رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اختراع العزلة

ربما كانت من المرات النادرة التى نجد فيها لرواية قصيرة ـ لا تزيد عدد صفحاتها على المائة ـ أكثر من عنوان، والعنوان الثانى المدون على الغلاف: بورتريه لرجل غير مرئي. عندما كنت أقرأ هذه القصة المركزة نفذت للقلب مباشرة. لمت نفسي، وأدركت أن مشكلتنا فى هذا الجزء من العالم أننا بعد أن نقرأ رواية من روايات القرن العشرين نتصور أنها ربما كانت الكلمة الأخيرة فى كتابة الرواية. ولا رواية بعدها. لم أتصور أنه يمكن أن تكون هناك كتابة روائية تتجاوز هيمنجواي، وشتاينبك، وقبلهما باسوس، هؤلاء الكتاب من أمريكا، عاصرهم نجيب محفوظ من مصر، ومارلو، وكامي، بفرنسا، وكازانزاكس فى اليونان.

فى الكتاب قصتان طويلتان، ذكرنا الأولي. والثانية: الذاكرة. خلال القراءة فكرت أن هذه البلاد أمريكا ربما اختلطت مشاعرى تجاهها بسبب نبلها الأدبى وتألقها الفني. وأحاول الآن البحث عن تعبير مقبول يناسب سلوكها السياسي. خصوصا فى زمن من يقودها الآن إلى المجهول.

يبقى الفن ويَخْلُدْ الأدب، فى حين أن السياسة تعانى المتغيرات اللحظية. ولا أقول الشهرية أو السنوية. أبدأ من صانع المتعة التى أصبحت نادرة فى زماننا: بول بنجامين أوستر. المولود فى 3 فبراير 1947، أربعينى الميلاد، ستينى الكتابة والإبداع. تقول عنه موسوعات الأعلام فى بلاده إنه كاتب ومخرج. وأعترف بأننى لا أعرف ماذا أخرج؟ وتلخص مشروعه الروائى دوائر المعارف الدولية بأن ما يكتبه من أدب خليط بين العبثية والوجودية. وأدب الجريمة والبحث عن الهوية واللهاث وراء المعانى الإنسانية. من مؤلفاته، ومن المؤكد أنها ترجمت إلى العربية، لأن عقلى المتعب والمرهق يحتفظ بصور وعناوين أغلفة ترجماتها العربية بمشاهد تؤكد أنها ربما كانت عندي. ولكن مكتبتى غير منظمة للأسف الشديد. كما أن فعل القراءة يحتاج الكثير من المحفزات والذرائع، والعمل الذى لم تقرأه بعد يبقى مجهولا بالنسبة لك. وتحتاج لدوافع للقراءة ربما كان منها كتابات النقاد المحترفين، وقد أصبحوا قلة. أما النقاد الجدد فهم يكتبون وينشرون فى أضيق الحدود. تأخذنى حالة السعادة التى هى ابنة القراءة الأولى لهذا الروائى لكثير من الإستطرادات. من أعماله: ثلاثية نيويورك 87، قصر العمر 89، موسيقى الصدفة 90، كتاب الأوهام 2002، حماقات بروكلين 2005. وروايته ـ اختراع العزلة ـ لا تبدأ مثل كل الروايات التقليدية من صفحتها الأولي. ولكنها تفاجئنا فى الصفحة التى تحمل رقم 47، أى منتصف الرواية تماما بالمؤلف يكتب: فى بداية كتابة هذا النص ظننت أن الأمر سيكون عفويا. متدفقا أشبه بالغيبوبة. فقد كانت رغبتى فى الكتابة طاغية إلى درجة جعلتنى أظن أن قصتى ستكتب نفسها بنفسها. الحدث الرئيسى فى الرواية هو وفاة الجد. والد الروائي. ونحن نرى الجد الذى يظهر فى الرواية بضمير الغائب أحيانا. لكن ها نحن أمام أجيال يقودها حادث الوفاة. الروائى يتعامل مع ضمائر الحكي: أنا، هو، أنت، بحرية تامة. ولا ينتمى لأنواع من الروائيين الذى ما إن يبدأ الروائى الكتابة مستخدما ضمير المتكلم حتى ينهى فقراته بنفس الضمير. كأن هناك ما يلزم الروائى الاستمرار فى استخدام الضمير. ثم تأتى فقرة أخرى بضمير الغائب. ولا بد أن تكتمل هكذا. أعرف أنه ما أندر الروائيين الذين استخدموا فى سردهم ضمير المخاطب: أنت. نظرا لصعوبات كثيرة. ولندرة الروائيين الذين استخدموه. ولن أجازف بذكر أسماء روائيين أو روائيات اعتمدوا على هذا الضمير.

يعترف أوستر بأنه لم يشعر عندما كان يكتب اختراع العزلة أنه يروى سيرة حياته. بقدر ما كان يحاول استكشاف أسئلة تهم الناس جميعا. ويُصَدِّرْ روايته بعبارتين، الأولي: لهيرا قلطيس، تقول: خلال بحثك عن الحقيقة كن على أهبة الاستعداد لغير المتوقع. فدرب الحقيقة شاق وملغزة هى حين العثور عليها. وإن كان قد بدأ روايته بهذا الاستشهاد. فإنه يضع على الغلاف الخلفى عبارة لباسكال بروكنر. وهو كاتب وفيلسوف فرنسى معاصر: وجهة نظر أوستر تختلف عن غيره من الروائيين. فى أنه يعترف بانتمائه إلى عائلة وتقاليد وثقافة. لكنه يدرك أيضا أن هذه الصلات تنطلى على إشكالية كبيرة. وكما يقول رينيه شار، أنه إرث الغموض فى غياب الوضوح، وبما أنه ليس من معنى يحتل الصدارة. فإن لعنة الحداثة نفسها شأنها شأن العزلة والتقليد، يجب إعادة اختراعها وإعادة خلقها بالمعنى الحرفى للكلمة. لدينا روائى يكتب وهو يراقب نفسه أثناء الكتابة. ويخاف من الكتابة. ويخشى كثيرا من قول الحقيقة. وهو ما يجعل كتابته خليطاً من القتل والدم والدموع. بل إنه يقدم أبطاله، أو الذين ليسوا أبطالا، على أنهم يمثلون شعبا من المهاجرين والقتلة والبخلاء.

من قبل قرأنا لروائيين كبار ولم نضبط أحدهم متلبسا بالاقتباس خلال السرد من روائى غيره. ولكننا هنا مع بول أوستر نكتشف أنه خلال الحكى الروائى يتوقف لكى يستشهد بعدد من الكُتَّاب الكبار. مثل مارسيل بروست الذى يعد من أهم روائيى القرن العشرين، صاحب: البحث عن الزمن الضائع. يتعامل أوستر مع نفسه كما لو كان يدون فى صحيفة يومية أو أسبوعية. وهكذا نجد فى الطباعة بعض العبارات ببنط أكبر من بنط الكتابة العادي. نقرأ مقتل هارى أوستر، وعلى السطر التالى نجد أمامنا: الشرطة تعتقل الزوجة. والبنط الكبير أكثر سوادا من الطباعة العادية. ويكمل الروائى لعبته الزوجة تقول إن زوجها أقبل على الانتحار. لو قرأت هذه القصة الطويلة أو الرواية القصيرة. إن وفقت فى العثور على نسخة منها ستكتشف جمال أو عذوبة الكتابة الخفية أو التنكرية. كما لو كان الكاتب ينشر ما كتبه مستعيرا اسم كاتب آخر.

فى الصفحة الأخيرة من الرواية نقرأ ما يعطينا الانطباع أننا نبدأ قصة جديدة. أحداثها بدأت قبل كتابتها واستمرت بعد الانتهاء من الكتابة. إنها لعبة السرد التى تجعل القارئ شريكا للروائى بخلق الرواية.


لمزيد من مقالات ◀ يوسف القعيد

رابط دائم: