رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما العمل إزاء ما يجرى فى ليبيا ؟

مازال الوضع في ليبيا ينطوي علي درجة عالية من الخطورة وتهديد مصالح مصر وأمنها وإن توقف سيناريو الاجتياح الذي كان البعض يحلم به لتصفية الجيش الوطني بالكامل، ومع ذلك ينبغي التحسب لكل الاحتمالات بالنظر إلي حماقة العدوانية الأردوغانية، ومازالت النظرة الخاطئة للأمور موجودة في بعض التحليلات التي تنظر للصراع باعتباره صار دولياً لا قبل لنا به وتتحفظ علي بعض الخيارات المطروحة للتحرك المصري، ولا ينكر أحد الأهمية الفائقة للعوامل الدولية في الصراع، غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن الفاعلين الدوليين فيه يدافعون عن مناطق نفوذ، وقد ينتهي بهم الحال إلي قبول تسويات ما، أما مصر فتدافع عن مصالحها وأمنها اللذين لا يقبلان أدني تسوية، فلن يأتي اليوم الذي تتسامح فيه مع إرهاب علي حدودها سبق لها أن اكتوت بناره غير مرة، وأضيف إلي السوابق الماضية الإهانة الحقيرة الأخيرة التي وجهتها ميليشيات الوفاق الإرهابية لعدد من العاملين المصريين وأنباء اعتزام تركيا بناء قواعد عسكرية علي أرضها، فما العمل؟

كانت مصر دائماً تؤمن بأن الحل الوحيد للصراع يجب أن يكون سياسياً ليبياً يمثل كل الأطياف والأقاليم السياسية كما جسدت ذلك بحق مبادرتها الأخيرة، لكن مصر تعلم في الوقت نفسه أن هذا الحل ليس سهلاً أولاً لأنها لا يمكن أن تقبل حلولاً وسطاً مع الإرهاب، وقد كانت المبادرة الأخيرة قاطعة في ذلك فلا حل سياسياً إلا بدحره، ولذلك رفضتها تركيا وأزلامها، وتُضاف إلي هذه الصعوبة التطورات الأخيرة التي غيرت الموازين لغير مصلحة الجيش الوطني، ولذلك فإن نقطة البداية الصحيحة الآن في الحل السياسي هي دعم الجيش الوطني بشتي الطرق الممكنة وأولها الدعم الدبلوماسي، ولا يستخف أحد به رغم عدم كفايته لأن دعاية معسكر الإرهاب تركز علي أكاذيب مفضوحة يسهل كشفها، وأول الدعم الدبلوماسي التحرك لإثبات التآكل الحقيقي لشرعية حكومة الوفاق، وثانيه إثبات الزيف المضحك والمطلق لدعاوي معسكر الإرهاب الذي يدعي أنصاره أنهم أصحاب مشروع للدولة الوطنية فيما يصورون الجيش الوطني الذي يعمل علي استعادة هذه الدولة باعتباره مشروعاً انقلابياً لدولة عسكرية، وإن نظرة واحدة إلي ميليشيات الوفاق التي حققت الانتصارات الأخيرة تفضح هويتهم الميليشياوية، وبعيداً عن كرنڤال ملابسهم وصورهم ومضمون شعاراتهم المكتوبة علي الجدران وطريقتهم في القتال تكفي الإشارة إلي جرائمهم بحق المدنيين والممتلكات العامة والخاصة علي النحو الذي أصاب بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالاستياء والانزعاج الشديدين ودفعها إلي مطالبة حكومة الإرهاب بإجراء تحقيق سريع، ودفع السفير الألماني إلي الموقف ذاته، ويأتي بعد هذا توظيف المواقف الدولية التي تتفق مع الموقف المصري وأقربها موقف الاتحاد الأوروبي الذي أصابت العدوانية الأردوغانية اثنين من أعضائه هما اليونان وقبرص بأضرار مباشرة، كما أن تركيا تحدت مهمة التفتيش الأوروبية في المتوسط برفض الانصياع لطلب تفتيش سفينة تركية اشتُبه في أنها تحمل أسلحة لليبيا ناهيك بتوظيف أردوغان لمأساة اللاجئين في ابتزاز أوروبا، وقد أدت هذه السياسات كافة إلي مطالبة الرئيس الفرنسي بضرورة اتخاذ موقف من هذه السياسات وحديثه عن مناقشتها داخل حلف الأطلنطي، وهو حديث لا يُنتظر أن يفضي لإجراء محدد بالنظر إلي الموقف الأمريكي الملتبس والذي يعتبر السياسة التركية علي الأرجح كابحاً للنفوذ الروسي.

ولعله قد آن الأوان أيضاً لعرض الانتهاكات التركية لقرارات مجلس الأمن ومؤتمر برلين علي المجلس ليس لاستصدار قرار فمواقف الدول دائمة العضوية فيه عدا فرنسا ملتبسة ولكن لفضح السياسة التركية المستخفة بالشرعية الدولية دون حياء والتهديد بدعم الجيش الوطني بالسلاح علناً طالما تمر انتهاكات أردوغان بغير حساب، والغريب ألا يتم تحرك عربي مشترك حتي الآن ضد تركيا علي الأقل من الدول المضارة مباشرة من التحركات التركية وهي سوريا والعراق والسعودية والإمارات ومصر لأن بعض المواقف العربية أيضاً يشوبه الارتباك أو يعلن تأييده صراحة للعدوانية التركية.

يبقي الخيار العسكري الذي يحاول البعض استبعاده بحجة رشادة السياسة المصرية كما حدث في موقفها من عاصفة الحزم، وأُبادر بالقول بأن الرشادة لا تعني التفريط في الأمن، وأن السياسة المصرية لم تتجنب المشاركة في التدخل العسكري لنصرة الشرعية في اليمن وإنما كيفت مشاركتها وفقاً لعديد من الاعتبارات علي رأسها أولويات الأمن المصري، فاليمن وإن كان مهماً لهذا الأمن إلا أن أهميته تأتي تالية لما يحدث في الشمال الشرقي وفي الغرب من الحدود المصرية، ولذلك دعمت مصر عاصفة الحزم بقوة جوية وقوة بحرية فقط، وأقول ثالثاً إن الخيار العسكري لا يعني بالضرورة التدخل المباشر فصوره عديدة وليس هنا المجال المناسب لمناقشتها، وأوجه بعد ذلك أسئلة محددة لأنصار الكمون الاستراتيجي: هل مازال هذا الخيار قائماً بعد أن وصل العدو إلي حدودنا المباشرة؟ وهل يليق علمياً ووطنياً وقومياً القول بأن هذا العدو مازال بعيداً عن شرق ليبيا؟ وهل يمكن أن يجرؤ أحد علي لوم مصر إن هي دعمت بعد كل هذه العربدة التركية الجيش الوطني الليبي علي نحو غير مباشر؟ وألا يمكن طرح التدخل المباشر المحسوب إن وصل تهديد أمن مصر ومصالحها وحياة أبنائها إلي نقطة الخطر؟ لقد سبق لمصر مرتين في إطار الصراع الراهن أن وجهت ضربتين قاصمتين لقواعد الإرهاب في ليبيا عندما وصل الأمر إلي المساس بحياة المصريين في ليبيا أو علي الأرض المصرية بعمليات إرهابية مسيرة من داخل ليبيا، ويبقي المبدأ صالحاً في مواجهة التطورات الأخيرة، أما من يقولون إن معركة المياه هي الأهم فقد سبق أن قلت إن مصادر تهديد الأمن تواجه بالتوازي وليس علي التوالي، فما قيمة الحياة دون استقلال وكرامة؟.


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: