زمن الفراعنة، وانما استمر فى العصور الأخرى انطلاق من وضعها وموضعها الجغرافى الذى جعلها صانعة سلام ومتوسطة الدنيا، وسيدة الحلول الوسطى كما وصفها جمال حمدان..حيث تفاعلت مع حضارات أخرى وحافظت على الفكر الإنسانى (مكتبة الإسكندرية القديمة نموذجا .. أول مكتبة حكومية عامة بالتاريخ) ، كما أنقذت البشرية من هجمات بربرية مثل تصديها للتتار، وحفظت على التراث الإسلامى عبر الأزهر الشريف، واستمر هذا الدور الحضارى حتى التاريخ المعاصر، حيث ساندت مصر حركات التحرر الوطنى من الاستعمار فى إفريقيا، وآسيا وأمريكا اللاتينية وبادرت إلى صنع السلام بالمنطقة. أما توصيل هذه الرسالة للعالم فهى مهمة وزارة الخارجية والهيئة العامة للاستعلامات عبر وسائل الإعلام العالمية.


لمزيد من مقالات د. محمد يونس

رابط دائم: