رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إسرائيل واعترافات ما بعد العنصرية

بشكل متزامن وقع فى القدس وفى مدينة منيابولس الأمريكية فى نهاية شهر مايو حادثان أقرب للإعدامات الميدانية أو محاكمات الشوارع الداعشية من سلوك متحضر، وسرعان ما انطلقت أصوات يمينية متطرفة فى إسرائيل تنكر أى وجه مقارنة بين عنصرية الولايات المتحدة وعنف شرطتها المتكرر ضد السود وما يحدث فى إسرائيل بشكل ممنهج بواسطة سلطات الاحتلال.

رد الفعل الإسرائيلى تجاه الواقعة نبع من متابعته ردود الفعل العنيفة وغير المسبوقة بعد قتل الأمريكى الأسود جورج فلويد جراء خنقه أمام الكاميرات تحت ركبة شرطى أمريكي.. خاصة وأن وقائع أكثر بشاعة تكررت ضد فلسطينيين عزل، بل ضد مهاجرين من أصول إثيوبية. محاولة استيعاب الغضب وصرف النظر عن المقارنات دفع نيتانياهو إلى التعبير عن أسفه لمصرع الشاب الفلسطينى إياد الحلاق، رغم كونه يعانى إعاقة التوحد ووجوده برفقة مُدرسته التى أبلغت عناصر الأمن الإسرائيلى بحالته. فقال: لم يكن هناك مبرر لحدوث ذلك والحادث مأساوي! لكنه تجاهل تماما وفاة طفلة فلسطينية ذرفيف قراعين 4 سنوات-فى القدس الشرقية أيضا متأثرة برصاصة طائشة أصابتها خلال تناول إفطار آخر أيام رمضان مع أسرتها داخل منزلها القريب من قاعدة لجيش الاحتلال. كما تجاهل نيتانياهو جبر ضرر وترضية خواطر الاثيوبيين بإجراءات عملية ضد عنصرية مستمرة وممنهجة ضد حتى بنى جلدته من مهاجرين جدد،خاصة الشرقيين، الاثيوبيين. وهو ما عبر عنه تصريح لقائد الشرطة الإسرائيلية حين علق على احتجاج الاثيوبيين المتكرر على اضطهاد الشرطة الإسرائيلية: طبيعى أن تشك الشرطة وتشتبه أكثر فى العرب، والأثيوبيين!.تحركات الجانب الإسرائيلى للتعاطى السريع مع حادث جورج فلويد يجب ربطها بمصادر إعلامية غربية رصدت احتمالية تلقى الشرطة الأمريكية تدريبات وتبادل خبرات خاصة عام 2019 على يد عناصر إسرائيلية جعلت هذا الإجراء ضد جورج فلويد يؤدى لتلك النتيجة فحسب الشائع فى الأفلام الهوليوودية يتم إبلاغ من يتم إلقاء القبض عليه فورا بحقوقه ثم نقله لسيارة الشرطة مع الحرص على حماية رأسه من الارتطام بجسم السيارة.. فرغم أن الشرطة الأمريكية سبق لها استخدام العنف مرارا ضد السود فى عهد بوش ثم باراك أوباما إلا أن الطريقة اختلفت هذه المرة مما يشى بالتأثير الإسرائيلي.

لقد تجاوزت العنصرية الإسرائيلية اتفاقيات دولية وقعت عليها تل أبيب، بل تتجاوز القوانين الإسرائيلية ذاتها.. فالعنصرية ضد المهاجرين الجدد رصدها على سبيل المثال فيكتور نحمياس (كاتب يهودى من أصل مصري) من خلال تجربته الشخصية حين وصل لإسرائيل سافر من ميناء حيفا لمستوطنة قرب القدس فى شاحنة مع متاع وحقائب تم اختياره مسئولا عنها فيقول: فى مؤخرة الشاحنة كنت كمن يسير معطيا ظهره لاتجاه السير، لذلك لم اتمتع بمشاهدة الطريق الذى كنت أراه بأثر رجعي. وقد توقفت الشاحنة فى شارع ما فى مدينة ما .. وأوقف السائق موتورها. وبعد دقائق من الانتظار اكتشفت السائق جالسا فى مقهى على الرصيف يرتشف القهوة ناسيا أو متناسيا أن هناك مراقبا له ملطوعا فى مؤخرة الشاحنة ولم يفكر فى أن يعرض عليّ النزول لشرب القهوة معه. وكان ذلك أول درس لى عن نظرة سكان إسرائيل للقادمين الجدد فهم يحبون الهجرة إلى إسرائيل، لكنهم يكرهون المهاجرين(!). وكانت صدمة تبعتها صدمات أخري. أقلها وقوع والدته فى حالة انهيار عصبى بعد أن شاهدت شقتهم الجديدة التى لم تكن سوى كوخ من الصفيح مساحته 15 مترا بدون كهرباء وبدون دورة مياه أو حتى صنبور. والأغرب استمرار تلك الأوضاع لعقود بشكل خاص مع المهاجرين من أصل إثيوبى حيث أقام فى أكواخ مؤقتة أقرب لبطاريات تربية الأرانب -حسب وصفهم- لسنوات وسنوات. وهى أوضاع رصدتها كذلك الأديبة دوريت أورجيد المعنية بالشأن الإثيوبي، والأديبة أورلى كاستل بلوم ذات الأصول المصرية.

إن المقارنة بين عنصرية إسرائيل ضد الفلسطينيين وعنصرية شرطة الولايات المتحدة ضد السود تقودنا إلى أن تل أبيب يمكن تصنيفها على أنها تمارس ما بعد العنصرية، فهى تمارس سياسات أكثر تبجحا، لأن عنصريتها تشمل فلسطينيى الداخل وشرائح تتعاون كثيرا مع السلطات الإسرائيلية مثل البدو الدروز. تل أبيب تحاول امتصاص الغضب واستيعابه بأقل خسائر حتى لا تتفجر فى الداخل والخارج حملات تعاطف وغضب، مع الوضع فى الاعتبار أن واقعة إياد الحلاق وجورج فلويد كانت فى نهاية مايو ولم يتم تقديم ترضيات إلا بعد اندلاع موجات الغضب والعنف فى شوارع الولايات المتحدة وعدد من مدن العالم. ويجب الوضع فى الحسبان فى أى مقارنة أن المواطن الأمريكى الأسود فى النهاية له حق الترشح والانتخاب، وهو ما لا يتمتع به الفلسطينيون فى القدس المحتلة ولن يتمتع به الفلسطينيون الذين بدأ العد التنازلى لضم أراضيهم لإسرائيل.. ولن يحصلوا على أى خدمات أساسية مثل التعليم والصحة والنظافة والأمن من أجهزة الاحتلال وميزانيته!! أى أن إسرائيل بالإضافة لعنصريتها الفجة المقيتة لا تمنح الفلسطينيين أى حقوق وبالتالى تمتنع عن سداد فاتورة الاحتلال. وهو ما يستوجب تحركا فلسطينيا سريعا يتجاوز الانقسام ومصالح الفصائل السياسية الضيقة، ويستبق مساعى الضم المجانى لثلث أراضى الضفة (وهو وعد انتخابى لنيتانياهو لا يعارضه شريكه الجنرال بينى جانتس). كما يستوجب إطلاق مبادرات توعوية وتحصينية عربية تحسن مخاطبة الرأى العام الدولى كتلك التى رعتها مؤسسة الأهرام منذ نحو عقدين حين دعمت منظمة لمناهضة التمييز العنصرى رصدت وصنفت الجرائم العنصرية الإسرائيلية ذ وشارك فى عملها كاتب هذه السطور- بالإضافة لترجمة المحتوى من العربية إلى لغات أجنبية لفضح مرتكبى تلك الممارسات الذين لطالما روجوا الأكاذيب بشأن احترامهم لحقوق الانسان وللديمقراطية ولحرية التعبير، بل لم يتورعوا عن محاولة تلقيننا دروسا فى هذا الصدد.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد فؤاد أنور

رابط دائم: