رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أعظم كتاب عرفته الإنسانية

سألتنى سيدة مثقفة أروبة يعنى واعية ومصحصحة زيادة عن اللزوم ـ فى ندوة صحفية جمعتنى بنخبة من فضليات نساء مصر العظام اللاتى وقفت جداتهن خلف رجالات مصر النوابغ ـ قبل الزمان بزمان ـ ليقدمن ويقدموا للدنيا أعظم حضارة عرفها الإنسان والتى أسمها ـ كما جاء فى الموسوعة العلمية البريطانية ـ الحضارة المصرية.. ولو كره الكارهون.. والجملة الأخيرة لى.

 

كان سؤالها الأول لى: ما الذى جعلك تمسك بالقلم وتكتب على الورق؟..

وما هو أول كتاب قرأته؟

وما هو آخر كتاب؟

ومن من الكتاب الذى سحرك بقلمه وشاركك بفكره إلى آفاق لم تكن تحلم بدخولها؟

ومن هو معلمك الأول؟

وما هو عنوان هذا الكتاب الذى ترشحه أنت ليكون أعظم كتاب عرفته الإنسانية حتى يومنا هذا؟

ومن هو أستاذك الذى قادك إلى عالم الفكر والأدب والصحافة وصنع منك كاتبا يقرأ له الناس.. وهى وحدها هبة من الله تعالى قبل الناس؟

قلت لها: ياه.. عاوزة كل هذا دفعة واحدة.. على أى حال قد تستغربين إن قلت لك إن أستاذى ومعلمى الأول كان الشاعر عبدالعليم عيسى مدرس اللغة العربية فى مدرسة القناطر الخيرية الثانوية فى سنوات الصبا والشباب والتفتح الفكرى والعاطفى..

وهو بصدق أول من وضع قدمى على الطريق الصحيح.. وأيامها كان رجال الأمن فى مصر أيام عبدالناصر يعتبرونه مفكرا يساريا.. واقتحموا منزله ليلا ووجدوا بين أوراقه مقالة لى باسمى كنت قد سلمتها له ليقرأها وليقول لى رأيه الأدبى فيها.. وكانت بعنوان: الحرية..

واذكر أننى يومها كتبتها وأسهمت فى كلمات وأشعار الحرية فى ذلك الزمان وطلبوا من الأستاذ عبدالعليم عيسى أن يدلهم على عنوانى لكى يستجوبوننى أنا الآخر فى محضر رسمى من محاضرهم إياها.. ولكنه قال لهم: ده لسه تلميذ صغير كاتب موضوع انشاء وليس له أى انتماءات سياسية أو حزبية.. وكتب ذلك يومها بخط يده على ورق التحقيق.. وقد كان.. صرفوا النظر عنى واخذوه هو فى «سين وجيم»!

قالت: طيب وأعظم كتاب قرأته وتأثرت به؟

قلت: وهل هناك كتاب غيره.. انه القرآن الكريم الذى وصفه صديقنا العزيز وكاتبنا الكبير الدكتور مصطفى محمود بالكائن الحى الذى مازال يحيا ونتعلم منه ويعلمنا أسرار الكون والخليقة حتى قيام الساعة..يكلمنا ونكلمه ونسأله ويجيبنا وهو معنا فى كل وقت وكل زمان وكل مكان.

وهى نفس كلمات العزيز الدكتور مصطفى محمود لى وللعزيز الغالى كاتبنا الكبير أنيس منصور ونحن ساهرون معا فى قاعة الجمع التصويرى فى مبنى الأهرام فى انتظار الطبعة الأولى أيام ما كان الزمان جميلا وصديقا لنا ولأحلامنا..

قالت ضاحكة: يعنى لو عمنا عبدالعليم عيسى هذا ماقالش الكلام ده للبوليس السياسى أيامها.. كانت بوصلة مستقبلك كله تغيرت إلى ما لا يحمد عقباه!

قلت: هذا صحيح تماما.. وقد كتب عمنا الشاعر عبدالعليم عيسى هذا كله فى عموده اليومى فيما بعد بعنوان: أمشاج فى جريدة الجمهورية الناطقة باسم ثورة 1952.. ولو لم يفعل عمنا الشاعر عبدالعليم عيسى هذا.. لكانت بوصلة مستقبلى كله قد تاهت أو سحقت وأصبحت أنا فى خبر كان!

< وعلى فكرة لقد قابلت أيامها الزعيم جمال عبدالناصر قبل أن يجلس على مقعد الرئيس فى مصر.. عندما علمنا فى المدرسة انه سيذهب لشبين الكوم فى جولة تفقدية ومعه كمال الدين حسين وانتظرنا امام باب المدرسة .. ونزل هو من سيارة ملاكى شيفروليه او كابورليه وسلم علينا وقال لنا انتم بتفكرونى بايام الدراسة .. ووعدنا بزيارة خاصة لمدرستنا الثانوية عندما يعود من شبين الكوم فى نفس اليوم.. وانتظرناه يومها حتى غروب الشمس ولكنه لم يحضر!<

****

تعود المذيعة اللبقة تسألنى: وأنت يا عزيزى لم تقل لى ما الذى أوصلك إلى هذه الدرجة من علو الهامة فى اللغة العربية والمعلومات العامة والتنوع الثقافى وأنت يا دوب مجرد تلميذ فى الثانوية العامة؟

وللحق فلقد فاجأتنى المذيعة الأروبة بهذا السؤال الذى لم يخطر على بالى أبدا.. لانه يكشف أحد أهم أسرار حياتى وهو القراءة.. ليس الصحف مثل الأهرام والمصرى بتاع زمان.. بتاع محمود وأحمد أبو الفتح والمجلات مثل المصور وآخر ساعة ولكن الكتب.. وليس الكتب المقررة على الطلاب.. ولكنها أمهات الكتب التى علمت الدنيا ما لم تعلم ومازالت حتى كتابة هذه السطور تصنع فكرا وأدبا وفنا وعلما أوصل الإنسان إلى النزول على القمر ومن بعده المريخ محطته المقبلة.. ومرورا باختراع القنبلة الذرية التى تملك سر كل شيء على الأرض.. وقد تقتل يوما الحضارة والإنسان معا وربنا يستر..

وعلى فكرة لقد فاجأت أنا المذيعة المثقفة الواعية بقولى: فيما بين عامى 1954 و1964قبل ظهور التليفزيون فى مصر ـ وخلال هذه الأعوام العشرة قرأت أمهات الكتب وناقشتها مع أستاذى عبدالعليم عيسى.. وشاركتنى العزيزة الغالية جيهان رشتى زميلتى فى قسم الصحافة فى كلية الآداب جامعة القاهرة القراءة والمناقشة التى وصلت بنا فى كثير من الاحيان إلى منحدر الخصام أحيانا.. لأنها كانت لا تتنازل عن رأيها أبدا.. ولو قيد أنملة.. وكان هذا فى يقينى هو ما أوصلها إلى أن تصبح أول عميدة لكلية الإعلام فى بلدنا.. وهى إعلام القاهرة.

وعلى فكرة لقد تذكرت الآن حكاية لها العجب أبطالها أستاذنا مصطفى أمين الذى ارسى دعائم مدرسة أخبار اليوم الصحيفة.. وهى المدرسة للذين يعلمون والذين لا يعلمون التى تخرج فيها الجورنالجى الذى لا يتكرر والذى اسمه محمد حسنين هيكل والذى أقام صرح الأهرام الحديث كما نراه الآن وجعله يتصدر الصحف القومية.. ولو كره الكارهون.

وقد شاركتنى العزيزة الغالية جيهان رشتى بطولتها.. والذى حدث أننى كنت والعزيزة جيهان نتلقى تمرينا فى الترجمة فى دار أخبار اليوم بتكليف من د.خليل صابات أستاذنا فى قسم الصحافة فى كلية آداب القاهرة.. وكنا أيامها قبل الكمبيوتر نترجم الأخبار التى تأتينا على جهاز «التكرز» باللغة الإنجليزية ونترجمها نحن للعربية.. وكان يتولى تدريبنا الأستاذ عبدالحميد سرايا - مدير الدسك المركزى فى الأهرام أيامها ومدير تحرير الأهرام ـ فيما بعد ـ يدرس لنا مادة الترجمة.. وقد عثرت الأروبة جيهان على برقية تقول: إن العالمة أنا أصلان الرومانية الأصل عثرت على مادة تطيل العمر وتجعل السيدة العجوز صبية فى العشرين.. وقدمنا ـ جيهان وأنا ـ البرقية مع الترجمة العربية إلى الأستاذ مصطفى أمين.. الذى كان يمر علينا يومها بالصدفة ..وعندما قرأ ترجمة جيهان للبرقية صرخ بأعلى صوته فى صالة تحرير الأخبار: اجتماع عاجل فى التاسعة صباحا غدا يحضره كل محررى ومحررات أخبار اليوم!

وعندما سألناه: ايه الخبر .. هى القيامة حتقوم بكره واللا إيه؟

قال: لقد عثرت العالمة الرومانية أنا أصلان.. كما تقول البرقية.. على سر الحياة.. دواء يجعل الشيخ شابا .. والعجوز عروسا فى ليلة زفافها.. اجتماع عاجل لمجلس تحرير الأخبار فى التاسعة من صباح الغد يحضره كل محررى أخبار اليوم.. لازم موسى صبرى وأنيس منصور وعلى أمين ومحمد التابعى وجلال الحمامصى يحضروا؟

سألته أنا: ليه ياريس؟

قال مبتسما: ماهى قالت خلاص يا عم عزت .. لقد عثرت العالمة الرومانية أنا أصلان على سر الوجود.. عقار الحياة الذى يعيد العواجيز إلى شباب!..

ثم نظر إليّ وإلى العزيزة الغالية جيهان وقال لنا: أنتم الاثنين تروحوا لأم كلثوم ولمحمد عبدالوهاب.. أنت لأم كلثوم وهى لعبدالوهاب وتبشروهما بعلاج الدكتورة أنا أصلان لإعادة الشباب..

موش بس كده كل محررى ومحررات أخبار اليوم ينزلوا الجامعات ومراكز الأبحاث وكليات الطب.. ويسألوا نجوم السينما والمسرح والوزراء والوزيرات.. وكل إنسان على أرض مصر بسؤال واحد: هتعمل إيه بعد ما تأخذ دواء الدكتورة الرومانية أنا أصلان وترجع شباب من أول وجديد؟

يتوقف لحظة ويقول: وماتنسوش تسألوا أخويا على أمين نفسه ومحمد التابعى وجرجس زيدان وإميل زيدان فى دار الهلال.. وماتنسوش تسألوا السيدة أمينة رزق وفردوس محمد أحسن أم على الشاشة الكبيرة.. وماتنسوش تسألوا الدكتورة بنت الشاطئ والدكتورة سهير القلماوى وزميلتنا فى دار الهلال أمينة السعيد؟.

****

واسمحوا لى أن أحكى لكم هذه الحكاية التى لن أنساها أبدا وقبل أن نمضى نظر الأستاذ مصطفى أمين إلينا: جيهان رشتى وأنا وسألنا: أنتم معانا هنا فى أخبار اليوم؟

قلنا له: يا ريت!

قال: أمال أنتم إيه بالضبط؟

قلنا له فى صوت واحد:

احنا طلبة فى آخر سنة فى كلية الآداب قسم صحافة وبنتمرن على الترجمة هنا مع الدكتور عبدالحميد سرايا. واحنا اللى ترجمنا البرقية اللى جابت الخبر اللى قلب الدنيا بحالها!

قال: تطلبوا إيه؟

قلنا فى نفس واحد: نشتغل صحفيين عندك؟

قال: أنتم لسه ما تخرجتوش أنا سأمنحكم ورقة بخمسة جنيه وكانت مبلغا كبيرا أيامها وهوقع الورقة بإمضائى تحية لكما.. بس اوعوا بس تصرفوها..؟

وأخرج الأستاذ من محفظته ورقة بخمسة جنيهات سلمها لى بعد أن وقعها بإمضائه ـ وقال: أوعوا بس تصرفوها ده تذكار يعيش معاكم وتوروه لولادكم الصغار من بعدكم؟

****

أنتم تسألونى طيب فين ياعم عزت الورقة أم خمسة جنيه دي؟

المفاجأة التى لم تكن فى الحسبان.. أن العزيزة الغالية جيهان رشتى فاجأتنى فى آخر مرة التقينا فيها فى احتفال جامعة القاهرة بصدور مجلة علاء الدين بالورقة إياها.. وقالت لى انا دفعت عزومة الكبدة من فلوسى أنا، وهو أنا أقدر أفرط فى الورقة دى.. دى معايا من يومها يا عم عزت؟

وتوته توته لم تفرغ الحدوتة بعد

Email:[email protected]
لمزيد من مقالات عزت السعدنى

رابط دائم: