رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حليم والحب المستحيل

الحب طاقة هائلة، لها وهج الشمس، ضوء القمر، ثورة البحر، عصف الريح، غموض الجبل، عمق الصحراء، عطر الوردة، سحر الموسيقي، رحمة السماء، وخفايا النفس البشرية.

وحين سقط عبد الحليم حافظ في حب دافق وسبح إلي أعماقه، اكتسي صوته بحزن فائق له شجي الليل ونواح عصفور جريح، فخرجت كلمات أغانيه الملتاعة كنداءات قادمة من فضاء مسحور..نداءات هامسة من دقات قلب ينزف: في يوم في شهر في سنة تهدي الجراح وتنام.. وعمري جرحي أنا أطول من الأيام. وهو نفسه الذي غني قبلها: في يوم من الأيام كان ليَّ قلب، ويَ المحبة هام وياريت ما حب. لكن الفارق بين إحساسه في الأغنيتين هائل، مع أن الزمن بينهما لا يزيد علي ثلاث سنوات. كان يغني (في يوم من الأيام) بإحساس مطرب صادق المشاعر يلوم حبيبته التي لم تنتظره، لكن (في يوم في شهر في سنة) كان يغني بصوت عاشق ذابل ينعي محبوبته التي رحلت عنه بلا عودة ولن تغادر مشاعره لها أبدا.

وبمناسبة عيد ميلاد عبد الحليم حافظ الحادي والتسعين اليوم خطر لي سؤال: هل كان ممكنا أن ينحرف درب عبد الحليم لو تزوج محبوبته (ديدي)، وانشغل معها بولديها من زوجها السابق وحضانتهما ومرضها وغيرها؟ صحيح أن لو تفتح باب الشيطان في الواقع، لكنها سر من أسرار اللهفة والتشوق والرغبات المكبوتة في الفن والحب. ولا أظن أن تلك الـلو يمكن أن تهبط علي واقع الحب في حياة حليم أبدا، لأن حليم كتلة من المشاعر المُعَذَبْة، منذ وعيه المبكر، عذابات شكلت وجدانه، وشحذت مشاعره ورققت إحساسه، فأكسبت صوته العذوبة النافذة إلي قلوب جمهوره، وكلما غني عبد الحليم وجعا أو حزنا أو شجنا، تقصر المسافة بين صوته ومستمعيه، بل تكاد تتلاشي وتصير القلوب صدي مباشرا للصوت وأنغامه وكلمات أغانيه. ولو قسمنا حياة حليم الغنائية إلي مراحل، في علاقته بجمهوره وولعهم به، ستكون مرحلة الحزن النبيل في أغانيه هي الأعلي انتشارا وسكنا في قلوبهم: يا قلبي خبي، تخونوه، أهواك، بعد إيه، فوق الشوك، بلاش عتاب، جبار، قوللي حاجة، راح، لست أدري، أنت قلبي، رسالة من تحت الماء، أنا ذنبي إيه، ظلموه، حاول تفتكرني..وغيرها. وأيضا أغانيه التي يمس فيها الحب شغاف القلب غازيا مجهولا، يحرضه علي الحياة والشوق والأحلام: أنا لك علي طول، الحلو حياتي، كفاية نورك عليَّ، توبة، أول مرة، شغلوني، بتلوموني ليه، نار، الليالي، مغرور، الحلوة، جواب، بأمر الحب، خايف مرة أحب..الخ. كان حتميا أن تفشل حكاية الحب التي تمكنت منه في منتصف الخمسينيات ودامت خمس سنوات، وانتهت بموت حبيبته ديدي بين يديه، فتصعد به أحزانه النبيلة إلي قمة الصدق في التعبير عن مشاعره وما يجيش في صدره من وجع ولوعة، وحين نستمع إليه وهو يغني في يوم في شهر في سنة نجده يسكب مشاعره في الكلمات، أو تحفر الكلمات وجعها في مشاعره، فيبدو قلبا خالصا ينزف، لا يري الناس ولا يضعهم في حسبانه، هو يناجي نفسه ومحبوبته التي رحلت عن دنياه، لعلها تسمع وحدها مناجاته فتعود من الغياب الأبدي. وأتصور أن عبد الحليم حافظ كان يبحث عن هذا الحب المستحيل، وكل ما قيل عن دقات قلبه قبلها، كان جزءا من الابحار علي غير هدي، وربما كان ابحارا في خياله فحسب، حتي تلك الحكاية التي وصفها بالحب الأول، لفتاة عملة في مصنع، وكتبها بنفسه في مجلة أهل الفن، في 19 سبتمبر 1955، هي أقرب إلي رسالة خفية لـديدي، التي تعرف عليها لأول مرة في صيف ذلك العام، رسالة يعترف فيها بأنه لم يحب من قبل، وبأن الفوارق الطبقية قد تكون حائط صد لا تنفذ منه الأمنيات إلي الواقع.

وديدي بنت باشاوات جدا، ومتزوجة من دبلوماسي، أنجبت منه ابنين، وصادفها حليم في الإسكندرية، حين كان يقضي بعض أيام الصيف علي شاطئ ميامي مع إحسان عبدالقدوس وشلته، وعرف منها أنها علي خلاف مع زوجها.صحيح أن الحب حالة غامضة ينبت فيها للإنسان جناحا نسر، وصوت كروان وشعاع فجر وتلألؤ نجمة وهمس ليل وعزف أرغول وحنين مهاجر ووصال من الله، لا تصده حصون طبقية أو قلاع اجتماعية، لكن الظروف المحيطة به تجعله حبا مستحيلا، لم يحاول حليم الهروب منه أو حبسه خلف جدران الصمت والصبر قبل أن تطلق ديدي من زوجها. هل كان حليم يمضي علي درب قصص الحب الحزينة في التراث العربي والعالم؟ ربما، فالعرب لم ينسوا مجنون ليلي وأشعاره التي خلدت تلك القصة الشجية، ولا كثير عزة، وجميل بثينة، فلماذا لا يكون لحليم قصته مثلهم أو مثل أشهر حكاية حب علي كوكب الأرض روميو وجولييت التي كتبها وليم شكسبير، وخلدها الموت. وإذا كان الموت انزل الستار علي حكاية ديدي، ماذا فعل حليم في حبه التالي؟

تكثر الحكايات والشائعات لكن حكايته مع سعاد حسني واقع رصده الأصدقاء المقربون منه، وقالوا فيها كثيرا، ولا تعنينا صحة التفاصيل، لكن هناك سؤالا: أليست سعاد حبا مستحيلا لحليم للمرة الثانية؟

سعاد فنانة متألقة، عاشت حياة صعبة مضطربة من طفولتها، التقطتها السينما وهي بالكاد تعبر سن المراهقة، بلا خبرات، مادة خام، وعالم السينما في جانب منه رمال متحركة من يسقط فيها يخسر براءته وبساطته. وحليم يبدو فنانا عصريا في كلامه وملابسه وتصريحاته وأفلامه وأغانيه، لكن تحت جلده تسكن قرية الحلوات شرقية، بتقاليدها الاجتماعية وموروثاتها الثقافية، وهذه الموروثات مثل وساوس الشيطان تحيل دماغ العاشق إلي مركز بركان نشيط، تتطاير منه الحمم، ولا يخمد أبدا. وأظن أن قصيدة حبيبها التي كتبها كامل الشناوي، اختارها عبد الحليم حافظ قاصدا: فلم تزل تلقاني وتستبيح خداعي..بلهفة في اللقاء برجفة في الوداعِ، بدمعة ليس فيها من الدمعِ إلا البريق..برعشة هي نبض بغير عروق.

صحيح أن كامل الشناوي كتبها خاتمة لثلاثية رائعة بدأها بـلاتكذبي، ثم لست قلبي، لكن كل العشاق في الحب المستحيل شرق.

[email protected]


لمزيد من مقالات ◀ نبيـــل عمــــر

رابط دائم: