رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أحمد عبدالمعطى حجازى: أنا لا أكتب مرغما ولا أسعى لأن أكون موجودا
زوجتى قارئتى الأولى فهى تشاركنى الشعر والحياة

حنان حجاج;
مع زوجته د سهير عبدالفتاح

فى العام الخامس والثمانين من عمره تحتفى القصيدة ونحتفى معها بأحمد عبدالمعطى حجازى، كما احتفى هو بحضورها طوال 65 عاما من كتابة الشعر والكتابة عن الشعر. فى العام الخامس والثمانين مازال حجازى يناضل طيور الظلام ويدعو للحرية والديمقراطية، مازال يتكئ على القلم ويكمل المسيرة، بينما يمارس الشعر بكل هدوء بروح الهواة وانتظار لحظة حضورها.

عندما سألته ماذا تقول عن اعوامك الخمسة والثمانين وانت تستقبل عاما جديدا، قال إنه لا يعيش الزمن ولا يتوقف امامه كثيرا، وأنه فقط يعيش اللحظة، وان تلك السنوات لا يعنيه فيها الا ما كتبه خلالها من شعر،وما قدمه للجمهور الذى يقرؤه.

على عتبات العام السادس والثمانين مازال عبدالمعطى حجازى يلاحق القصيدة وتلاحقه الصحافة، وبينهما يمارس هوايته الابدية فى محاربة الظلام، وفتح نوافذ للحرية فى الواقع.

فى هذا الحوار الذى اجبرتنا الظروف أن يكون عبر الهاتف جاء صوت عبدالمعطى حجازى هادئا كعادته يزن كلماته بميزان من ذهب ويشرح ما يجول فى نفسه بحماس وبهجة كما اعتاد.




عندما اصدرت ما اعتبره البعض مذكراتك الشخصية فى كتاب «اعترافات ناقصة» ما الذى كنت تقصده تحديدا بالنقصان؟

لا أعتبر « اعترافات ناقصة « مذكرات لى بالشكل المتعارف عليه، فانا حقيقة لم اكتب بعد ما يمكن اعتباره مذكرات أو سيرة ذاتية، اعترافات ناقصة هى مجرد صفحات متفرقة عنى ولى كتبت فى مناسبات مختلفة، واتخذت اشكالا متعددة، هناك ما كان حديثا أو حوارا بينى وبين بعض الصحفيين، وهناك مقالات كتبتها أو كتبت عنى فى بعض المناسبات. تحديدا ظهرت الفكرة فى عام 1996 فى المنتدى الثقافى المغربى الإفريقى، الذى يعقد فى اصيلة فى المغرب، وهو المنتدى الذى اسسه الدبلوماسى والمثقف المعربى الكبير محمد بن عيسى، حيث تم منحى فى ذلك العام جائزة المنتدى، وقتها اجرى معى المثقف المعروف عبدالقادر الشارى حديثا مطولا نشر فى كتاب بالتزامن مع عقد المنتدى حمل اسم « شجرة حياة « وصدر الكتاب بالفعل فى عام 96. قبلها كانت مجلة الهلال قد احتفت بشكل خاص بى فى مناسبة بلوغى سن الخمسين فى عام 1985 وطلب منى كتابة مقال للعدد وكنت فى باريس واذكر اننى كتبت مقالا بعنوان « الخروج من الاسطورة «، وكذلك سلسلة المقالات التى نشرت فى مجلة « الرابطة الثقافية « الاماراتية والتى تزامنت مع صدور العدد الاول من المجلة. هذه المقالات واللقاءات تحمس صديقى الكاتب ناصر العراقى لتجميعها فى كتاب واحد وهو الكتاب الذى حمل اسم» اعترافات ناقصة «. وبالتالى استطيع ان اقول إن هذه ليست مذكراتى أو سيرتى، هذه اوراق من رحلة العمر وصفحات لازمت أحداثا بعينها.

ومتى ستكتب مذكراتك أو اعترافاتك الكاملة؟

فى وقت ما سأكتب القصة كاملة ولكن قبلا لابد ان اختار هل ستكون مذكرات، أم سيرة ذاتية أم اعترافات كاملة كما تقولين، فما كتبه حكيا طه حسين فى « الأيام « يختلف عما كتبه نصوصا توفيق الحكيم فى « زهرة العمر « فيما يتعلق بى، ربما افضل فعلا أن اكتب اعترافات كاملة، عندما اكتب عن حياتى افضل تماما ان افرج عن نفسى وازيح عن كاهلى كل تاريخى الذى عشته، افضل أن اعترف وأن يعرف من يقرأ كل ما لم يعرفه عنى وكل ما مررت به بكل صراحة.

نعود إلى الوراء قليلا ونذكرك فى منتصف الخمسينيات قبل اكثر من 60 عاما عندما جئت للقاهرة من تلا بالمنوفية، كنت ممتلئا بالخوف وربما الخصومة مع المدينة، كان ديوانك الأول «مدينة بلا قلب» اتهاما مباشرا للمدينة، فهل مازلت فى خصومة معها أم أن ستين عاما من الحياة فيها صالحتك عليها؟

بالتأكيد ستون عاما فى المدينة حققت خلالها كل ما حققته كانت كفيلة تماما لأن تجعلنا نتصالح سويا، بل ان اصبح ابنا لها بالمعنى الواقعى، جئت للقاهرة فى العشرين من عمرى، وبالتأكيد كنت محظوظا تماما فقد تلقفتنى تجربة صحفية متميزة وقتها وهى مجلة» صباح الخير «، كانت مؤسسة روز اليوسف هى البيت الفسيح فى قلب المدينة الذى احتضننى. فى المدينة عملت ونشرت كل دواوينى واحببت وتزوجت وكونت اسرتى، حتى عندما سافرت لمدينة اخرى وبلد اخر إلى باريس حيث عشت سبعة عشر عاما عدت للمدينة، القرية بالنسبة لى الآن هى مجرد ذكرى بعيدة استرجع من خلالها سنوات طفولتى الاولى وبدايات الصبا. لكن المدينة هى البيت الذى اخترته واعيش فيه محاطا بكل احبتى واصدقائى، وبشكل عام انا لست ريفيا بالمعنى المتعارف عليه كان بيت العائلة فى مدينة ريفية لكن بيتنا لم يكن ريفيا بالمعنى التقليدى، فلم يعمل ابى فى الفلاحة وكان قارئا ومحبا للموسيقى والطرب. ربما عندما كتبت ديوانى الاول الذى بدأته وأنا لم اكمل العشرين عاما كانت الغربة مازالت تسكننى والمدينة لم تصبح صديقة بعد، لكن السنوات اذابت كل تلك القصائد ولم يبق من احساسها القديم سوى الكلمات التى تحملها صفحات الديوان الاول.

كانت الصحافة هى مهنتك الأولى منذ عام 1956 ومازالت هى مهنتك إلى الآن، وانت ايضا شاعر وكاتب فى الأدب والشعر فلو طلبنا منك أن تخبرنا أين تقع القصيدة بالنسبة لك تحديدا؟

بعد كل تلك السنوات اقول إن الشعر هو الجوهر وهو نشاطى الاساسى الذى اخترته من صباى، أما الصحافة فهى العمل أو المهنة التى انفق منها على بيتى واعيش على راتبى منها، فلم اتكسب من الشعر مالا، ومازلت اتعامل مع الشعر كهواية ومتعة خالصة، فلم اكتب يوما قصيدة وأنا مرغم عليها لم تكن يوما واجبا أو فرضا. لا اطارد القصيدة بل هى التى تطاردنى وتستفزنى وتدفعنى لأن اكتبها، ولذلك فأنا عندما اتهيأ لكتابة الشعر اعتزل تماما كل تفاصيل الحياة والعمل المعتادة وانزع نفسى تماما واهب ذهنى ومشاعرى للقصيدة.

هل يمكن ان تكون تلك العلاقة وهذه الطقوس بل النظرة للقصيدة سببا فى قلة اعمالك، فى أخر ديوان لك صدر قبل ثمانى سنوات بعد انتظار كان «طلل الوقت»؟

بالفعل اعترف بأننى استغرقت طويلا وقتا قبل صدور ديوانى الاخير « طلل الوقت» وربما استغرق وقتا اطول قبل ان يصدر ديوان جديد، لكن فى طلل الوقت تحديدا، لم تكن طقوس القصيدة ولا علاقة الهاوى بها هى السبب الرئيسى، فترة العشرين عاما تلك كنت جزءا منها منهمكا فى انشطة ثقافية واسعة، وكنت اعمل فى فرنسا وكان مرحبا بى و وكنت اتحقق بشكل جيد هناك، وحتى عندما عدت كنت قد تعاقدت مع الاهرام على كتابة مقالى الاسبوعى ثم توليت رئاسة تحرير مجلة» ابداع «، كما اننى كنت صاحب فكرة ومبادرة تآسيس وادارة « بيت الشعر» الذى اقترحته وقتها على وزير الثقافة فاروق حسنى، ولم يكن هناك ما يكفى من الوقت لكتابة الشعرية، هذا النشاط كان له حسناته ومن ناحية اخرى كان له سلبياته فقد منعنى ان انصرف كاملا للشعر الذى كان ومازال هو جوهر حياتى الذى انشغل عنه واعود اليه،افتقده ولا افقده.

أولى معاركك وانت فى مقتبل حياتك كانت بسبب الشعر، عندما رفض الكاتب الكبير عباس العقاد أن يعترف بما تكتبون أنت وأبناء جيلك ممن يطلق عليهم شعراء مدرسة الحداثة، وتصديت شعرا وكتابة لانكار العقاد لشعركم، وبعد سنوات كان لك موقف مشابه لموقف العقاد من شعراء قصيدة النثر الذين رفضتهم مبكرا، لماذا كان لك هذا الموقف رغم إيمانك بحرية الفكر والتعبير؟

لا اوافقك أن موقفى مشابه لموقف العقاد، اشرح لك بداية وجهة نظرى فى الشعر كبناء ونص، بداية ولكى أكون منصفا هناك فى شعر النثر نصوص جيدة ومكتوبة باتقان وجمال لا ننكره وهناك كتابات اخرى لا علاقة لها بالشعر أو الكتابة اصلا. بالنسبة لى النص الشعرى لابد أن يتوافر لها شقان اساسيان المجاز من استعارة وتشبيه وغيرهما، والوزن فالوزن هو الذى يفتح امام الشاعر ابوابا جديدة للغة، الوزن هو الضرورة التى لا يستقيم الشعر بدونها فى رأيى، رهو ليس مجرد زينة، كما يدعى البعض، هذا هو موقفى تحديدا من قصيدة النثر وهو يختلف كثيرا عن موقف العقاد، مما كنا نكتب، فالعقاد كان يعترض على طريقتنا فى الوزن، ولكنهم يعترفون بآن ما نكتبه هو شعر موزون وإن كان فى بناء مغاير للشكل التقليدى القديم للقصيدة. بينما قصيدة النثر الحالية تهدم تماما هذا الجانب تهدم البناء الشعرى، وهذا هو سر اعتراضى عليها ولكن رغم ذلك ظل اعتراضا فى مساحة الخلاف الشعرى ولم يمنعنى هذا وقت رئاستى مجلة ابداع أن انشر لشعراء قصيدة النثر عندما اجد نصا جميلا يستحق النشر وإن كنت فى عقيدتى لا اعتبره شعرا.

كانت السياسة دوما حاضرة لديك شعرا وموقفا دفعت ثمنه فى اوقات عديدة، وكان تمردك الاول على الفترة الناصرية التى تحولت من داعميها وشعرائها لاحد منتقديها، كيف جاء هذا التحول من كتابة قصائد تمجيد عبدالناصر وصولا لديوان «مرثية للعمر الجميل»،؟

لا اعتبر موقفى اللاحق لهزيمة 67 تحولا فى المواقف كما يظن البعض أو يدعى، كل ما حدث هو اعادة تقييم لفترة شديدة الاهمية فى تاريخ مصر المعاصر، ولا استطيع أن ادعى أن الفترة الناصرية التى اعتبر نفسى ابنا لها فترة كلها سوداء، كانت هناك انجازات على المستوى القومى والوطنى بالتأكيد لا نستطيع انكارها، فقد كانت مصر بحق رائدة لحركات التحرر فى المنطقة كلها، فى اليمن والجزائر وغيرهما، وكنا جميعا ندعم عبدالناصر ونقف مساندين له انا شخصيا كتبت خمس قصائد فى حب عبدالناصر ودعمه، لكن بعد هزيمة 67 لم يبق لنا من الحلم شيء، لم يعد من المنطقى أن نستمر فى دعم الهزيمة وأن نكابر اكثر، كنت فيما قبل اتحفظ فى الحديث عن كبت الحريات ومحاربة الديمقراطية لكن الهزيمة عرت كل شيء، كان الالم عنيفا، وبقدر ما كان الدعم قبل الهزيمة للايجابيات كان رفض السلبيات التى اعقبت يونيو واجبا، خاصة ان هذا النظام اصبح نموذجا متكررا فى الكثير من البلاد العربية فى سوريا وليبيا وغيرهما. كما أن حالة الافاقة من الحلم على الهزيمة ثم المراجعة لم انفرد بها وحدى، توفيق الحكيم الذى كان مقربا من عبدالناصر وكان يقرآ له واعطاه اعظم الاوسمة وكان محبا لعبدالناصر بشكل شخصى عاد بعد الهزيمة لمراجعة مواقفه وكتب مؤلفا كاملا حول هذا وهو « عودة الوعى «، وهو امر طبيعى لاى مثقف يمتلك وعيا وتفكيرا نقديا حقيقيا، واذكر تاريخيا أن بيتهوفن نفسه كان معجبا بنابليون بونابرت واعتبره ايقونة ثورية ملهمة وألف السيمفونية الثالثة ليهديها اليه، لكن عندما عرف أن نابليون توج نفسه امبراطورا واصبح ديكتاتورا، الغى الاهداء ومزق الورقة التى كتبها عليه فى بداية مؤلفه الموسيقى. وبشكل عام فما حدث بعد سنوات الهزيمة، هو ما أدى لنظام آخر دفع بالتيارات الدينية التى اوصلتنا لكثير ممن نحن فيه الآن ومنذ البداية كنت ضد نظام السادات وعارضته لهذا السبب، وعبرت عن موقفى هذا بوضوح وهو ما اضطرنى للخروج مبكرا فى عام 1974 لاقضى 17 عاما بعيدا عن مصر واعترف بان هذه لم تكن نيتى ولكن ما وجدته من احتفاء وتقدير من الفرنسيين دفعنى لاستمر كل تلك السنوات.

معركتك التنويرية ضد المتشددين ربما تكون هى المعركة الاطول فى تاريخك، كيف ترى الوضع الان وهل مازلت تحارب؟

هذه المعركة تحديدا لا أظنها يمكن أن تنتهى قريبا وليست معركتى منفردا وليست حتى معركة المثقفين وحدهم، وبشكل ما من يدافع عن الاستنارة والديمقراطيه وحرية التفكير وحرية المرأة لابد ان يصطدم بهؤلاء، وعندما يجد المثقف نفسه فى مواجهة مناخ ظلامى فى كل مكان لابد ان تكون مواجهة مع من يحاولون أن يطمسوا عقول الناس، وللاسف نجح هؤلاء الظلاميون فى أن ينشروا ظلامهم، تارة بتواطؤ النظام معهم فى اوقات سابقة وتارة بجمود الخطاب الدينى ورفضه لأى تغيير، ولم أكن وحدى من اواجه فقد دفع مفكرون حياتهم واستقرارهم اثمانا فى تلك المعركة، بدءا من فرج فودة مرورا بنصر حامد أبو زيد والمستشار سعيد العشماوى وغيرهم، الان ورغم كل تلك الجهود أرى أن الوضع صعب فقد تخللت تلك الافكار الظلامية فى وعى قطاع عريض من الشعب ولابد أن يكون للدولة دور وللمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر دور، وألمس الان بالفعل محاولات جادة لاحداث التغيير المطلوب فى الخطاب الدينى، واظن أن استجابة الأزهر لتلك الدعوات فيه اشارات جيدة بما يدعو له السيد الرئيس منذ سنوات.

لو عدنا للشعر هل مازال أحمد عبدالمعطى حجازى يخشى آراء النقاد عندما يكتب قصيدة؟ ومن أول من يقرأ لك وتنتظر رد فعله؟

أكتب الشعر عندما يأتينى هاجس الشعر وبمحبة خالصة لا مكان للخوف ولا علاقة لهذا بمطلب أو روتين، أنا اكتب وانشر ما اكتبه ولا انتظر شيئا، افعلها كواجب تجاه الشعر والقصيدة وكحالة لابد أن اكتبها لا اقايضها بالرضا أو الثناء، فانا لا اكتب مرغما ابدا، ولا اسعى لأن أكون موجودا عبر قصيدة، فقط احرض ان تكون كتابة جيدة تليق بالقارئ الذى سيقرؤها. ويكفينى انى بعد تلك السنوات اشعر بالرضا عما تركته، وزوجتى بالتأكيد هى قارئتى الاولى فهى تشاركنى الحياة والشعر ثم بعض الاصدقاء والشعراء والنقاد، وعادة ما اخبرهم بأنى كتبت قصيدة بدون ترتيب فاذا كانت هناك فرصة مواتية اقدمها لهم.

بيت الشاعر احمد عبدالمعطى حجازى يجتمع فيه الشعر والموسيقى فزوجته هى الدكتورة سهير عبدالفتاح استاذة النقد الموسيقى المعروفة كيف اجتمع الشعر والموسيقى فى بيتك على مدى ما يزيد على خمسين عاما؟

انا بطبعى اعشق الموسيقى والغناء وتحديدا صوت عبدالوهاب فى سنوات الثلاثينيات والاربعينيات وأحب موسيقاه وأرى أن هناك علاقة وثيقة بين الشعر والموسيقى كما اننى وزوجتى تجمعنا هواية اقتناء اللوحات الفنية، ولدينا فى بيتنا لوحات لاغلب الفنانين المصريين المعاصرين والراحلين، لدى أعمال لآدم حنين وتحية حليم وفاروق حسنى وعادل السيوى والبهجورى ووجيه وهبة وحامد عبدالله وغيرهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق