رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تماثيل الجان

سمر نور

 إلى صاحب «خافية قمر»، إلى النبيل محمد ناجى




ما رواه عمر

الميكروباص يطير فوق طرقات خالية على غير عادتها. سائق الميكروباص يقود بمخيلة طيار متقاعد؛ لا تستوقفه إشارة، أو تشغله مخاوف ركاب العربة الطائرة التى يعصر عجلة قيادتها بين كفيه. يتحدى العالم بحنكة مَن خَبَرَ الموت، كل سائقى الميكروباص هكذا، فما بالك والطريق خالٍ تمامًا من البشر، فقط برودة رطبة، وأرض مُوحلة، ومطبات متوقعة. ما الذى يمكنه الوقوف فى وجه طيار متقاعد فى ليلة مثالية للجنون؟!.

انحنى السائق عند شارع جانبى فى محاولة لاختصار طريقه، لكنه هدّأ من سرعته الجنونية فجأة، وتوقف. شارع بارد ومظلم، ورجل وحيد يستأنس بزخات المطر، أوقف العربة فى ثانية واحدة، كأنها لم تكن طائرة منذ قليل.عند المنحنى تبدّى هيكله البشرى، ملتحفًا بمعطف مطر، وحين توقف الميكروباص وانزلق بابه رأيته؛ كان جسد «محمد» الضئيل ينساب عبر فتحة الباب المنزلق، ويحتل المساحة الواقعة خلف مقعدى فى بساطة، ودون أدنى إشارة تنم عن معرفة سابقة.

العربة تكمل طريقها فوق المطبات المائية، والمستنقعات التى امتلأت بسبب قطرات مطر خفيفة.

أتخيله يجلس ورائى بابتسامته الهادئة التى تثيرنى كثيرًا، كما رأيته أول مرة أمام مسجد السيدة زينب. كان يرتدى آنذاك بدلة كاملة فى حر يوليو دون أدنى تذمر، لابد أنه الآن يرتديها تحت هذا المعطف.

العجلات تنزلق فوق أسفلت كورنيش المعادى غير مبالية بالأفكار المتداعية.

فى صباح يوم من شهر يوليو الماضى، كنت مع «باسم» فى الطريق إلى ميدان السيدة زينب. وجه الطريق المألوف لا ينكر تشوهه بزوائده من البشر والعربات، يركن صديقى سيارته تحت بيت فى شارع جانبى بجوار محل سوبيا «الرحمانى»، ننهى أكواب السوبيا بسرعة، قبل أن ننطلق إلى الميدان سيرًا على الأقدام، وباسم يكمل حكاية «الجارية السوداء»، التى بدأ فى حكيها، ونحن ننهى مشروع مسلسل الكرتون قبل تسليمه للعرض فى الفضائيات. وضعت اللمسات الأخيرة على الأوراق، وأصابتنى نوبة ضحك، واحمّر وجه صديقى أكثر من اللون الأحمر القانى الذى كان يلون التفاصيل، ومع ذلك لم أتردد كثيرًا حين اقترح عليّ مرافقته فى لقاء هذا الرجل المدّعى ذى الكرامات، لحل مشكلة أخته التى تأخرت فى الزواج. بدا الأمر مثيرًا للسخرية والفضول فى آنٍ واحد، إلى حد دفعنى لتأجيل موعدى مع «دنيا».

لا تبعد السيدة زينب عن المنطقة التى عشت فيها مع أهلى منذ طفولتى، حى عابدين، لكنها مع ذلك ترتبط لديّ بالفن أكثر من الواقع، منذ سنوات لم أمشِ فى شوارعها، فأجدنى أبحث بين وجوه أهلها عن شخصيات سكنت لوحات عبدالهادى الجزار، التى تفضلها «دنيا»، وتبدّل بينها كخلفية لجهاز اللاب توب الخاص بها، كنت أبحث عن بشر يطلون من لوحات مرحلته السحرية، كما تراها دنيا، تلك التى تمتلئ برموز من الموروث الشعبى حيث تَحضُر الخرافة بثقلها، فتمنحك شعورًا نابعًا من داخلك. لم تكن تلك اللوحات تثير فى نفسى أكثر من الشفقة على هؤلاء المعلقين بثقل اللاوعيْ وخرافاته، المسيرين نحو الجنون بكامل إرادتهم، وتخيلت الشيخ محمد مجرد مجذوب، يخرج من لوحة لم تتم لفنان دنيا المفضل.

مشهد يستحق التخيّل، جسد ضخم ببذخ، ولحية بيضاء كثيفة، وعينان عميقتان تستدعيان الجلال والوقار وقوة التأثير.



أهلًا بالشباب.

كان يفتح ذراعيه مرحبًا، ببدلة أنيقة فوق جسد نحيل، وملامح دقيقة تزينها ابتسامة وديعة خارجًا من المسجد العتيق، وحذاؤه تحت إبطه، قبل أن يجلس على درجة السلم الوحيدة ليدخل قدميه فى الحذاء.

- هناك مقهى قريب...

لوّح بذراعه بعيدًا، قبل أن يحتوينا بذراعيه، ويقود مسيرتنا حيث أراد.

فى ليلة من ليالى ألف ليلة وليلة، حكت شهرزاد عنها. كانت فتاة جميلة كالبدر، فى عينيها عسل صافٍ، وفى خدها شامة، وشعرها الأصفر يميل على خصرها النحيل؛ فيأسر رجال الإنس والجن. طلب خطبتها ابن العم، لكنه ما لبث أن رحل عن البلاد دون أن يبدى الأسباب، وتوالى الخُطّاب يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، ولم يعد أحد يحكى عن سبب الرحيل، حتى تناقلت الأخبار فى أنحاء البلاد، عن أن الأميرة ما هى إلا جارية سوداء.

-كل مَن تقدم لخطبة «سامية» غادر بلا عودة، حتى عرف أهل الحى كله، وجميع أفراد العائلة أن أختى تتحول إلى «حبشية» فى عينى من يخطبها.

- يبدو أن عرسانها مثلك، لا يفضلونهن سمراوات.

لم أستطع أن أمنع نفسى عن إلقاء هذا التعليق، وأنا أستر ابتسامة خبيثة تكاد تقفز على الجالسين، وشبه ابتسامة تنفرج فى تجاعيد وجهه. بدا الإحراج على «باسم» إلى حد دعانى للتحكم فى انفعالاتى، وعدم التعليق مرة أخرى، لم يكن «محمد» ينظر إليّ، بدا كطفل يستمع إلى حدوتة قبل النوم، وعيناه مثبتتان بقوة على الراوي؛ حتى لا ينام قبل أن تنتهى الحكاية، والحكاية انتهت، ولم تنغلق عينا محمد أو تتحرك شفتاه!

ظلّ الصمت مسيطرًا على الجلسة، وعينا محمد مثبتتان حيث كانتا، إلى أن نطق باسم مستحثًا إياه.

-والحال على ما هو عليه.

-خير بإذن الله.

قالها «محمد»، ثم حوّل وجهه نحو حقيبة بآلية. لم أكن ألحظ تلك الحقيبة السوداء الكبيرة التى بدت كجعبة الساحر قبل هذه الحركة التلقائية، وكنا كجمهور السيرك ننظر إلى أصابع الساحر وهى تلتقط أدوات اللعبة، لكن أصابع محمد أخرجت من الحقيبة جرائد، أخذ يتصفحها فى سرعة، معلقًا على عناوينها، وهو يرتشف الشاى، متجاهلًا صمتنا.

-سعر الدولار وصل إلى السماء، كل شيء فى البلد ركبه مائة عفريت..

............................................................

-معدل الجريمة يزيد كل يوم. الناس تأكل بعضها بعضًا. الأب يغتصب بناته، والأم تقتل أولادها، والفساد تحكّم فى الضمائر. خلاص يا أساتذة.

............................................................

أخيرًا، نظر إلينا محمد كأنه اكتشف وجودنا فجأة، ليدعونا إلى الحوار بعد مونولوجه القصير! يلاعبنا الحاوى بطريقته، ويدير عرضه فى اتجاه جذب أنظار الجمهور. أقرر مشاركته فى اللعبة تاركًا صديقى فى صمته، فمددت يدى إلى كوبى، وبادلته الحديث، وأنا أراقب وجوه الجالسين، كأنى أبحث عن «محاسيب السيدة» الذين شدّوا عبدالهادى الجزار المولع بالخرافة. الوجوه التى كان يراقبها أثناء طفولته ومراهقته لم تعد هنا، أو أن ملامحها تبدّلت، حتى أننى لم ألحظ وجودها بين المارة أمام المسجد، أو الجالسين فى المقهى.

بادلنى «محمد» اللعب، وانتقل فى حديثه من منطقة لأخرى، لم يتوقف عن تصفح جرائده، والتعليق على ما بها من أحداث، منتقلًا بين مقاعد السلطة والمعارضة، مقتبسًا أجزاءً سمعها من البرامج الحوارية، التى يبدو أنه متابع جيد لها. لا يمكن أن تحدد موقفه من قضية ما دون أن يتسرب من بين أصابعك كالماء. لم يتوقف عن الكلام إلا حين رنّ الموبايل بنغمة كلاسيكية راقية، نظر إلى الرقم أو الاسم الظاهر أمامه، ثم وضع كوب الشاى الفارغ، وجمع جرائده فى حقيبته منهيًا عرضه.

-وداعًا يا شباب.

- لم ترد يا شيخ!

كان «باسم» مذهولًا. لا يفهم سر اللعبة التى تدور أمامه دون مشاركته، ينتظر أن يجيبه الساحر، ويفسر له علة أخته، حتى يرتاح من مهمته العائلية الثقيلة.

لا أفهم ما تقصده!

كدت أسقط أرضًا من الضحك، ولم أستطع إخفاء ابتسامتى.

-تقصد حكاية أختك؟ يمكن أن تكون قد أصيبت بمرض نفسى؛ يدفعها للتصرف بشكل ينفر منها خطّابها، أو أن يكون كل ما يحدث مجرد وهمٍ أو إيحاءٍ. يمكننى ترشيح طبيب نفسى لو أحببت، يحتمل أن هناك عداءً بينكم وبين أحد الجيران أو نساء العائلة، أنت تعرف غيرة النساء من بعضهن البعض، يمكنها إشعال حرائق، فليس بعيدًا أن تتسبب فى إشاعة نكاية فيكم، ويمكن أن.

صمت الرجل، بدا شديد الإقناع بالنسبة لى، حتى شعرت للحظة أننى ظلمته، وأن صديقى اختلط عليه الأمر، ولم يكن ذلك الرجل هو الدجال الذى تواعد معه أمام مسجد السيدة زينب فى تلك الساعة؛ ليستشيره فى أمر سامية.

-نعم.. بإمكان صاحبك أن يقنعك بالأفكار التى تدور فى عقله، كأن أكون دجالًا مثلًا، ويمكن أن يكون هناك جنيّ عاشق لأختك، يمنع عنها الرجال. يجوز طبعًا! كل الأسباب محتملة.

تمهل محمد، وهو ينظر إلى وجوهنا ويبتسم، قبل أن يقترب من وجهى قائلًا:

هل صادفت طبيبًا يا أستاذ يصف علاجًا لمريض دون أن يفصحه؟

كان صديقى فى حيرة من أمره، وكان «محمد» يجمع الثعابين من أرضية المقهى داخل حقيبته، ويعطى الجمهور ظهره، واعدًا «باسم» باتصال لتحديد موعد للزيارة، وكانت شهرزاد تحكى عن الجنى العاشق الذى سحر حبيبته الإنسية قردًا حتى لا يشتهيها الرجال، وكنت غارقًا فى الضحك، أنهى كوب الشاى قبل أن أسحب صديقى المذهول، ونغيب فى الطرقات المزدحمة.

الزحام قد يخفى الوجوه عنك، فيصبح اللقاء مصادفة أمرًا غير معتاد، خاصة حين يكون لقاؤك مع شخص مثل «محمد»، بكل غرائبياته وغموضه المفتعل.

ما زال جالسًا خلفى فى الميكروباص الطائر فوق الطرقات الخالية، بلا أى حركة أو محاولة لفت انتباه توحى بمعرفته بى. أرغب فى سؤاله عن أشياء كثيرة مبهمة بالنسبة لى، منذ سفر «باسم» وانقطاع أخباره، لكن آلام جسدى منعتنى من ذلك، حبل الألم الغليظ يربط عظام الجمجمة بعضلات الرقبة بعمودى الفقرى، إحساس بالغثيان، ودماء تندفع فى مسارات متضاربة داخل شرايينى وأوردتى، أكاد أشعر بها تخترق مسامى، كأن جسدى يستعد للانفجار. يتشظى، وتتدافع أجزاؤه الصغيرة فى كل اتجاه، لن يتوقف السائق وسيواصل طريقه بين السحاب، وسيظن الركاب أن عجلات الطائرة انفجرت، ويستوون بأماكنهم فى رحلتهم الأخيرة إلى السماء. أرغب فى الضحك، وتمنعنى نظرات مَن حولى، لكنّ طيفًا عابرًا ينتزعنى من سخريتى المُرة، طيفًا متمردًا وطائرًا لأفق غير معلوم، مثل طائرة السائق المنزلقة على الطرقات.

أترك محمد الغريب فى جلسته خلفى، وتتجه أفكارى إلى «دنيا»، أين ذهبت، وتركتني؟! هل هربت منى أم من مرضى الغامض؟

اندفاع هذا الجسد نحو «دنيا» منذ لقائه الأول مثل اندفاعه الآن نحو الموت، غير محسوب أو معلوم مساره، بسيط كأى حقيقة وجودية يقرّها جمع من البشر، قدرى كأى فعل غامض لا يستطيع العامة تفسيره، وأنا أحتقر كل الحقائق البسيطة، وكل هذه الأقدار التى تحيطنا بضراوة، ولا تترك المجال للتأمل والتفكير.

لماذا وُجد العقل! أم إنه مجرد مسخ حاقد زُرع فى رؤوسنا ليعذب من بُلى به!

يمكننى أن أنجو من التفكير تمامًا بضغطة خفيفة على أزرار الريبوت الآلى المسمى «أنا» لأصبح مثل كل زبائن «محمد». حل سحرى مريح قد يريحنى من صداع العقل المضنى، إن استطعت أن أجد هذا الزر الخفى، ولكن لن ينقذنى من ألم الجسد سوى انفجاره المرتقب.

لن يفيق السائق من تأثير المخدر الذى تعاطاه، وسيواصل المسير دون أدنى انتباه. ولن يتحرك الغريب الجالس ورائى من مكانه، ربما سيخرج جريدته من حقيبة الساحر، ويواصل التعليق على الأخبار المحلية والعالمية. ولن أتوقف عن الابتسامات الهستيرية التى تنتابني؛ فتتقلص عضلات وجهى من الألم والرغبة فى الضحك معًا، بالكاد أمنع نفسى من القهقهة بصوت مرتفع؛ حتى لا يعتبرنى الركاب مجنونًا. ما زال لديّ القدرة على التحكم فى نفسى رغم كل شيء، حتى هذه اللحظة، ولكن لا يمكننى التيقن مما هو آت.

لم يكن لدى «دنيا» أى استعداد للرهان على ما هو آتٍ، ولم يكن لديها أدنى استعداد للحديث عما مضى، فقط «تلك اللحظة» تملك إمكانية الوجود فى عالم «دنيا» السحرى الذى أخذتنى إليه ذات ليلة.

حكيت ل«دنيا» عن محمد وسامية والجنى العاشق، كما أحكى نكتة جديدة تستتبع الضحك، فلم تضحكها ولم يبد عليها أدنى انفعال، فقط سحبت ألوانها من سطح المكتب، وقرفصت على الأرض بجوار السرير؛ لتلون قواقع بحرية بلون أحمر قانٍ، وسألتنى بلا اكتراث: يبدو أنك لا تؤمن بوجود عوالم أخرى خفية؟ أجبتها: بالطبع لا، هل تؤمنين؟ فترد: وما قيمة التفكير فى وجودها من عدمه! أحيطها بذراعى، واسألها بدوري: هل ستشاركنى مخلوقات تلك العوالم تلك اللحظة؟ هل سأستطيع لمسها مثلما ألمسك الآن؟! فتبعدنى بخفة؛ لتكمل تلوين عملها الفنى، وتقول: لم تشاهد الفيديو الذى أعددته هذا الأسبوع.

كانت «دنيا» تقوم بإعداد فيديوهات عن فلسفة ألعاب الفيديو المأخوذة بها حتى النخاع. سألت عن تلك الفتاة، ذات الصوت المغوى، التى تقدم متابعات لألعاب الفيديو التى أقتل بها الوقت، على موقع اليوتيوب، فأخبرنى باسم أنها خريجة كليتنا، وصديقة لصديقته. ذات الصوت المغوى فى أواخر العشرينيات من عمرها، تصغرنى بعشر سنوات. قبل معرفتى بها، كنت أحب اللعب وفقط، بعد معرفتى بها أصبحت مولعًا بهذا العالم، صار اللعب تجربة حسية مرتبطة بغواية صوتها، بسحر الانتصار على جسدها، بالهزيمة القابلة للتجاوز عبر مستويات اللعب. «يمكنك دائمًا أن تجرب مرة أخرى، إن أردت، وتنتصر». كانت دنيا تهمس بعبارتها تلك، قبل أن تترك قواقعها على مفرش بلاستيكى ليجفف الهواء ألوانها، وتقول متسللة خارج دائرة الحوار: هل ما زال يذكرك عطرى بحلوى «غزل البنات»؟.

عطرها السرى مثل ماضيها تمامًا. لا تتحدث عمّا مضى من حياتها، كأنها خلقت لحظة معرفتى بها. لا أهل، ولا أماكن، ولا أزمنة ماضية، ولا ذكريات فى عالم دنيا.

عطر يفوح من مسام الجلد، لا يفارقه كأنه ملتصق به، أسألها عنه؛ فتقول إنه سرها الآثير، ملتصق بجسدها منذ ولدت، هدية من رحم أمها لا تفارقها. أضحك بمكر، واقترب من جلدها متشممًا هذا العطر الأزلى والأبدى، هذا العطر الذى يفوح منها حتى والماء يقطر من شعرها وجسدها، هذا العطر الذى لم أعثر يومًا على زجاجة له فى البيت، أو فى حقائبها التى تركتها، ورحلت.

عطر يذكرنى بحلوى غزل البنات، التى لم أتذوقها منذ كنت طفلًا فى العاشرة برفقة أختى الصغرى «ريم».

ثالث أيام عيد الفطر، العيد «الصغير» كما نلقبه مقارنة بعيد الأضحى، رجل عجوز بقميص ذى مربعات صغيرة يتبادل على فراغاتها لونا العسلى والبنى، وبنطال قماشى بنى اللون، يمسك زمارة بلاستيكية أكبر من زمارتى التى اشترتها لى أختى الكبرى «سلمي» فى أول أيام العيد، يطلق صوت المزمار المخيف بأناته اللابشرية؛ فيتجمع الأطفال حوله كأنهم مسحورون، ويقتطفون بضاعته المتدلية من خيوط رقيقة مربوطة بعصا يحملها فوق كتفه. حلوى «غزل البنات» داخل أغلفة بلاستيكية شفافة بألوان زاهية. حلوى مصنوعة من السكر، تفوح منها أنوثة لا تخفى على رجل يتكون فى أعماق الطفل الذى كنته. شعر ناعم وملفوف تتحدد ألوانه بين الأبيض والوردى. أشير إلى اللون الذى يناديني؛ فيقطفه البائع من حمولته مقابل عملات زهيدة، أعريه من غطائه الذى لا يستر حلاوته، لتستقبله شفتاى قبل أن يحركه لسانى، ويذوب فى فمى دون أى تدخل من أسنانى.

سخرت دنيا طوال الليل منى، ومن ذكرياتى، وضحكت بتصنع ضحكات متقطعة، تعالت على ذاكرتى المسكونة بالتفاصيل الطفولية، وهى تنتظر أن تجف قواقعها. فى كل مكان فى البيت قواقع ملونة بألوان زاهية: على المكتب، وبجوار النباتات فى الشرفة، وعلى الكمودينو، كأنه هوس آخر لفتاة البحر، التى تحكى دومًا عن بيت طفولتها الذى كان يطل على البحر، ويكسوه برودة اللون الأزرق الذى افترش مدى طفولتها، عن البيت الذى تآكل ببرودته، وتلاشى من ذاكرتها، فلم تعد تذكر سوى مداه الأزرق، فلم يبق غيره بعد أن احترق البيت، ولا تتحدث أبدًا عن أهل البيت؛ أهلها. لا تهتم بذكر تفاصيل طفولتها، أو مكانهم الآن، كأنها مجرد ساق وحيدة بلا جذور.

ظللت طوال الليل أتابع الحكيْ عن أهلى، كأنى سأعثر على بائع الحلوى بين الكلمات المتناثرة، لكنها لم تستسلم للذكرى مثلى، ولم تخبرنى بما يدور فى عقلها كعادتها. فقط أرسلت إليّ رسالة على بريدى الإلكترونى صباحًا بموعد محدد كأننا لم نكن معًا قبل ساعات، رافقتنى إلى محل به ماكينة تصنع حلوى السكر، قدمها لنا بائع يضعة قفازات بلاستيكية شفافة فى كفيه، ويرتدى مريلة بيضاء فوق ملابسه، وطاقية بيضاء أسوة بالعاملين فى المحل الفاخر. أين هو من بائع غزل البنات الذى لا أتذكر ملامحه أو اسمه؟! كل مرة تضع ذاكرة الطفولة الباهتة والمنسحقة تحت ركام من التفاصيل اليومية اسمًا وصورة له. وضع عامل المحل الفاخر عصا بلاستيكية ملونة عند فوهة الماكينة، وبدأ الشعر الحريرى يلتف حول العصا البالية لم يرتح لها مزاجى، فلم تستدعَ حلوى الماكينة رائحة عطرها!.

ماذا أفعل يا حلوتى الهاربة من رجل مريض أصبحته اليوم، وكيف أعيش تلك اللحظة، وماذا أفعل إن كنت أملك ذكريات وتفاصيل وعائلة تعيدنى للحظات ماضية، وتحرمنى من تلك اللحظة غير العادية؟ مفاجآتك ليست سارة. استعير قدرتك على السخرية، فمن ينتزع منى ذاكرتى تلك اللحظة، تلك اللحظة التى أجلس فيها داخل ميكروباص طائر فى اتجاه بيتك الخالى منك، وخلفى دجال أعرفه ويعرفنى، وفى أعماقى ألم وذكرى.. هراء.. فلا وجود لتلك الأعماق. جسدى يتحمل الألم وحده، وعقلى هو الذى يسترجع تلك التفاصيل الفارغة؛ هربًا من ألم الجسد.

لم يكن مرضى الغامض قد أعلن عن نفسه بعد، ولم تبدُ علاماته للعيان، إلا إنه كان كامنًا بداخلى. شعرت بذلك ولم أعترف، بل توحدت مع عالم دنيا الذى لا يعرف سوى لحظة عابرة، لا تترك أثرًا على ما يليها من لحظات مطلقًا. كانت حواسى بكامل عبثها، أبعد عن كل ما يثقل عقلى بلهو الحواس وصخبها، واندماجها مع حواس دنيا الأكثر نضجًا وانطلاقًا. لذلك تبعت رغبتى فى المرح حين نقل لى باسم دعوة الشيخ محمد لنا إلى بيته. لم أجد فى دعوته أى غرابة، بل كانت مجرد وسيلة لتبديد الوقت الذى تنشغل فيه دنيا بعملها، وتتبع لفضولى تجاه الدجال العصرى، الذى يجيد اللعب بالعقول.

كان بيته فى شارع بورسعيد، قريبًا من جامع السيدة زينب، قال إنه يحب مجاورة آل البيت، تحت بيته مقهى صغير، ننفذ من جواره لننزل عدة درجات إلى بيت فى بدروم عمارة قديمة، ما أن تنفذ من الباب حتى تجد لوحة «المجنون الأخضر» مواجهة لكَ، فاجأتنى خطوطها وألوانها التى تكاد تطابق الأصل، وفسر ذلك بأن هناك صديقًا له يجيد رسم مستنسخات من اللوحات، يخزّن عنده لوحاته التى يبيعها، وقد أعجب الشيخ محمد بتلك اللوحة؛ فأهداها له صديقه. قال محمد: الرسام من أبناء حى السيدة زينب، وهذا المجنون يشبهنى. ألا ترانى مجرد مجذوبٍ؟.

اجتهدت كى لا أظهر ذهولى، بينما يتناقش معنا محمد عن عالم عبدالهادى الجزار ولوحاته، باعتبارنا فنانين مثله، ويبادلنى ابتسامتى الساخرة التى لم أنجح فى إخفائها وهو يستعرض معلوماته عن فنان حبيبتى المفضل، فبادرته كى أخفف من حدة علاقتنا: خطيبتى، أيضًا، تشاركك الاهتمام بلوحات عبدالهادى الجزار. قام محمد، وعاد بعدة مستنسخات للوحات أخرى للجزار، قائلًا: استغل معارفه بسحر العالم وتجليه فى موروث منطقة عاش فيها، كل البشر يستغلون قدراتهم ومعارفهم، لديكم موهبة فنية صارت مجالًا لعملكم، فلِمَ تستغرب استغلالى لقدراتي؟!

وما هى قدراتك؟ استغلال أزمات البشر! هل هذه قدراتك يا شيخ؟.

تجاهل محمد حدة عمر، وهو يقول: بل قدرتى على الحدس والاتصال بطاقات الكون، لِمَ لا أفيد البشرية بها؟!

تجيد التلاعب بالتعبيرات فى وصفك لاستخدام الخرافة فى خداع الحواس.

ابتسم محمد، وتجاهل الحوار تمامًا، وواصل حديثه عن لوحات الجزار المستنسخة بين يديه، قبل أن يختار إحداها ويعرضها أمامى، قائلًا: أريد أن أهدى تلك اللوحة لخطيبتك.

تمثل اللوحة كائنًا خرافيا من ذوى الأربع، قدماه الأماميتان كأنها لطير من الجوارح، وقدماه الخلفيتان بشرية، وجسده لأحد الزواحف، وفى بطنه ضروع تدر اللبن كأنها لبقرة، وتستلقى على ظهره فتاة سمراء عارية، وجهها إلى السماء حيث كائن خرافى آخر يطير ورموز غريبة مكتوبة، وفى خلفية اللوحة رجلٌ متخذ وضع المعددات فى اللوحات المصرية القديمة، وفى الجزء السفلى للوحة كلب وثعبان ورموز سحرية، والجزء الأمامى به ميزان، فيه بيضتان، ووجه يشبه وجه الساحرات يجاوره عالم غريب ومقبض بألوانه القاتمة، ونص غير مفهوم مكتوب بالعامية داخل اللوحة. طلاسم عجائبية توحى بعوالم سفلية كئيبة، مما تحكى عنها كتب التراث. لا شيء واقعيا يمكن الاعتماد عليه لتأويل تلك اللوحة وربطها بالواقع. لا شيء يدركه العقل.

اللوحة بعنوان: «عاشق من الجن».

قالت دنيا إنها مستنسخة بيد فنان محترف، تأملتها كأنها خبيرة لوحات، وغمغمت بشيء ما عن خطوطها ودقتها، وفى اليوم التالى، وجدتها معلقة داخل برواز رفيع، لونه بنى غامق؛ حتى لا يلفت النظر بعيدًا عن تفاصيل اللوحة، يشبه نفس البرواز المعلق بجواره، وداخله مستنسخ للوحة «آدم وحواء» للفنان نفسه، حيث القوقعة تحت قدم آدم العارية، وهو يحتضن حواء العارية، وبينهما حيوان عجيب. القوقعة توازى الإنسان الأول بالنسبة للقواقع الملونة المتناثرة فى كل مكان بالشقة الصغيرة، كأن دنيا استنسخت امتدادات لقوقعة الجزار، وصبغتها بألوان الطبيعة. صارت الحائط المواجهة للسرير مزعجة بالنسبة لى، لا أرغب فى النظر إليها. لم أخبر دنيا بذلك؛ حتى لا تظننى خائفًا مما لا أؤمن به. لن تفهم أن كآبة هذا العالم الخرافى هى ما تؤرق نومى. فى هذا اليوم أعطتنى دنيا كيس هدايا أزرق، بداخله قواقعها الملونة، وطلبت منى أن أهديه إلى الشيخ محمد.

فى الواقع، لم أقابله مرة أخرى، بل أرسلتهم مع باسم قبل سفره، ولم أر الشيخ الفنان إلا الآن، فى تلك العربة الطائرة.

فى تلك اللحظة، داخل الميكروباص الطائر، شعرت بأصابع «محمد» على كتفى، وصوته فى أذني: لماذا لم تسأل عن أهل صاحبك؟ علّه خيرٌ؟ واجب عليك فى غيابه.

كدت أن أستدير إليه حين مال نحوى ووضع ورقة فى كفى ثم طلب من السائق التوقف. توقف السائق قبل أن تنتهى اللحظة بمرونة راقص باليه محترف، ليثبت أن حواسه تعمل بتركيز عالٍ جدًّا. نزل «محمد» قبل أن يتمكن جسدى من الاستدارة إليه، أو تتبعه بعد نزوله، لكنى كنت أتخيله يقف على الكورنيش، وسط ضباب ليلى كثيف، وأبخرة تخرج من فمه. مشهد أسطورى قديم، يليق بفيلم أبيض وأسود، يستدعى الضحك، وأنا لم أعد أملك القدرة على التحكم فى عضلات وجهى، كل ما يمكننى فعله الآن، هو تركيز قدرتى على التحكم فى جسدي؛ حتى يمكننى الوصول إلى منزل دنيا، والاستلقاء على سريرها، فى انتظار انفجارى الوشيك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق