رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إنه الصراع الاجتماعى

من سنين لا أذكر عددها كنت ضيفًا في قناة تليفزيونية، وكان مقدما البرنامج الحواري هما يسري فودة وريم ماجد، وكان الموضوع هو ذكرى ثورة يوليو، وبدأ البرنامج بالاستماع لبعض الأشخاص على الهاتف، في مقدمتهم الإخواني أحمد رائف والوفدي إبراهيم أباظة والشاعر أحمد فؤاد نجم، وانهالت القذائف من كل صوب، ووصفت الثورة بأنها أكبر جريمة، وتأميم القناة بأنه أكبر حماقة، والإصلاح الزراعي كذلك وهلم جرا.. واستطالت المداخلات قبل أن أنطق بحرف، وقررت أن الكرسي لا بد أن يطير إلى الكلوب, أي المصباح, وبطريقتي قاطعت الجميع وقلت: إذا كان ذلك فخًا ومصيدة فأهلًا، وإذا كان صاحب المحطة نجيب ساويرس يريد أن يعيد عقارب الساعة للوراء ويلغي التاريخ فلن يستطيع ولن يقدر على أن يعيدنا كأبناء فلاحين وعمال وموظفين صغار إلى الجحور، وذهل فودة وريم وصاحا معًا: مال نجيب صاحب المحطة ومال البرنامج؟.

ونجح الكرسي في تحطيم الكلوب، لأن الحوار تحول تمامًا إلى محاكمة لذلك الصنف من حملة المال، الذين لا يرقون لأن يوصفوا بأنهم رأسماليون.. وبعد عدة سنوات كنت في النادي الذي أسسه سميح ساويرس، وأتيحت عضويته لمن يدفع اشتراك التأسيس والاشتراك السنوي، وحتى يميزوه عن نادٍ آخر في جاردن سيتي هو نادي العاصمة الذي أسسه الراحلان إبراهيم نافع وإبراهيم سعدة، بالتعاون مع بعض رجال الأعمال أسموه نادي جاردن سيتي، الذي يشهد سهرة سنوية تعقب الاحتفاء بالفائزين بجائزة ساويرس للإبداع، ولم أتعود المشاركة في المناسبة، وتصادف أن كنت في النادي وبدأ بعض الذين حضروا تسليم الجوائز يتوافدون، وكان منهم السادة أنسي ساويرس وابناه نجيب وسميح، ومعهم الدكتور أحمد هيكل، رجل الأعمال المشهور ونجل الأستاذ هيكل، وفيما أمر من أمامهم حاملًا شرابًا وسيجارًا ضحك نجيب قائلًا: زعيم الناصريين يدخن سيجارًا.. وبدأ حوار قال فيه: على فكرة أنا أقدر زعيمك عبد الناصر في سياسته العربية وانتمائه القومي، لأننا عملنا فلوسنا على حسه في ليبيا، لكن غير كده كانت الدنيا ضايعة بسبب سياسة وممارسات البلوشي, أي المجاني, التي مارسها.. يعني التعليم بلوشي والصحة بلوشي والخدمات بلوشي والناس تعودت على البلوشي بدون شغل.. وفوجئت أن الدكتور أحمد هيكل يؤيده ويزيد الأمر تفصيلًا، وعندما انتهوا قلت إن هذه ليست البلوشي، لأن الأصل أن هناك مجانيا أقدم وأفدح، ودعوني أسألكم سؤالًا هو: هل كنتم تستطيعون, أو تستطيع الرأسمالية المصرية بل والعالمية, أن تنمو بدون قناة السويس، وبدون سكة حديد مصر، وبدون شبكة الري المصرية التي تتوزع لأربع أو خمس تفريعات من النيل الرئيسي، يعني الرياحات والترع الكبيرة نزولًا إلى القنوات الصغيرة؟ وجاءت الإجابة: ما دخل ذلك فيما نتكلم فيه؟ فقلت: إن هذا هو صميم الموضوع، لأن القناة حفرت بلوشي بسواعد وفؤوس ومقاطف وهلاهيل الفلاحين الذين حصل ديليسبس على إذن من الخديو بتسخيرهم هم وأدواتهم في الحفر، ومن ليس لديه مقطف عليه أن يخلع هلاهيل ملابسه ليحمل فيها الرتش والتراب والرمل، ومن يمت يدفن مكان موته!.

وكذلك مد خط السكة الحديد من الإسكندرية إلى كفر الزيات في القرن التاسع عشر، بعد الاستيلاء على الأراضي اللازمة وتسخير الفلاحين في تمهيد مسار القضبان وحمل الفلنكات وتثبيتها، أما شبكة الري التي تتجاوز أطوالها الخمسين ألف كيلومتر فحفرت بالسواعد والكواريك والفؤوس والمقاطف، لأنه لم يكن آنذاك كراكات ولا بلدوزرات ولا أوناش.. ولكم أن تحسبوا كم ساعة عمل عملها المصريون الغلابة مجانًا في هذه المشاريع، وكم نفسًا منهم لاقت حتفها وحجم المعاناة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي عانتها مئات الألوف من الأسر المصرية.. هذا هو البلوشي الذي لا تتوقفون عنده ولا يأتي على بالكم، فلما جاء حاكم من نسل وصلب هؤلاء الفلاحين وحاول أن يرد ولو جزءًا ضئيلًا من حقهم، حاربتموه وحتى بعد رحيله ما زلتم تحاربونه! ورد الرجل الكبير المهذب للغاية: والله عندك حق!. وفترة بعد فترة وفي دورات زمنية قصيرة تظهر المتلازمة المرضية syndrome على البعض، وهي متلازمة سب يوليو وعبد الناصر، وجزء من سببها هو جبن المصابين بها عن انتقاد النظام الذي يظنون أن فيه ملامح من نظام عبد الناصر، فيفرغون بؤسهم العقلي على الماضي بمنطق إياك فاسمعي يا جارة!.

واحد منهم لا ينكر أنه وأسرته كونوا ثروتهم في ليبيا زمن القذافي، وأن سندهم أنهم كانوا مصريين وعبد الناصر يحكم مصر والقذافي يعتبر نفسه خليفته، ولم يكن يجرؤ أحد على مهاجمة أو انتقاد عبد الناصر هناك.. هذا الواحد تنظر إليه فتعتقد أن شخصًا قد قبض على عنقه بكلتا يديه وكتم أنفاسه، لأن وجهه دائما مزنهر احمرارًا ومنتفخ وهو نموذج ومعه آخرون من حملة الفلوس, لشريحة مستعدة أن تتعاون مع الشيطان لأجل الربح، سواء كان هذا الشيطان هو الاحتلال البريطاني أو الإخوان أو الأتراك، وأجزم أنه إذا عاد الإخوان للحياة السياسية واحتلت تركيا مصر فإن هذه الشريحة ستتعاون معهم وتعظمهم، طالما أن ماكينة النهب والفساد والتربح والربح شغالة، ذلك لأنهم أيضًا المطابق الفكري والسياسي للإخوان، لأن الأخيرين لا يقيمون للوطن حسابًا، وقال مرشدهم طظ في مصر واللي في مصر، وحملة الفلوس في سبيل الربح والمكسب يمارسون هذه الـطظ عمليًا، وإن لم يقولوها. إنه صراع اجتماعي اقتصادي ثقافي محدد القوى، وهم، لأنهم لا يقيمون وزنًا للوطن ومستقبله، فإنهم يؤججون هذا الصراع الاجتماعي بأقذر صور وسبل التأجيج، ومؤكد أن الهجوم الدوري على ناصر هو جزء من ذلك الصراع الاجتماعي، لأن الرجل جسّد آمال الجماهير المصرية والعربية والعالمثالثية العريضة، ومطلوب إجهاض هذه الآمال وسحق كل من يفكر في تنفيذها.. ولكن التاريخ وقوانين الصراع لهما دومًا كلمة أخرى، هي الكلمة الحاسمة. أختم بأنني أتحدى هذه الشريحة في أن يفصح من ينتمون إليها بأصل أموالهم وحجمها، وكيف جمعوها، وهل يدفعون الضرائب أم لا؟!


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: