رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الموتى يركبون القطارات

د.سيد شعبان;

ليلة أمس لم أنم بما فيه الكفاية؛ تداخل شريط النهار متتابعا؛ مثقل أنا ببعض الترهات تتناوشنى، ثمة حلم زرانى طيفه: الأموات فى صخب استمر قرونا عدة؛ فهمت هذا من التاريخ المدون أسفل كل حدث، ولعله متواجد فى ذلك القيد الحديدى الذى يثقلهم، يأتون مقترنين فى سلسلة يتراصون فيها مكرهين؛ أريت قوما ينتعلون فى أرجلهم جلود الغزلان وآخرين بعيون واحدة، نساء تتدلى من رقابهن تمائم ذهبية بها حروف عجيبة، يعلقنها خشية أن يأتى ساحر فيفسد عليهن الليالى التى تتراقص فيها النجوم ومن ثم تنتفخ بطونهن مجددا، لا تحلو لهن معيشة بغير تلك الزغاليل تسكن فى أعشاش يحرسنها، لم يفزعنى غير امرأة تقف وحيدة تبدو مشقوقة إلى نصفين يتباعدان ويقتربان كلما ظهرت سمكة ذات ذيل به ناقوس نحاسى يشبه ذلك المنصوب فى برج الكنيسة العتيقة أمام المحطة التى نادرا ما تتوقف فيها القطارات، ربما كانت عاقرا، اشتاقت أن يلتقم ثدييها أحد هؤلاء الأبرار، سألت الناظر العجوز لم لا ينتظر الناس هنا ومن ثم يغادرون إلى المدينة التى تضاء بأعمدة إنارة تشبه أضواؤها ألوان الطيف السبعة؟ حاول ذلك العجوز أن يشرح لى سبب ذلك، أومأ برأسه ناحية المقابر المكدسة بعظام الأجداد؛ لم أفهم شيئا. حتى هذا العجوز كان يمسك بفأس تصدر أنينا كلما لامست أرضية المحطة المهجورة، ثمة مغارة توصل بين الرصيف ومدخل المقبرة العتيقة؛ يقف عند بوابتها رجل أشيب طالت لحيته حتى اقتربت من ركبته، جواره تلة من أوراق لم تتناثر، لايكلم أحدا ليس لديه وقت ليضيعه فى حكى لا جدوى منه.

يأتى طفل، يقال إن الرجل ذا الشيب لم يعد منشغلا بتدوين بطاقات الصغار، يمسك ببالونة تنتفخ حتى تسع المكان؛ لا تنفجر بل تتسلل منها أقلام ورماح وسياط وبضعة أشياء غريبة، سيوف وقنينات بها سائل يقطر حمرة، رقاب بلا رؤوس، أيد متراصة بجوار أشلاء مجهولة.

أستدير جهة اليمين تلوح لى مأذنة يعلوها هلال لكنه غير مكتمل، يتلو الشيخ آيات تستدر دمعى يتناهى إلى أذنى قول المسيح عليه السلام «وبارا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا» أسرع ناحية ناظر المحطة التى لم تعد بها غير أسقف خشبية تشبه حطام معركة تدور فى ظلام الليل، تلك الألواح الخشبية تسكنها أسراب من الغربان؛ عند المنحنى شجرة جميز عملاقة تلتف حول ساقها أفعى ذات فحيح.

تأتى طائرة تشبه البومة العجوز التى تسكن بيت جارنا الذى يقارب الثمانين، يعيش وحده بعدما ارتحلت زوجته، يحتفظ فى ركن من حجرته بصورة تذكره بها، تلقى تلك الطائرة البومة بقطع صغيرة من أجساد هؤلاء وهم يرضعون من أثداء أمهاتهم.

مضى وقت ليس بالقليل، دخلت قافلة مكدسة ببطاقات هوية عجيبة؛ عجز الرجل ذو الشيب أن يدون أرقام الذين فى التوابيت الخشبية، اكتفى بأن يثبت ساعة دخولها، ياله من رجل بلا قلب، لا تصدر عنه أية إشارة تدل على حالته النفسية! قبل أن يمضى إلى الجهة اليسرى من بوابة المقبرة العتيقة كان جرس الكنيسة العتيقة يدق فى فزع؛ لقد حومت طائرة غريبة فوق سقفها إنها تلقى بقطع متناثرة من قصاصات أوراق؛ فى ليلة العيد كان هؤلاء الصغار يشتهون الحليب. يرسمون بأقلامهم الرصاص لوحات جميلة؛ عصفور يغرد وزهرة أقحوان تتمايل مثقلة بقطرات الندي؛ تشدو فيروز بصوتها «وعلى الأرض السلام» غير أن ثعلبا ماكرا يظهر فى الخلفية. عرفت فى هذه اللحظة لماذا لم يعد القطار يتوقف فى محطته، إنهم يتسللون فى خفاء حين ينتقل الرجل الأشيب من جهة البوابة إلى الأخرى، لديهم وسائل ماكرة فى التعرف على خطوط السير المخصصة لهؤلاء الذين يسكنون المدينة المحرمة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق