رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

..ومدينـة الشـعر

د.محمد عبدالمطلب;

الاحتفاء بالشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى يكون بوصفه واحدا من جيل الريادة العظيم فى شعر الحداثة، وبحكم هذه الريادة، كنت أعاود قراءة حجازى بحثا عن كشوف جديدة فى شعره، لأن شعره «حمّال أوجه» وفى كل قراءة أتذكر المقولة التراثية التى ذكرتها له عندما احتفلنا بسبعينيته: « من زعم أن أحدا من الشعراء أشعر منه، فليس يعرف الشعر «، كان هذا رأيى وما زال.


لقد استمعت لحجازى للمرة الأولى عام 1962 فى كلية دار العلوم، وثبت عندى منذ ذاك الزمان أننى فى مواجهة شاعر يمتلك « الصيغة الشعرية « التى تؤهله للجلوس مع الرواد العظام فى مسيرة الشعر العربى الذين أمتعوا الأذن وأشبعوا الذائقة الجمالية، وأثروا فى الوعى الفكرى والثقافى.

لقد كانت بداية حجازى مع المجتمع العربى من خلال ديوانه الأول « مدينة بلا قلب « الذى لم ينشر إلا عام 1959، وأقدم قصيدة فيه: «المخدع» مؤرخة بعام 1954، ثم تتابعت الدواوين

2 أوراس 1959 3 لم يبق إلا الاعتراف 1965

4 مرثية للعمر الجميل 1972 5 كائنات مملكة الليل 1978

6 أشجار الأسمنت 1989 7 طلل الوقت 2011

ومن الواضح أن شعرية حجازى محدودة كميا، لكنها غير محدودة كيفيا، ذلك أن معدل إنتاج الدواوين، ديوان كل سبع سنوات تقريبا، أى أن الشاعر ينضم إلى قائمة الشعراء المقلين، وذلك راجع إلى أنه لا يقدم على الإبداع إلا عندما يدخل فى « الحالة الشعرية « التى يحل فيها كما تحل فيه، لعل هذا يفسر لنا كيف أن شعر حجازى يسكن السمع والعقل والروح، ولا يكاد يغادرها، أى أن كل قارئ لشعره يدخل حالته، ولا يخلص لنفسه إلا بعد طويل زمن.

وأتوقف قليلا أمام الديوان الأول لحجازى «مدينة بلا قلب»، ثم استعيد موقفى أمام شعراء كثر فى القديم والحديث، وبخاصة فى تجربتهم الشعرية الأولى، و فى يقينى مقولة الناقد العربى القديم «أبوهلال العسكرى»: «البداية مَزلة»، استعيد هذه المقولة، ثم أنظر فى ديوان حجازى، فأجده ينفيها تماما، بل إنه يؤكد: «إن البداية نضج واكتمال»، وهذا الاكتمال بدأه فى هذا الديوان، ولم يتوقف حتى لحظة الحاضر الذى نعيشه، وذلك راجع إلى شخصيته بتكوينها الثقافى والنفسى، هذه شخصية بدأت ثم توسعت طولا وعرضا وعمقا، وهو ما أكد مكانته الريادية، وأكد قدرته على السير بالشعر العربى فى طرق التجديد والإضافة، فالشعر العربى يعرف الرثاء والمديح والفخر والغزل وسواها من الأغراض، لكن هذه الأغراض تحولت عند حجازى إلى قيم إنسانية، ولا يتسع السياق لمتابعة كل هذه الأغراض، و لكن أقدم نموذجا فى الفخر الذى تحول عنده إلى ظاهرة إنسانية فى التمرد العاشق للحرية، يقول فيه:

أعبر أرض الشارع المزحوم لا توقفنى العلامة

أثير حيثما ذهبت الحب والبغض وأكره السآمة

أدفع رأسى ثمنا لكلمة أقولها

لضحكة أطلقها

أو ابتسامة

أسافر الليلة فجأة ولا أرجو السلامة

أما تطويره للرثاء فيمكن أن نتابعه فى دُرّته الفريدة: « مرثية لاعب سيرك « يقول فيها:

فى العالم المملوء أخطاء مطالب وحدك ألا تخطئا

لأن جسمك النحيل لو مرة أسرع أو أبطآ

هوى وغطى الأرض أشلاء

إن متابعة مدونة حجازى الشعرية بكل خطوطها الصياغية والدلالية والجمالية يرسخ عندى عقيدة إبداعية، هى أن هذه المدونة تمثل ديوانا واحدا نزل على حجازى منجما تبعا للأحوال والمقامات والمواقف التى عاشها أو عايشها وسكنته روحا وعقلا بكل ألوانها السعيدة والحزينة، والتى بين السعادة والحزن، وقد شكّلت له قمة عالية أطل منها على عالمه، وعلى مناطقه الأثيرة، وبخاصة فى ديوانه الأخير «طلل الوقت»، فقد أطل منه على الواقع المصرى فى أخريات القرن التاسع عشرو العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين، تابعه فى تحولات الصعود، وتحولات الهبوط، وتحولات النور والظلام.

أن كل هذا وسواه هو الذى أتاح لى أن أطلق على حجازى «مدينة الشعر»، لأنه خرج من القرية للمدينة ممتلكا طاقة هائلة على مغالبة مشقة الطريق ومغالبة الأقران، لكن شاعرنا من أصحاب العزم، فقد كان رفاقه فى القرية يصنعون تماثيلهم من الطين، أما هو فكان يصنعه من الحجارة، مغالبا مشقة الحجر مقارنة بسهولة الطين التى عليها رفاقه.

أما منافسة الكبار فقد كانت مسلحة بجرأة الاقتحام من ناحية، واعتناق حرية الكلمة من ناحية أخرى، يقول فى « دفاع عن الكلمة «:

أنا أصغر فرسان الكلمة

لكنى سوف أزاحم من علمنى لعب السيف

من علمنى تلوين الحرف

سأمر عليه ممتطيا صهوة فرسى

لن أرحل

لن يأخذنى الخوف

فأنا الأصغر، لم أعرف بعد مصاحبة الأمراء

لم أتعلم خلق الندماء

لم أبع الكلمة بالذهب اللألاء

لقد تابعت فى إيجاز بعض ركائز شعرية حجازى التى أهلته للجلوس فى المقدمة مع الرواد العظام لمسيرة الشعر العربى، لكن واجبى النقدى يحتم على أن أبدى رأيا فى هذا السياق، وهو أن النص الشعرى عند حجازى قد انفتح على مصراعيه أمام القراءة الكاشفة عن عظمته، وبخاصة بعد استفاضة « القراءة الثقافية « فى مرحلة الحداثة الأخيرة وقد نذرت نفسى لإعادة هذه القراءة التى سوف تقدم للمتلقى الكنز الشعرى لشاعرى الأثير أحمد عبدالمعطى حجازى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق