رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بطـولة «العيش والملح»

محمد البرغوثى;

  • حكاية شاب مصرى طارد قتلة الدكتور «فودة» تحت وابل من الطلقات حتى تمكن من إسقاطهما
  • المحرض والممول لعملية الاغتيال يختفى من مصر بعد ثورة 30 يونيو.. وتنظيم داعش يعلن عن مقتله فى سوريا عام 2017


كانت ليلة الاثنين الموافق 8 يونيو 1992، ليلة هادئة.. أو هكذا توقعنا، بعد أن استمعت مصر كلها إلى حديث رئيس الجمهورية آنذاك عن زيادة رواتب العاملين فى الدولة 20% سنويا.

وقريبا من الساعة السادسة والنصف مساء انفض اجتماع قسم الحوادث والقضايا بجريدة الأهرام المسائى وكلنا ثقة أن عبء العمل الأكبر سيقع هذه الليلة على الزملاء فى الأقسام الأخرى لأنه «لاصوت يعلو على صوت زيادة المرتبات»!

كانت مصر فى هذه الأيام تعيش إحدى نوبات صحوة التيارات السياسية الأصولية، وكانت أصداء محاولات اغتيال حسن أبو باشا وزير الداخلية، والنبوى إسماعيل وزير الداخلية، والكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، مازالت ماثلة فى الأذهان، وكنا فى أقسام الحوادث فى الصحف اليومية لانكاد ننتهى من متابعة حادث محاولة اغتيال، حتى نفيق على حوادث سطو إرهابى على محال الذهب المملوكة للأقباط، أو على حرق محال بيع شرائط الفيديو.. ورغم ذلك كله، تصورنا أن ليلة 8 يونيو عام 1992 ربما تمر دون حدوث شىء كبير.


 


آنذاك، كانت إدارات شرطة النجدة والمطافئ فى مديريات الأمن هى مصادرنا الثابتة للاطمئنان على الحالة الأمنية كل نصف ساعة تقريبا، وكان بعض العاملين فى هذه الإدارات على علاقة طيبة بالمحررين المكلفين بالمتابعة.. وقريبا من الساعة السابعة مساء رن جرس التليفون الثابت فى قسم الحوادث والقضايا، وإذا بالمتصل يبلغ أحد الزملاء بمضمون البلاغ العاجل: مجهولون أطلقوا وابلا من الرصاص على شخص يُدعى الدكتور فرج على فودة أثناء وقوفه مع نجله الصغير وشخص آخر يدعى وحيد رأفت، أمام مكتبة فى شارع أسماء فهمى بمدينة نصر، وتم نقل المصابين الثلاثة إلى مستشفى الميرغنى، ويجرى ملاحقة الجناة!

وكان كثيرون آنذاك، يعرفون أن الدكتور فرج فودة على رأس المهددين بالاغتيال، وكان هو شخصيا يتحدث كثيرا مع المحيطين به عن المكالمات التى يتلقاها ليلا ونهارا من أشخاص مجهولين، يسبونه بأحط الشتائم، ويتوعدونه بسفك دمه وحرق بيته ومكتبه.. ورغم ذلك، كنا قد تصورنا أن كاتبا على هذه الدرجة من الجرأة، لابد أنه يتمتع بحراسة أمنية تجعله بمنأى عن هذه التهديدات!

ولكن الجماعات الظلامية نفذت تهديدها، وما أن جاءنا الخبر حتى سارعنا بالانتقال إلى مستشفى الميرغنى، وأكثرنا تشاؤما لايتصور أبدا أن الإصابة ستكون قاتلة، لسبب واحد فقط، هو أن المكان الذى كان مسرحا للجريمة يكتظ دائما بالبشر والسيارات وخصوصا فى هذه الساعة التى وقعت فيها الجريمة، وأن الإرهابى الذى أطلق الرصاص عليه لابد أنه كان مرتبكا وعلى عجلة من أمره، وأن قيامه بتنفيذ جريمته فى هذا المكان والزمان، لن يكون أكثر من رسالة تخويف للدكتور فرج فودة لكى يتوقف عن هجومه الشرس على هذه الجماعات.

وانطلاقا من هذا التصور مَنيتُ نفسى بانفراد جديد سيحظى به الأهرام المسائى، بمجرد تماثل الدكتور فرج فودة للشفاء، كما أننا سنحظى بالحصول على أدق تفاصيل الجريمة الإرهابية، أكثر من أى جريدة أخرى، لسبب لم يكن يعرفه أحد غيري: فقد كان زميلنا مصطفى الجمل المحرر بقسم التحقيقات الصحفة بالأهرام المسائى «آنذاك»، على علاقة وطيدة بالدكتور فرج فودة، وكنت اعرف أن مصطفى يتردد عليه فى مكتبه بمدينة نصر مرة أو مرتين أسبوعيا، وأنه يتابع معه مراحل إنشاء حزب «المستقبل» الذى كان الدكتور فرج يؤسسه ويسعى لإشهاره، وكان مصطفى الجمل قد انضم إلى قائمة مؤسسى هذا الحزب، ويحضر اجتماعات التأسيس فى مقر «الجمعية المصرية للتنوير» التى قام فرج فودة بإشهارها، وشاءت الأقدار أن تقع جريمة إطلاق الرصاص عليه أمامها، وهو يستعد للمغادرة إلى بيته!

كانت شوارع القاهرة فى هذه الليلة تعانى من زحام خانق، بعد أن خرج الملايين لشراء مستلزمات عيدالأضحى الذى سيحل بعد يومين فقط، وعندما وصلنا الى المستشفى وجدناه وقد تحول إلى ثكنة عسكرية، وصدرت أوامر صارمة للضباط المحيطين بالمكان بعدم السماح لأى صحفى بالصعود إلى الطابق الذى يرقد فيه الدكتور فرج فودة داخل غرفة العمليات، ولكننا تمكنا فى النهاية من الصعود بفضل علاقة الزميل مصطفى الجمل بأقارب الدكتور فرج فودة.

من الوهلة الأولى أمام غرفة العمليات أدركنا أن الأمر شديد الخطورة، فقد توافد أمامنا على الغرفة أكثر من عشرة أطباء كبار على رأسهم الدكتور حمدى السيد نقيب الأطباء آنذاك، ومرت الدقائق بطيئة ومقبضة ونحن نتناوب الدخول والخروج من هذه الغرفة ونحاول التقاط أى أنباء دون جدوى، وبعد حوالى 45 دقيقة خرج الدكتور حمدى السيد وعلى وجهه أمارات النبأ الحزين. وما أن همس للفنان عادل إمام بجملة مقتضبة حتى أدركنا حجم الكارثة المروعة: الدكتور فرج فودة مات!!

كنت خلال ساعة واحدة من وصولى إلى المستشفى قد تلقيت حصيلة ما وصل إليه الزملاء فى مكان الحادث وداخل نيابة مدينة نصر ومقر مكتب أمن الدولة بمدينة نصر، وقسم الشرطة الذى يتبعه مكان الحادث، وكنا قد تأكدنا بعد مسح شامل لكل تفاصيل الجريمة أن هناك شخصا ستكون شهادته فارقة فى كل ماحدث. إنه السائق الخاص بالدكتور فرج الذى قال شهود عيان فى مكان الحادث إنه هو الذى طارد الإرهابيين بالسيارة حتى تمكن من الاصطدام بالموتوسيكل الذى كانا يستقلانه ويحاولان الهرب من مكان الحادث، وأن الشرطة ألقت القبض على أحد الإرهابيين بعد أن طرحه السائق أرضا وأصابه بكسور ورضوض أعاقته عن مواصلة الهرب.

فى هذه الأيام، كان الهامش المتروك للصحافة كافيا للوقوف على كثير من الحقائق. نعم.. كان هناك دائما من لايريد للصحافة أن تمارس واجبها فى الحصول على المعلومات، ولكن كان هناك أيضا هامش معقول لمن يريد أن يعرف. وهكذا حصلت بسهولة على اسم السائق محمد فاروق محمود حسن الخولى الذى كان عمره آنذاك 26 سنة، ويسكن مع والده فى شارع رياض بضاحية حلوان.

كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحا عندما وصل محمد فاروق إلى بيته بعد الإدلاء بأقواله أمام النيابة، وماهى إلا دقائق حتى كان والده يستقبلنى داخل البيت. ويأتى محمد ليدلى بأدق تفاصيل الجريمة المروعة التى كان هو شاهدها الأول، وأدق تفاصيل المطاردة المثيرة التى كان هو بطلها الوحيد. قال محمد فاروق إن الساعة كانت تقترب من السادسة مساء عندما سلم مفاتيح السيارة للدكتور فرج فودة أمام مقر مكتبه، وكان على وشك الانصراف لقضاء إجازة عيد الأضحى مع أهله، ولكنه قبل انصرافه فوجئ بموتوسيكل يجلس عليه شابان يتوقف قريبا من الدكتور وأطلق أحدهما وابلا من الرصاص عليه، وماهى إلا ثوان حتى وجد الدكتور ملقى على الأرض غارقا فى دمائه، وشاهد نجله الذى كان طفلا صغيرا وصديقه وحيد رأفت مطروحين أرضا ويصرخان من شدة الألم.. ولا يعرف محمد فاروق كيف واتته الفكرة، ولا كيف سارع الى الدكتور فرج فودة وأخذ مفاتيح السيارة من يده وقفز داخل السيارة وأدار محركها وانطلق خلف الموتوسيكل الذى سارع بالهرب من المكان، وعندما أوشك على اللحاق به انعطف الإرهابى فى شارع جانبى وسار عكس الاتجاه ظنا منه أن السيارة لا يمكنها السير عكس الاتجاه ايضا، ولكن محمد فاروق دخل خلفه وظل يتحاشى سيل السيارات القادمة بأعجوبة، حتى لحق بالموتوسيكل ودخل فيه من الخلف، وخلال ذلك كله كان الجالس. خلف سائق الموتوسيكل يطلق عليه وابلا من الرصاص لإصابته أو قتله وإعاقته عن اللحاق بهما، ولكنه تمكن أخيرا من طرحهما أرضا وانقلب الموتوسيكل فوق أحدهما، فيما كان الثانى يواصل إطلاق الرصاص على السائق محمد فاروق الذى تمكن من الاختباء داخل عمارة حتى جاءت الشرطة وألقت القبض على الارهابى المصاب فيما تمكن الثانى من الهرب.

المثير فى كل ماحدث آنذاك أن مدة عمل محمد فاروق مع الدكتور فرج فودة لم تكن تجاوزت الشهر، وأنه أيام معدودة من التحاقه بالعمل معه عرف من يكون هذا الشخص، وأنه مهدد بالاغتيال من الجماعات الارهابية.. وأن الدكتور فرج أطلعه بنفسه على هذه الحقائق وخيره بين أن يعتذر عن الاستمرار فى العمل حفاظا على حياته، أو يستمر معه، ولكن محمد فاروق اختار الاستمرار قائلا: «الأعمار بيدالله يادكتور».

آنذاك سألت محمد فاروق: ألم تخف من القتل وأنت تطارد إرهابيين مسلحين؟.. فأجاب: لم أفكر إلا فى شىء واحد.. هو اللحاق بهما ودهسهما بالسيارة وسألته: لماذا فعلت ذلك، وكل علاقتك بالدكتور فرج فودة لاتزيد على شهر واحد؟.. فأجاب: «العيش والملح يا أستاذ.. الراجل دا أنا أكلت معاه عيش وملح.. إزاى أشوفه بيضرب بالنار واسكت».. ويومها تدخل والده الحاج فاروق ليقول: لو ابنى ماعملش اللى عمله كده كان هينزل من نظرى العمر كله.. دا عيش وملح يابنى.. بس ياريت اللى عمله كان جه بفايدة».

فى مقابل بطولة العيش والملح وواجب العيش والملح، جاءت أقوال المتهم الأول عبدالشافى أحمد رمضان أمام النيابة لتؤكد أنه مجرد بائع سمك لايقرأ ولايكتب، وأنه فعل ذلك مع زميله أشرف سعيد، لأن أمير التنظيم أبو العلا عبدربه قال لهما إن الدكتور فرج فودة كافر وطلب منهما قتله. وعندما سأله المحقق عن سبب اختيار هذا التوقيت لتنفيذ الجريمة قال عبدالشافى: «علشان أحرق قلب أهله عليه قبل العيد».

ومرت الأيام والشهور والسنوات.. مياه كثيرة جرت فى نهر الحياة، تم اعدام عبدالشافى رمضان وأشرف سعيد، وتم القبض على المحرض والممول أبو العلا عبدربه وقضت المحكمة عليه بالسجن المؤبد، ولكنه خرج من السجن بعفو رئاسى أثناء حكم الاخوان، وما أن خرج من السجن حتى تحول إلى أحد النجوم الذين تسعى الفضائيات إلى استضافتهم، وفى عدد من البرامج أخذ يؤكد أنه ليس نادما على تمويل قتل الدكتور فرج فودة، ولكن لو عادت به الأيام إلى الوراء فربما لن يلجأ إلى القتل مثلما كان يفعل وهو شاب. وبعد سقوط حكم الاخوان وفض اعتصامهم فى رابعة والنهضة فى أغسطس من عام 2013، اختفى أبو العلا عبدربه من القاهرة، وقيل أنه تمكن من الهروب إلى سيناء، وظلت الأنباء عنه غير مؤكدة حتى أعلن تنظيم داعش فى مارس 2017 أن أبو العلا لقى حتفه فى سوريا أثناء قتاله مع التنظيم الارهابى ضد الجيش السورى.

ولكن خلال وجود أبو العلا خارج السجن، وأثناء استضافته فى الفضائيات، عادت أسرة الدكتور فرج فودة كما تقول ابنته سمر فودة لتعيش مواجع قتله من جديد.. وكان حضور منصات التواصل الاجتماعى فى العقد الأخير وبهذه الكثافة سببا إضافيا فى نهش الجراح وتقليب المواجع كلما حلت ذكرى رحيل الأب.. فحتى الآن مازال أعضاء الجماعة الإرهابية ومعهم طيف واسع من السلفيين لايذكرون الرجل إلا بوصفه مرتدا يستحق القتل. صحيح أن كل توقعات الدكتور فرج عن هذا الإرهاب الغادر وعن هذه الجماعات الكافرة بالوطن، قد تحققت تماما، وصحيح أن كل أطياف النخبة المصرية والعربية تأكدت من صحة مقولات الدكتور فرج فودة عن هذا الإرهاب الأسود.. ولكن الحضور الغادر والمنظم لأعضاء الجماعات الإرهابية على منصات التواصل الاجتماعى، مازال هو الأكثر صخبا.. ومع كل ذكرى للحادث الإرهابى الموجع،تسارع هذه القطعان السائبة لإحياء الذكر بفرح خسيس ومغالطات إجرامية تثير مزيدا من الحسرة والوجع فى قلوب العارفين بفضل هذا المفكر الشهيد الذى فضحهم وكشف الأقنعة عن وجوههم الشائهة، وراح منذ أربعين عاما يكشف يوما بعد يوم، ومقالا بعد مقال، وكتابا بعد كتاب، عن مستقبل الحياة تحت سطوتهم.. والمدهش أن كل ما توقعه هذا الرجل قد تحقق بدقة متناهية.. وكأنه رحمه الله كان يقرأ من كتاب مفتوح..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق